يُمْكن الجمع في العمل الدرامي بين الجَمْهَرة والتشويق من جهة.. والمصادقية التوثيقية
يُمْكن الجمع في العمل الدرامي بين الجَمْهَرة والتشويق من جهة.. والمصادقية التوثيقية

تُشَكِّلُ أحداثُ التاريخ وشخصياتُه البارزة مادةً خِصْبة لاشتغال الفنون التمثيلية على أوسع نطاق. في التاريخ ثمة قصّة يمكن استثمارها؛ دون عناء الإبداع/ الابتكار الفني الخالص. ثمة إبداعٌ مَجانيٌ قابل للاستثمار. كما أن الوعي الجماهيري أكثر احْتفاءً بالأعمال الفنية التي تَسْتعيد شيئا من التاريخ؛ لأن الذاكرة الجمعية تحتفظ بالخيوط العامة/ الغائمة لملامح القصة المُنْتَقاة للعمل الدرامي، وتملك "رؤية ما" تجاهها؛ ما يعني أن ثمة استثارة سابقة تربط المُشاهِد بالعمل، المشاهد المُحْتَفظ بأكثر من سؤال؛ فيما هو يتوقع من العمل الفني/ الدرامي التَّبرّع بالجواب.

الدراما التاريخية، وتحديدا: "الدراما التاريخية العربية"، هي جَمْهَرَة التاريخ بكل ما تستلزمه فعالية الجَمْهَرة من تشويق وتسطيح. هي إنزال المادة التاريخية من مستوى "العِلم الجاد" إلى مستوى "الفن المبتذل" الذي يُغَازِل المشاعرَ الساذجة عند عموم الجماهير البائسة المأخوذة ـ جَهلا وتَعصّبا ـ بأوهامها عن تاريخها البعيد.

إن هذه الجماهير المُشْتَعِلة جَهْلا وتعصّبا حَدَّ الاحتراق؛ دون أن تشتعل ـ ولو بِحدود شَمْعة يتيمة ذَابِلة ـ بَحْثاً في المصادر الأولى، وتَنْقيباً في الوثائق، واستثمارا لنتائج الدراسات المحققة، أقول: هذه الجماهير الجاهلة، الكسولة والمستفزة في آن، تَملأ الدراما التاريخية فراغَ جهلها بما تظنه عِلما، وتُرْوِي ظمأَ تَعصّبها بما تظنه حَقا، وتُداوِي جُرْحَها النرجسي بما تظنه مجدا تاريخيا...إلخ، تفعل ذلك مُغْتبِطةً بما تستهلكه، بينما هي تصبح ـ بعد مشاهدتها لهذه الأعمال الدرامية العبثية ـ أعظمَ جهلا وأشدَّ تعصّبا.  

طبعا، يُمْكن لك أن تجمع في العمل الدرامي بين الجَمْهَرة والتشويق من جهة، والمصادقية التوثيقية (التي تحتفظ بنواة الحقيقة التاريخية التي صَادَق عليها العِلم) من جهة أخرى. لكن هذا لا يحدث في الدراما التاريخية العربية؛ إما لأن حقائق التاريخ ليست محل اهتمام أصلا، وكل ما يهم هو التكسّب المادي والرمزي من استعادة التاريخ؛ وإما لأن إرادة التزييف (لأجل التوظيف... !) موجودة سلفا. ولهذا، لا تتضمن مسيرة إنتاج هذه الأعمال تخصيص لجان علمية/ بحثية تُشْرِف على مسيرة إنتاج العمل(توجد لجان شكلية لا علاقة لها بالبحث الجاد والموضوعي)، بحيث تضمن له أن يكون وَفِيّاً للحقيقة التاريخية في خطوطها العامة، خاصة وأن للعمل الفني شروطه الخاصة التي تستلزم مستوى من التحوير، وبالطبع، التحوير الذي يفي لـ"نواة الحقيقة"، لا التحوير الخائن الذي يتعمّد التزوير، ويُمَارس بَهْلوانية الانتقال بالحقائق من النقيض إلى النقيض.

على أي حال، لا يخفى على أحد أن "المادة التاريخية"، حتى في وجودها الموضوعي الخام، ليست محايدة تماما. وبالتالي، فإن استحضارها في عمل درامي ليس محايدا بالضرورة، ليس محايدا ابتداء؛ على افتراض إرادة الحياد. ومؤكد أنه لن يكون محايدا في سياق عملية الاستحضار التي لن تكون لوجه الحقيقة، على الأقل، لوجه الحقيقة النسبية كما هي في حدود مشروطية البحث التاريخي.   

وإذا كانت "المادة التاريخية" ليست محايدة، لا ابتداء، ولا في عملية الاستحضار، فإنها لا تحضر ـ بأية صورة ـ إلا بوصفها "قناعا" لفكرة ما. تحويل المادة التاريخية إلى عمل فني هو تعبير ـ بطريق غير مباشر ـ عن فكرة خاصة بصاحب العمل الفني؛ لا بالتاريخ، تعبير عن منحى ايديولوجي ما، وعن "اصطفاف ما"، لهذا السبب أو ذاك. ولا ضير في ذلك لو كان الوسيط مُتَخَيّل تماما، أو مُدَّعَى تماما، ولكن المشكلة أن الوسيط هنا هو وقائع تاريخية محددة، لها علائقها العضوية بكثير من مسارات التاريخ، وبكثير من مسارات الفكر على امتداد التاريخ أيضا. ما يعني أن تحويلها لقناع بعد تزييف كثير من مُكَوِّناتها الأساسية، يُعَدُّ انتهاكا لِحُرْمَة الحقيقة، وتدميرا لمبادئ الوعي العلمي، وتشويها ـ واعيا أو غير واعٍ ـ لِنَسقِ القيم الإيجابية التي تتغيا الإنسان في الإنسان، والتي لا تَتشكّل إلا من خلال وعي قِيَمي بالتاريخ.

إن مستوى مصداقية العمل الدرامي في علاقته مع حقائق التاريخ، جزء لا يتجزأ من مقومات الإبداع الفني فيه. التهافت الفني في الأعمال الدرامية التاريخية العربية له ارتباط عضوي وثيق بتهافت المصداقية في علاقة العمل بالتاريخ. الهُزَال الشديد الذي يطال العَصَبَ الفكري للعمل الفني يُورِث بالضرورة هُزَالاً على كل مستويات الإنتاج؛ لأن ثمة رثاثة عقلية ناظمة لكل عناصر العملية، منذ ما قبل البداية، وإلى ما بعد قراءة رَد الفعل الجماهيري.  

لا يجوز أن يغيب أن أذهاننا إبان مقاربة هذا العبث الدرامي أن الإبداع الفني هو فعالية منخرطة في سياق إرادة الارتقاء بالإنسان، ومنه احترام عقل المُشَاهد، مقرونا باحترام موقع العمل الفني المراد إنتاجه في تاريخ الإبداع؛ لأن الإبداع الحقيقي ليس ظرفيا، الإبداع الحقيقي لا يقع أسيرَ اللحظة التاريخية المحدودة التي يتموضع فيها، وإنما يعي ذاته بوصفها إبداعا خالدا يتجاوز ظرفيّة الزمان والمكان، أو على الأقل، يطمح لدرجة ما من درجات الخلود المتجاوز للظرف الخاص.

وطبيعي، والحال كذلك مع الأعمال الخالدة، أن العمل الذي يتعمّد التزييف، وقلبَ حقائق التاريخ، والاستخفافَ بالإنسان، لا يَهتم بموقعه في تاريخ الأعمال الفنية، أي لا يهتم بما سيقال عنه في مستقبل الأيام، لا يهتم بأن تتهكم الأجيال اللاحقة به، من حيث كونه "طيشا فنيا" عابرا لا يهدف إلا لكسب معركة جماهيرية تافهة في حدود ظرف خاص، ولهدف أقل بكثير من الحدود الدنيا لمستهدفات الأعمال الفنية الخالدة التي كانت تعبيرا عن الثابت الإنساني في الإنسان.          

وكمثال مُنَمْذَجٍ على كل ما سبق، لِنَتَذكّر مسلسلَ "الحَجّاج" الذي كان كارثيا بكل مقاييس الفن، وبكل مقاييس المصداقية مع وقائع التاريخ، وبكل مقاييس النسق القِيمي الذي يجب أن يستهدف الإنسان في ناهية المطاف. فهذا المسلسل، ورغم كل الجرائم الطافحة فيه كوقائع تاريخية على يد بطل المسلسل/ الحَجّاج، إلا أنه ـ وهنا الخطورة والخطأ الكارثي ـ حاول إضفاء معقولية واقعية على أبشع مرحلة من مراحل التاريخ العربي/ الإسلامي، مرحلة لا يزال الوعي العربي/ الإسلامي يرزح تحت تأثيرها الواعي وغير الواعي، حيث الإنسان ظهر بلا قيمة تماما، الإنسان يُنْتهك بكل سهولة، بكل برود، وبلا حدود، في سياق "تطبيع متوحش" مع أبشع وأشنع جرائم ذلك التاريخ.    

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.