مرفأ بيروت شهد في الرابع من أغسطس 2020 انفجارا ضخما أودى بحياة أكثر من مئتي شخص
مرفأ بيروت شهد في الرابع من أغسطس 2020 انفجارا ضخما أودى بحياة أكثر من مئتي شخص

يُعرف  المدعي العام التمييزي في لبنان القاضي غسّان عويدات بهدوئه وطول أناته، ولكنّ ما فعله، بعد قرار المحقق العدلي في ملف انفجارمرفأ بيروت طارق البيطار، أظهر  عكس ذلك، بحيث أدخل القضاء اللبناني في حرب من شأنها أن تضيفه إلى قائمة المؤسسات المنهارة في البلاد.

ما الذي حصل حتى انقلبت أحوال عويدات رأسا على عقب؟

في ظاهر الحال، يبدو عويدات  في موقع المدافع  عن صلاحياته، اذ إنّ المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت، في اجتهاده الذي أعاد فيه لنفسه القدرة على متابعة التحقيقات التي جرى تجميدها منذ أكثر من ثلاثة عشر شهرًا ، استحوذ على  صلاحيات النائب العام التمييزي حتى يستطيع الادّعاء على كبار الموظفين والقادة الأمنيّين، بعدما رفضت مرجعياتهم السياسية إعطاء الإذن بملاحقتهم. هذا في ظاهر الحال، ولكن في الواقع، إن البيطار ذهب أبعد من ذلك، فادّعى على عويدات نفسه وطلبه إلى جلسة استجواب.

وهذا الادّعاء كان من شأنه إعادة تسليط الضوء على الدور الذي لعبه المدعي العام التمييزي في ملف انفجار المرفأ، اذ كان المرجع الأكثر اطلاعًا على مخاطر كمية نيترات الامونيوم المخزنة بطريقة عشوائية وخطرة، في العنبر  رقم ١٢ في مرفأ بيروت التي انفجرت في الرابع من أغسطس.

وقد نجحت الحرب التي شنّها عويدات على البيطار في طمس السؤال عن أسباب الإدعاء عليه، وأدخلت البلاد في فوضى لم تعرف البلاد مثيلًا لها، حتى في زمن الحرب اللبنانية التي امتدت بين العامين ١٩٧٥ و١٩٩٠.

وتظهر التحقيقات في ملف انفجار المرفأ أنّ عويدات كان قد تلقى قبل ثلاثة أشهر من انفجار مرفأ بيروت الذي قتل وجرح أكثر من ستة آلاف شخص تقريرًا رفعه إليه مسؤول المرفأ في المديرية العامة لأمن الدولة الرائد جوزف النداف وأبلغه فيه عن خطورة  كمية نيترات الأمونيوم المخزّنة في العنبر رقم ١٢ ،بطريقة عشوائية، وفي ظروف غير مناسبة، بحيث تظهر فجوة في أحد جدران العنبر  ويعاني بابه الرئيسي من خلل كبير،.

وقد ورد في التقرير الذي درسه عويدات  أنّ كمية نيترات الأمونيوم  الموجودة خطرة للغاية، لأنّه، في حال اشتعالها، فسوف تؤدّي إلى انفجار ضخم "تكون نتائجه شبه مدمّرة لمرفأ بيروت".

وعلى الرغم من أهميّة ما تضمنه هذا التقرير، فإن عويدات اكتفى بطلب إصلاح الباب وسد الثغرة، وأمر بإقفال المحضر، أي بإبقاء الحال على ما هي عليه.

ونتيجة لأوامر عويدات، تمّ استقدام عامل تلحيم سوري  لإصلاح الباب الرئيسي، فكان التلحيم الذي يُشاع  بأنّه تسبب بنشوب الحريق الذي امتدّ إلى مادة نيترات الأمونيوم وفجرها.

ولم يعرف لماذا تأخر عويدات حتى عشية الرابع من أغسطس ٢٠١٠، ليصدر تعليماته، على الرغم من أنّ التحذير الذي أطلقه النداف كان في شهر مايو ٢٠٢٠.

ويكتسب هذا السوال أهميّته من أنّ المحكمة الخاصة بلبنان كانت قد حددت، في ذلك الوقت، موعدًا لإعلان حكمها المنتظر في ملف اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بعد ثلاثة أيام، أي في السابع من أغسطس ٢٠٢٠.

وقد طغى الانفجار والكوارث والمآسي التي انتجها على الحكم الذي أظهر دور "حزب الله" في تنفيذ جريمة اغتيال الحريري.

ولم يكن طبيعيًّا أن يتمّ الادعاء على ضبّاط وموظفين وعمال وتوقيفهم بتهم الإهمال في موضوع معالجة كمية نيترات الأمونيوم، فيما يبقى المدعي العام التمييزي الذي لم يكن على علم بها فقط بل ظهر أيضًا فاعلًا في القرار المتعلق بوجوب معالجتها، حرًّا، وكأنّ لا ناقة له ولا جمل،في ما كل ما حصل.

وقد استغلّ عويدات صلة القرابة التي تربطه بالنائب غازي زعيتر الذي تمّ الادعاء عليه في الملف، حتى يتنحّى عن متابعة التحقيقات في الانفجار، وذلك تجنّبًا لإثارة ملفه من قبل وكلاء الدفاع عن المدّعى عليهم.

وامتنع المحقق العدلي، في المراحل السابقة من التحقيقات عن الادعاء على عويدات، لأنّه كان يلتزم بصلاحياته الكلاسيكيّة، لكنّه وجد نفسه،عند إصدار اجتهاده " الثوري" الأخير، مضطرًا للاّدعاء على عويدات وغيره من القضاة الذين تترك, عادة، شؤون ملاحقتهم في ما ينسب إليهم من جرائم وجنح،  إلى محكمة خاصة بالقضاة.

لقد أدى ادّعاء المحقق العدلي على عويدات إلى ضمّه علنّا إلى منظومة المتضررين من التحقيق، فحوّل نفسه، بذلك إلى رأس حربة في محاولة تطيير البيطار التي كان قد تولّاها سياسيًّا، في مراحل سابقة، "حزب الله" من خلال تهديد أبلغه المسؤول فيه وفيق صفا إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.