الأمير هاري نشر مذكراته في كتاب يحمل عنوان "سبير"
الأمير هاري نشر مذكراته في كتاب يحمل عنوان "سبير"

لا شك أن زوبعة مذكرات الأمير هاري في كتابه Spare "سبير" أي "الاحتياطي"، وهو عنوان استفزازي إلى حد ما، يكشف عن قيمته داخل العائلة المالكة البريطانية أو بالأصح القيمة التي يعتقد الآخرين أنهم يتعاملون معه على أساسها. الكتاب عبارة عن مذكرات يروي فيها الأمير هاري قصة حياته ويتطرق أيضا لوفاة والدته المأساوي، ديانا أميرة ويلز. 

لكن المواضيع التي أثارت الجدل على نطاق واسق في كتابه، قوله إنه قتل 25 من مقاتلي طالبان أثناء خدمته في الجيش البريطاني في أفغانستان، علاجه النفسي ونوبات الهلع وتعاطى المخدرات بعد وفاة والدته، وعلاقته المتوترة للغاية مع شقيقه ووالده، وتوسله لوالده كي لا يتزوج من كاميلا. ومن هذا المنطلق علينا أن نتساءل هل ما يمر به الأمير هاري عقدة نفسية أم هي مجرد تنفيذ لأيديولوجية بعينها؟

من المؤكد أن مقتل الأميرة ديانا في حادث السير المروع مع صديقها عماد الفايد وما طرأ بعد مقتلها من حكايات لمؤامرات دبرت لمقتلها، وزواجها المضطرب بالأمير شارلز الذي انتهى بالانفصال بسبب علاقته بكاميلا، كانت لها دور كبير في بلورة شخصيته المتمردة والخارجة عن المألوف البريطاني التقليدي، فما بالنا بالعرف الملكي وبروتوكولاته. 

يبدأ الكتاب بوصف لحياته المبكرة التي نشأ فيها في قصر كنسينغتون وعلاقته بوالدته ديانا، أميرة ويلز. يتحدث عن علاقتهما القوية وذكرياته بقضاء الوقت معها. يتحدث الأمير هاري عن صراعاته مع عسر القراءة والصراعات العاطفية عندما كان طفلاً. واجه صعوبة في التعبير عن مشاعره وفهم مشاعره، وشعر بالخجل لطلب المساعدة. كما عانى من الشعور بالوحدة والعزلة عندما كان طفلاً، وهو ما ينسبه إلى فقدان والدته. 

وقد عبر عن هذه الاضطرابات النفسية في لقائه مع المذيعة الأميركية الشهيرة، أوبرا وينفري، وذكر أنه لجأ إلى أطباء نفسيين وكان يعاني من نوبات من الهلع بعد وفاة والدته وكان يتعالج لأربع سنوات، وتحدث أيضاً عن تعاطيه للمخدرات والكحول وأنه كان يحاول ألا يحتسي الكحول يوميا بل مرة واحدة في الأسبوع، وهذا ليس بهدف الاستمتاع بقدر ما هو محاولة للهروب من مشاعر ما. أما بالنسبة لعلاقته المتوترة بالعائلة المالكة، فقد وضحها في منصة "نتفليكس" وهي مقاطع دعائية لوثائقي عن حياة الأمير هاري وزوجته ميغان التي وجها فيها انتقادات محرجة لوالد هاري، الملك تشارلز، ولشقيقه الأكبر الأمير ويليام واتهامهما للعائلة الملكية بالعنصرية وإساءة المعاملة. 

إنه لمن الواضح أن هجوم الأمير هاري وزوجته ميغان ميركل على العائلة المالكة أصبح مصدر دخل بالنسبة لهما. فمبيعات مذكرات كتاب "سبير" كانت كبيرة جداً، فقد بيعت أكثر من 3.2 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم بعد أسبوع واحد فقط من النشر، ونقلت 750.000 نسخة في أسبوعها الأول في المملكة المتحدة وحدها، وقد يصنف ضمن المذكرات الأكثر مبيعاً على الإطلاق. 

لكن بالرغم من المبيعات الهائلة، فإن ردود الفعل العنيفة على الهجوم على العائلة المالكة وبوح أسرار عائلية كان المفترض ألا تظهر للعلانية خاصة أن شعبية العائلة المالكة لاتزال مرتفعة بين غالبية الشعب البريطاني والأميركي، والكثير أعرب عن اعتقاده أن الإحراج لم ينل فقط العائلة المالكة، بل بريطانيا أيضا، فالهجوم يحاول تدمير سمعة الملك الحالي والملك المستقبلي، وبذلك أضر الكتاب بشعبية كلا من الأمير هاري وزوجته ميغان. فقد استجوب دلتا لاستطلاع الرأي العام أن 42% من البالغين في المملكة المتحدة بين 12 و16 يناير، ذكروا أن الأمير هاري تسبب بأذى للأسرة المالكة أكثر من عمه الأمير أندرو.  

وقد اتضح ذلك من طريقة عرض الكتاب في المكاتب البريطانية مثل مكتبة "بيرت"، حيث عرض كتاب "سبير" بجانب رواية للمؤلفة بيلا ماكي الذي يحمل عنوان "كيف تقتل عائلتك" وفي هذا إيماءة لمزاعم الأمير هاري ضد العائلة المالكة. ووضعت مكتبة "الكتاب المفتوح" أو "ذي أوبن بوك" في ريتشموند جنوب غربي لندن، مذكرات الأمير هاري بجوار كتاب بعنوان "تاريخ الخيانة" لديارميد ماك كولوتش، وهذا يعطي إيحاء بخيانة الأمير هاري.  

ذكر المحلل السياسي نيل غاردينر، الخبير الملكي والمساعد السابق لمارغريت تاتشر وخبير السياسة الخارجية المقيم في واشنطن، وهو منتقد شديد للزوجين بسبب هجوهما المستمر على العائلة المالكة، أن هاري الآن أصبح "منبوذاً تماماً في كل مكان ولا يتقبله سوى دوائر النخبة الليبرالية في الولايات المتحدة"، خاصة الذي جعل الزوجين منغلقين في هذه الدائرة بعدما اتضح نفاقهما للعامة. 

فقد صرح الاثنان للجميع أن سبب تركهما لواجبتهما في العائلة المالكة واتخاذ القرار للاستقرار في الولايات المتحدة هو البحث عن الاستقلال المالي والابتعاد عن مراقبة الصحف البريطانية. لكن اتضح فيما بعد أن هجومهما على العائلة المالكة أصبح هو مصدر دخلهما المالي، وأنهما هما من يريدان اهتمام وسائل الإعلام بهما لتحقيق مآربهما المالية.   

وبالرغم أن كتاب "سبير" كان مشروعاً مشتركاً بين الأمير هاري وزوجته والكتاب باعتراف الجميع كان يحتوي على بصماتها في كل مكان، فإن بعد النشر وبعد ردود الأفعال الغاضبة الشعبية في كلا من بريطانيا والولايات المتحدة، تنصلت ميغان عن المشروع، وصارت تردد أن هذه مذكرات الأمير هاري وهذا مشروعه لوحده. ربما، كما يشير البعض، تشعر أنها ليس لديها ما تكسبه وأنها قالت ما تريده عبر مقابلتها مع أوبرا وينفري.

ومن ضمن العلاقة المركبة، أنه كان يربط أن هناك وجه شبه بين ما عانته والدته وزوجته، بالرغم أنه ليس هناك أي وجه للمقارنة. فالأميرة ديانا عندما تزوجت كانت في عمر التاسعة عشرة فقط مع القليل من الخبرة في الحياة، بينما ميغان عندما تزوجت كانت في منتصف الثلاثينيات من عمرها، وكانت وراؤها مسيرة مهنية ناجحة كممثلة. الأميرة ديانا استغلتها وسائل الإعلام، أما ميغان ماهرة بوسائل الإعلام وتستغلها هي لمصلحتها.  

فميغان ليست العروس السندريلا التي كانت تنتظر الأمير على الحصان الأبيض ليجترها من الفقر إلى العز والثراء وعالم الرومانسية، بل عندما تزوجت الأمير هاري كانت امرأة مطلقة ومتعلمة متخصصة في العلاقات الدولية والمسرح من جامعة نورث وسترن، إلينوي. وإلى جانب أنها ممثلة فهي ناشطة نسوية عملت في هيئة الأمم المتحدة للمرأة كمدافعة عن المشاركة السياسية والقيادية للمرأة، فهي تعد من الطبقة البرجوازية وكونها امرأة ملونة وناشطة نسوية منتمية إلى النخبة الليبرالية الأميركية هذا يجعلها تتبنى قضايا النخب، مثل محاربة العنصرية والتمييز وتفوق البيض وغيرها بما في ذلك مهاجمة الملكيات. 

ففي سبتمبر الماضي نشرت كاتبة هذه السطور، إشارةً لهذا الصراع في مقالة عن رحيل ملكة بريطانيا، جاء فيه ما ورد عن بعض النخب الليبرالية من الصحفيين الغربيين وأساتذة الجامعات مثل ما كتبته مايا جاسانوف، أستاذة تاريخ في جامعة هارفارد، في صحيفة نيويورك تايمز: "الآن بعد رحيلها، يجب أن ينتهي النظام الملكي الإمبراطوري أيضاً. نحن لا نرى حقاً مغزى النظام الملكي". ميغان ميركل تنتمي لهذه النخب وهي ضمن هذه الدائرة وبعد زواجها من الأمير هاري أصبحت أكثر شهرة مما كانت عليه في أي وقت مضى، وبالتالي تأثيرها للدفاع عن مبادئ وأيديولوجيات تلك النخب سيكون أكبر.  

نستنتج مما سبق، أن الدافع الرئيسي للأمير هاري في مهاجمة عائلته ليس أيديولوجياً، لكن التهجم مع الاستياء من والده وشقيقه والصحافة وكان يغذي ذلك إصرار مرير على تصحيح أخطاء الماضي. فهو لم يخفِ أمله في أنه من خلال وضع جميع أوراقه على الطاولة، سيثير عائلته لرد فعل للاتصال به، والاعتذار لإرساء أسس المصالحة. 

وعلى الرغم من رغبته في الترويج لكتابه، فإنه يريد أيضا المصالحة مع عائلته، وإن كان ذلك جنباً إلى جنب مع المزيد من الانتقادات اللاذعة، لكن على الأمير هاري أن ينظر إلى الأمور بجميع المعايير وأن هذه الانتقادات اللاذعة إذا استمرت بهذا الشكل قد لا تؤدي إلى المصالحة بل إلى نتائج عكسية، فالعائلة المالكة الآن تفكر جدياً باستبدال الأمير هاري وزوجته بعمه الأمير إدوارد، الذي يحتل المرتبة 13 في ترتيب ولاية العرش، وزوجته صوفي. 

كما أن الكثيرين من عامة الشعب وأصوات رسمية بعد صدور الكتاب والفيلم الوثائقي للزوجين على "نتفليكس" تطالب بتجريد الأمير هاري من ألقابه وعلاقاته بالعائلة المالكة. وفي حين أن الأمير لديه كل الدوافع للتصالح مع عائلته فهم في الأخير لحمه ودمه، فهذه الدوافع لا تعني زوجته وهي ليست ملزمة بها لأن أولياتها كما يبدو تنفيذ أيديولوجيات بعينها، والتي تم حصر الأمير هاري بها، فهل سيظل سجيناً في هذه الدائرة أم سينطلق يوما ماً قبل فوات الأوان؟ هذا ما سنرى بوادره في يوم تتويج الملك تشارلز الثالث المقرر يوم 6 مايو في وستمنستر أبي.     
 

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.