شخص يقرأ القرآن داخل مسجد/ صورة تعبيرية
شخص يقرأ القرآن داخل مسجد/ صورة تعبيرية

كان حكم المرتد محور صراع مهم بين المسلمين المستنيرين وبين الظلاميين الذين يريدون فهم الدين بصورة غير إنسانية تجعل الإسلام يظهر وكأنه ميثاقا لجماعة مافيا تقتل من يريد الخروج منها. 

فلم يكن حكم المرتد أكثر أحد قواعد العصابات التي تقتل أعضاءها إن تجاسروا وأعربوا عن رغبتهم في تركها.

وباسم هذا الحكم البشع تم قتل شهيد الكلمة الكاتب الراحل، فرج فودة، وباسم هذا الحكم تم سفك دماء الكثيرين عبر التاريخ الإسلامي القديم والحديث.

ولا يمكن أن أنسى محاوراتي حول "حد الردة" مع أعضاء الجماعة الإسلامية في مصر وصراعى الفكري مع الكثير من المتطرفين الإسلاميين في أكثر من دولة حول نفس الموضوع. وكانوا وتقريباُ بدون استثناء يضربون بالقرآن وآياته عرض الحائط ويستندون إلى كتب تراث ما  أنزل الله بها من سلطان.

فعند هؤلاء المتطرفين لا قيمة للآية الكريمة "لا إكراه في الدين" ولا معنى لقوله تعالى " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولا يعلوا عندهم صوت فوق "من بدل دينه فأقتلوه" و" لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّب الزَّانِي، والنَّفْس بِالنَّفْسِ، والتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ."

وأتذكر وأنا أكتب هذه الكلمات ما ذكره رب المشارق والمغارب عما سيقوله الرسول الكريم يوم القيامة، وكيف سيعاتب الرسول ملايين المسلمين على أنهم هجروا القرآن وتمسكوا بكتب ابتدعوها وجعلوها بديلا عن القرآن نفسه فقال جل وعلا في كتابه الكريم عن يوم الدين " وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ". ثم تلا القرآن هذه الآية بقوله " كَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا". وقد يكون استخدام كلمة "المجرمين" هو إشارة ضمنية إلى المجرمين الذين سيبتدعون حدودا يسفكون بها دماء من يخالفهم مثل حد الردة وحد منكر الصلاة وغيرها من الحدود الدموية.

وأعجب ما في الأمر أن من يؤمنون بهذه الحدود مثل حد الردة لا يجدون أي غضاضة في اتباع كتب بشرية سموها كتب السنة بدلا من اتباع القرآن في حرية العقيدة. وحجتهم في هذا أن ما يسمونه بالسنة ينسخ القرآن! أي أن الظني عندهم ينسخ اليقيني والبشري ينسخ الحكم الإلهي!

ويالها من مأساة فكم إنسان تم قتله باسم هذا الحكم الفاسد، وكم طفل فقد أباه أو طفلة فقدت أباها بسبب هذا الحكم المفترى (بفتح نطق الأحرف الأخيرة) على الله ورسوله!

ولكن الباطل لا يعيش إلى الأبد ولابد أن يأتي يوم ينقشع فيه الظلام فبعد صراع تاريخي حول هذا الحكم جائنا الشيخ الفاضل، أحمد الغامدي، وهو المدير العام السابق لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة، ليقف بوضوح ضد هذا الحكم في  مقال له حمل عنوان "لا صحة لحد الردة". 

والمقال كتبه الشيخ، أحمد الغامدي، قبل بضعة أيام وتم نشره في العديد من المواقع، وقال الشيخ الفاضل فيه: "بينت في مقالي السابق بعنوان "الحرية في الإسلام" أن المتقرر في نصوص القرآن المحكمة حرية الإنسان في إيمانه، وأنه لا إكراه في الدين، وقد عُورض هذا بأن قتل المرتد ردة مجردة مقررة في كتب الفقه الإسلامي، والجواب عن ذلك أن ذلك اجتهاد ولم يثبت في الردة المجردة نص صريح محكم صحيح لا طعن فيه".

وأقف احتراما لهذا الرجل الشجاع لقوله هذه الكلمات ثم أصفق له بما أوتيت من قوة لوضعه أسسا وأسبابا وأسانيد لهذا الرأي. فقال الغامدي في مقالته الرائعة: "سأبين هنا الرد على شبهات هذا الاعتراض، وذلك فيما يلي: أولا: احتجوا بما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن مسعود قال: قال رسول الله: ’لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة‘، فقالوا هذا خبر في الصحيحين ينص على قتل المرتد، قلت: هذا الخبر غير صحيح، وغير مسلّم بأنه صريح لما يلي: أولا: إسناده ضعيف، لأن مداره على الأعمش، وهو مدلّس وقد رواه بالعنعنة فلا يقبل منه ما عنعنه"... 

وأضاف أيضا: " قال ابن المبارك: إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش.. وقال الشاذ كوني: من أراد التديّن بالحديث، فلا يأخذ عن الأعمش ولا عن قتادة، إلا ما قالا: سمعناه.. ونقل ابن عبد البر: القول بعدم قبول تدليس الأعمش..".

والآن وبعد د صراع سنين - بل وأكثر من قرن من الزمان - حول حكم الردة يتضح للجميع الآن أنه ليس فقط مخالفا للقرآن وحسب بل هو أيضا حديث به ضعف وكذب قد يكون متعمدا يصل إلى درجة التدليس!

ولا يسعني في هذه اللحظات إلا أن أختتم المقالة بقوله تعالى" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (سورة الأنعام آيو 144).

وشكراُ مرة أخرى وليست أخيرة للشيخ، أحمد الغامدى، على موقفه الرائع الداعم لحرية الفكر والعقيدة!

وللحديث بقية!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.