تركيا لم تحسم أمرها تماما هل هي دولة علمانية أم دينية؟
تركيا لم تحسم أمرها تماما هل هي دولة علمانية أم دينية؟

هل تركيا عدو أم صديق للغرب؟ هذا السؤال يطرحه منذ بعض الوقت بعض الباحثين والمختصين في العلاقات الأميركية والأوروبية مع تركيا، لكن من دون إجابة قاطعة أو مجمع عليها. وتركيا نفسها لا توفر إجابة، بل على العكس تسعى لإشاعة الغموض حول هذه المسألة.

الفريق الذي يعتبر تركيا عدوا لا يخلو من الحجج، وخاصة منذ تولي الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان مقاليد السلطة، حيث تخلت تركيا تدريجيا عن شراكتها مع الغرب وراحت تتخذ لنفسها نهجا يمزج ما بين الاستقلالية وإدارة الظهر وأحيانا العمل ضده.

ويجادل هذا الفريق بأن أهمية تركيا بالنسبة لحلف الناتو مبالغ فيها، وهي فقدت ميزتها الأساسية مع انتهاء الحرب الباردة.

وتحت قيادة إردوغان اتبعت تركيا كل وسيلة ممكنة للإضرار بالعلاقات مع الغرب، ابتداء من سياساتها في الملف القبرصي وعدائها لليونان وإغراقها أوروبا بالمهاجرين غير الشرعيين إلى شراء منظومة الصواريخ من روسيا بالضد من تحذيرات الولايات المتحدة، إلى تحالفها ورعايتها لجماعة الإخوان المسلمين. واليوم هي تقف في طريق انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو تحت حجج وذرائع واهية.

في المقابل فإن الفريق الذي يرى في تركيا صديقا للغرب لا يخلو هو الآخر من الحجج. فتركيا هي عضو رئيسي في حلف الناتو، وهي تتعاون في العديد من الملفات بما في ذلك مكافحة الإرهاب، وبحكم موقعها الجغرافي تعتبر البوابة الرئيسية نحو آسيا والشرق الأوسط ولديها نفوذ واسع وكبير في المنطقة.

وعلى الرغم من أن معظم الحجج تميل إلى اعتبار تركيا عدوا وليس صديقا، إلا أن الحجة الأقوى التي يطرحها الفريق المؤيد لتركيا هي أن هذه البلاد ومنذ عام 1924 كانت حليفا دائما للغرب، وهي فترة طويلة نسبيا إذا قيست بتلك التي حكم فيها إردوغان، وليس هناك ما يمنع من هزيمته في الانتخابات واستعادة تركيا العلمانية. وبالتالي فإن الحكم على تركيا وتوجهاتها بناء على وضعها الحالي قد لا يكون منصفا. وربما يؤدي إلى خسارة حليف مهم على المدى البعيد!

الواقع أن هذه الحيرة تجاه اعتبار تركيا عدوا أو صديقا لا تنبع من فراغ، كما أن اختيار اليميني السويدي راسموس بالودان السفارة التركية بالذات كي يحرق نسخة من القرآن أمامها لم يأت هو الآخر من فراغ.

ولتقريب الصورة يمكن السؤال لماذا استطاع الغرب أن يستوعب دولة مثل اليابان مثلا ضمن منظومته رغم تاريخها وتقاليدها وثقافتها المختلفة، بل والمغايرة أحيانا، ولم يستطع أن يستوعب دولة مثل تركيا؟

ربما يكمن جانب من الإجابة في حقيقة أن تركيا ليست مجرد دولة شرقية أو إسلامية. لقد كانت حتى وقت قريب إمبراطورية كبيرة. وكانت تستولي على مساحات شاسعة من أوروبا ولعدة قرون، وبالتالي فإن كل تفصيل تركي هو بمثابة تذكير للأوروبيين بماضي الدولة العثمانية. الولايات المتحدة ليس لديها هذا الإرث ولذلك فإن حساسيتها تجاه المسألة التركية ربما تبدو مختلفة عن مثيلتها الأوروبية.

مع ذلك فإن الإدارات الأميركية بدأت في السنوات الأخيرة تعيد النظر في قناعتها القديمة باعتبار الديمقراطية التركية دليلا على إمكانية المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية وبالتالي يمكن تشجيع هذا النموذج في المنطقة. ومع كل خطوة يتخذها إردوغان نحو الاستبداد السياسي وأسلمة الدولة والمجتمع يتخلى المزيد من الساسة الغربيين عن هذه القناعة.

وفكرة أن تركيا قد تخلت عن إرثها العثماني، وتبنت نهجا حديثا، وهي فكرة عبقرية اجترحها أتاتورك، هي التي جعلت من تكاملها مع الغرب عملية ممكنة وواردة. لكن من الواضح أن هذه الإمكانية تمر حاليا باختبار عسير.

والمشكلة هي أن تركيا لم تحسم أمرها تماما، هل هي دولة علمانية أم دينية؟ وهل هي دولة ديمقراطية أم سلطوية؟

وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذها أتاتورك باتجاه علمنة الدولة وسن قوانين تكفل ذلك، إلا أن الثقافة التركية بقيت أسيرة للدين، والأمر المهم بالنسبة للمجتمعات الأوروبية هو أن إمكانية تخلي تركيا عن العلمانية وإحياء الإرث العثماني التوسعي وإضعاف قيم الحداثة بصورة تدريجية يظل أمرا واردا وهو يشكل مصدر قلق عميق.

بعبارة أخرى فإن تركيا اليوم هي ليست الجمهورية التي أسسها أتاتورك، وقد لا تعود كذلك في أي وقت قادم. وهذا من شأنه أن يسهل الإجابة على الراغبين في معرفة ما إذا كان يمكن اعتبار تركيا بمثابة عدو أم صديق!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.