منظر عام يظهر الدمار في موقع انفجار مرفأ بيروت بلبنان في 5 أغسطس 2020
منظر عام يظهر الدمار في موقع انفجار مرفأ بيروت (أرشيف)

بعد انفجار مرفأ بيروت في 20 أغسطس من عام 2020 عيّن القاضي فادي صوان. لكنه استقال لأنه لم يتحمل الضغوط والتهديدات. استلم القاضي طارق بيطار القضية، التي كان قد رفضها في البداية لمعرفته بالتعقيدات والعراقيل التي ستعترضه.

وعندما بدأ عمله بجدية ونزاهة، كما عُرف عنه، اتهم في هذه الدعوى "بوضع نفسي خاص". طبعا لأن النزيه في زمن الاحتلال غير سوي. توالت دعاوى كف اليد ضده حتى بلغت 40 دعوى. ونجحت المنظومة في توقيفه تماما في عام 2021.  

كتب حينها أحد الصحفيين الموالين لحزب الله، في شهر مايو، مقالا مطولا عنوانه "كيف نجا حزب الله من عنبر البيطار؟". يسرد أنها "بجّت بين حزب الله والمحقق العدلي"، عندما اختار مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق، وفيق صفا، أن ينفّذ "غارة قانونية" على قصر العدل ويحاول تسوية المسائل "العالقة" مع أصحاب الشأن، لكن وفي لحظة الكباش واللجوء إلى "تجاهل الارتياب"، عبّر الرجل الذي يتّسم بالهدوء عن انفعاله. لربما، أنها المرّة الأولى التي يخرج فيها صفا عن اللياقات".

ويسترسل أن صفا لم يكن بحاجة لتوجيه رسالة شديدة اللهجة ومباشرة لبيطار، إذ لعلّه يقدر على توجيهها بنفسه طالما يستحصل على "فيزا" عبور إلى المقارّ القانونية. وفرضية "القبع" التي اختارها "حزب الله" كحلّ مشروع في القانون، وصلت إلى القاضي بالتواتر، وقد حوّلها الأخير "مادة ابتزاز وتهديد" موجّهة ضده، لخدمة مصالحه أو ربما كغاية تبرّر خروجه".  

هكذا حوّلت أقلام حزب الله القاضي البيطار إلى مبتزّ يعمل لمصالحه، ولم تعتبر "القبع" تهديداً. 

ويتابع أن سبب غضب الحزب وأزلامه من البيطار، "تواتر أنباء عن ميل لديه لاستدعاء قياديين من الحزب لاستجوابهم". وبما أن الآلهة لا تُمسّ، استعادوا مهزلة "شهود الزور" ذائعي الصيت في قضية اغتيال رفيق الحريري. ونعرف أن المحكمة أظهرت زيف كل ذلك. 

وأيضاً بما أنه من المعروف عن حزب الله، "دقّته" في تقديم الاتهام عبر الإعلام ومحكوم بقاعدة شرعية غير قابلة للتجزئة، لم يكن ليقبل أن يمرّ الاتهام بحق مسؤوليه دون الاطلاع على الأدلة. 

وهكذا فالحزب الحاكم يحق له الاطلاع على الأدلة قبل استكمال التحقيق. ويستطيع الحزب، المتهم بعدد لا يحصى من الجرائم ومن رفض تسليم المرتكبين، أن يعطينا الدروس في العدالة وإحقاق الحق؛ مع استنكار  تدخل القضاء الدولي والدول الغربية "المعروف عنها استعماريتها وسفكها للدماء". اتركوا الأمر للقضاء اللبناني ليستكمل "قبع" البيطار. 

على كل حال، تلتقي رغبات حزب الله ورغبات المجتمع الدولي على ما يبدو. هناك إرادة دولية في طمس الحقيقة حول جريمة تسببت بأكبر انفجار غير نووي في التاريخ، هدمت نصف بيروت، وراح ضحيتها 230 قتيلا وجريحا وتسببت بتشريد الآلاف. 

يقال الكثير، عن أدلة وأقوال سحبت من التداول، عن أن اسرائيل وراء تفجير المرفأ. ويبدو أن مصالح الحزب تجتمع مع مصالح المراجع الدولية التي تحمي مصالح إسرائيل للفلفة القضية.  

وبالتالي أي تدويل يبدو مستبعداً، خصوصاً بعد تدخل الجهات الأميركية في ملف الموقوفين وإخراج المواطن الأميركي (وهو لبناني يعمل في وظيفة حساسة كالأمن وسلامة المرفأ!! لتأخر صدور الحكم ضدّه، بسبب تعطيل التحقيق!! وسمح له بمغادرة الاراضي اللبنانية من المطار بمعرفة وموافقة حزب الله).

وعليك أن تفتش عن صلة ذلك بالترسيم مع إسرائيل والاتفاقيات غير المعلنة التي تضمنها، وعن الاتفاق النووي الإيراني. 

ولنعد إلى قطيعنا ما دام التحقيق سيظل محصورا في الفنجان اللبناني المهشم. ظاهر الصراع الآن يبدو بين البيطار وعويدات، لكن باطنه صراع بين القانون والحق والقوة العارية؛ باعتراف مدعي عام التمييز، الذي أخبرنا أننا في بلاد بلا قانون؟  

يستنتج البعض، بوجود "بنك أهداف" لإسقاط الدولة، عبر جعلها مأوى مجانين، تحت أنظار العالم الذي يمتنع عن التدخل كلما كان ذلك ضرورة مطلقة.  

تم تعطيل جميع المؤسسات، فيما عدا مؤسسة الجيش حتى إشعار آخر. لكن بدأت المحاولات منذ ما قبل نهاية العهد، ويستكملها الآن وزير العدل الذي يطلق تصاريح يكذّبها في اليوم التالي. ومن اعترافاته الدقيقة للأسف أن القضاء معطل:" إلها 3 سنين العدلية فارطة هلق جايين إنتوا بدكم تقوموا المقتاية!!"، واعتدى حراسه إثر ذلك على النواب بالضرب.  

هذا الوزير العوني لا يستطيع القيام بواجبه في إيقاف مهزلة توقيف البيطار، في حين يمكن لزميله وزير الدفاع، موريس سليم، أن يهدد بإقالة قائد الجيش؟!  

في ظل غياب القوانين نصبح ملزمين بالقبول بأن القتل والجريمة، أمر عادي ومن ضروريات حياة اللبناني. ألم يتم اغتيال مئات رجال الفكر والسياسة والصحافة والإعلام والدين والأمن، ولم تتمكن الأجهزة الأمنية والقضائية من كشف أي منها؟

العدالة معطّلة في لبنان منذ وقت طويل. وإرهاب القضاء حصل بالتدريج وتوجته عملية اغتيال القضاة الأربعة تحت قوس العدالة في عام 1999. منذ ذلك الحين خضع الكثير من رجال القضاء، إما خوفا وجُبنا وإما طمعا بمكاسب مادية تفوح رائحتها في أروقة قصر العدل. لكن اكتمال ضرب القضاء لم يحصل إلا في عهد الرئيس عون وبرعاية حزب إيران، فحصل غض نظر وتغطية من السلطات القضائية عن جميع التجاوزات الفاقعة للقاضية عون.  

في حديث وزير العدل السابق، إبراهيم النجار، لتلفزيون "MTV"، أكّد أن البيطار يقول الحق والقانون. ولكننا نعيش في منطقة جنون قانوني وقضائي. لم تعد هناك ضوابط وكل شيء ممكن. القانون وجهة نظر. اتهم بالانحياز عندما وجّه اتهامه إلى رموز السلطة. ما حصل في مرفأ بيروت هائل، إنها جريمة ضد الإنسانية. صرنا في منطقة عدم إحقاق الحق. صار لأي محكمة أجنبية صفة لأن أحد أتباعها أصيب. صار لها حق وصلاحية متابعة ما جرى في بيروت.  

إن جوهر رسالة استكمال التحقيق والمحاكمة هو أن لا أحد فوق القانون. لكننا في بلد عاش طويلاً تحت رحمة الاحتلالات، والاحتلال لا يكتمل إلا باحتلال القضاء. لذا كانت المعادلة التي أرساها الإفلات المطول من العقاب: استمروا بالقتل وستفلتوا من العقاب. 

المطلوب الآن الضغط كي يتمكن قاضي التحقيق العدلي من إصدار القرار الظني. وإذا فشلنا في محاسبة المجرمين فعلى لبنان السلام.  

ولنترك الأمر للجيل القادم ليتولى المهمة. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.