قيلم أثينا
فيلم أثينا

تعد أثينا واحدة من أبرز الآلهة المؤثرين في الأساطير الإغريقية بوصفها آلهة الحكمة والقوة وإلهة الحرب وحامية المدينة وآلهة الزراعة ومانحة الزيتون للبشر. عرفها الرومان باسم مينرفا، وتفاخر أحفادها بمكانة جدتهم ومقدراتها فأطلقوا اسمها على عاصمتهم اليونانية العريقة لتكون حامية أسطورية لها. لكن أثينا المعنية في الفيلم الفرنسي الذي حمل الاسم ذاته (أثينا Athena) وتم إصداره على منصة NETFLIX نهاية شهر سبتمبر الفائت، سيكون لرمزيتها دلالات أخرى، وإن احتفظت بوظيفتها الرئيسة كآلهة للحرب ستخيم على روح الفيلم وفضائه دون منازع. 

فيلم (أثينا) لمخرجه، رومين غافراس، الذي شارك في عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية الأخير وتنافس بقوة على جائزة الأسد الذهبي، تلقى ثناء كبيراً من النقاد لموضوعه الطارئ ذي الحساسية العالية في ظل المناخ السياسي المتوتر الذي تعيشه أوروبا، وأيضاً لمستويات التمثيل والتقنية الفنية الإخراجية الملفتة التي اتبعها مخرجه غافراس. حيث يمكن وصفه بالفيلم السياسي الإشكالي الصادم، وهو ماحدث حقيقة مع ردود الفعل الجزائرية الغاضبة التي أثارها ضده، وتأثيره السريع والمباشر على اشتباكات حدثت بعد أيام بين المهاجرين والشرطة في بلدة لينز النمساوية وتم ذكر الفيلم كمرجع استعمله المهاجرون في هذه الاشتباكات. وأيضاً ردود فعل بعض السياسيين اليمينيين الفرنسيين الذين وصفه أحدهم بأنه "نذير حرب أهلية مقبلة".

تدور أحداث الفيلم الناطق بالفرنسية والعامية الجزائرية، والذي يتشارك بطولته، دالي بن صلاح، وسامي سليماني، وأنتوني باجو، في ضاحية (أثينا) المفترضة في أحد ضواحي باريس، وهي ضاحية تعج بحشد مختلط يفوق عشرات الآلاف من المهاجرين أو ما يمكن توصيفه بالقنبلة الموقوتة. هنا حيث تشكل هذه الضاحية بيئة ملائمة وخصبة لعيش المحرومين والمقهورين والمظلوميات الكثيرة، وأيضاً نمو التعصب الديني والعرقي والخروج عن القانون وممارسة كافة المحظورات، والتي ستشهد أعمال شغب عنيفة فيها عقب مقتل المراهق الجزائري إدير ومطالبة أحد إخوته الغاضبين بتسليمه بعض أفراد الشرطة المتهمين باعتقال الصبي وتعذيبه حتى الموت. 

لكن الشرطة التي تبدو متواطئة بشكل أو بآخر وينخرط في سلكها عبدل أحد أخوة المراهق المقتول، والذي سيجد نفسه وسط صراع وجودي وأزمة هوية حادة، وسيبذل جهداً استثنائياً ليبدو أميناً للجانبين، أهله وواجبه، ستدفع به وتوظفه كوسيط تهدئة بينها وبين قيادة الشبان الغاضبين التي يترأسها شقيقه كريم، وستنفي التهمة عنها وتتبرأ من دم القتيل، وتلقي بالمسؤولية على عاتق أفراد مجهولين من اليمين المتطرف، وهي حقيقة ستنجلي لاحقاً حول تورط عناصر متطرفة يمينية يخفون هوياتهم تحت بزات أفراد من الشرطة الفرنسية.

ولكن، وإلى حين انجلاء هذه الحقيقة المتوقعة، سيحدث الانفجار وتتشظى الضاحية وتدمر حيوات، وسيبدو هذا التشظي بتعبيره السينمائي الحاد عن أعمال الشغب والعنف المفرط الذي دار بين الجانبين، مشابه في تراجيديته لمشاهد دموية حقيقية تشهدها فرنسا أو غيرها من الدول الغربية وتحدث من حين إلى آخر بين المهاجرين ورجال الأمن، وكأن هذه النار الكامنة لا تريد أن تنطفىء، وما تلبث أن تنتظر أية شرارة تحريضية عنصرية أو دينية أو سياسية أو اجتماعية لتندلع من جديد وتدفع بالغضب والدمار إلى أقصاهما.

الحكاية هنا إذن ليست عن فيلم سينمائي جالت فكرته الاستثنائية في مخيلة مخرج موهوب، بل تعبير فني متفوق عن واقع معاش وشديد الخطورة يستقرأ أبعاده ويستشعر بمخاطره العديد من نافذي البصيرة ويحذرون، كل منهم بأسلوبيته ومن موقعه الخاص به، من تداعياته المستقبلية الكارثية. أي عن الأرضية التي تفضي إلى مثل هذه الصدامات المتكررة، المتوقع ازديادها طرداً بما يوازي ازدياد شعبية اليمين المتطرف وفوز عدد من أحزابه ومنظماته في عدد من الدول الأوربية. وهي بمعظمها أحزاب ومنظمات معادية للمهاجرين وتدعو لعداء الأجانب جهاراً في برامجها الانتخابية، وبشكل خاص الكراهية الفاقعة للمهاجرين واللاجئين المنحدرين من الثقافة الإسلامية، عرباً وغير عرب.

وفي واقع الأمر، لا يمكن حصر هذه المشكلة الكارثية المتمثلة باليمين المتطرف بالدول الأوربية فقط، والذي يعتبر الاقصاء والتمييز والعنصرية والاستعلاء العرقي أبرز مفاهيمه وممارساته الحادة. إذ نحن نشهد بالمثل، الكثير من هذه الممارسات الاقصائية والعنصرية في دول أخرى، لبنان وتركيا كمثالين متقدمين، ضد اللاجئين الذين شطحت أعدادهم بنسب مخيفة في السنوات الأخيرة فيهما وفي أوروبا وسواها، بسبب مباشر للحروب أو غيرها من الأسباب الإنسانية الصعبة والمصيرية، ويمكن أيضاً إضافة تداعيات حرب روسيا على أوكرانيا التي رفعت من أعداد اللاجئين في أوروبا، وفاقمت بشكل حاد كل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في معظم دول العالم. 

فإن نحيّنا مؤقتاً الفكر اليميني المتطرف حول مفهومه لحفظ الهوية عبر الاستعلاء العرقي ضد الآخرين، ستتقدم دون أدنى شك الأزمة الاقتصادية والركود وارتفاع نسب البطالة عالمياً كأبرز العوامل والأسباب التي تدفع إلى مثل هذه الصدامات في مثل هذه الأوقات، بما يخلقه وجود أعداد غفيرة من المهاجرين، فقراء في غالبيتهم، من منافسة حادة لكونهم يرتضون بأقل الأجور ويزاحمون أبناء البلاد على الوظائف. وعليه، هل يمكن تحميل كامل المسؤولية لليمين المتطرف والمهاجرين معاً في خلق مثل هذه الصدامات الكارثية، أم أن جذور المشكلة التي تتفاقم حدتها تقع على عاتق الدول والحكومات التي تتسبب باستمرار في نشوء الحروب والأزمات الاقتصادية العابرة للقارات، وتقاعس معظم الدول عن أداء واجباتها وتراجع التنمية البشرية فيها مما يفضي إلى خلق أسباب الهجرة أو اللجوء بأعبائهما الكثيرة؟

السؤال فضفاض وشائك، الجميع يعرف إجاباته، لكن تشخيص المشكلة الواضح لا يجدي إن لم يقترن بالعلاج الملائم. وإلى حين عقد النوايا للبدء في العلاج، وهو أمر يبدو مؤجلاً بحسب قراءة المشهد السياسي العالمي، ستبقى مثل هذه الصدامات مستمرة، ومن غير المستبعد إبعاد نذرها نحو حروب أهلية محتملة بين المهاجرين واليمين المتطرف في معظم الدول المضيفة. وكمثل ماحدث في فيلم (أثينا)، قد تخيم هذه الآلهة القوية فوق أوروبا وسواها من الدول، لكنها لن تستخدم وظيفتها كآلهة للحكمة حينذاك، إذ أن الحرب حين تستعر، لا تبقي للحكمة موطئ قدم، تحرق الأخضر واليابس، والجميع فيها خاسر.  

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.