العاهل الأردني التقى نتانياهو في عمان
العاهل الأردني التقى نتانياهو في عمان

تريد واشنطن للأردن (والسلطة الفلسطينية كذلك) أن ينخرط بنشاط في المسار الإبراهيمي...الإدارة الأميركية تجادل بأن أبواب "الأفق السياسي" لاتزال مغلقة، الآن وحتى إشعار آخر، وليس من "الحكمة" في شيء التخلي عن "ثمار" التكامل الاقتصادي الإقليمي" التي تّعِد بها اتفاقات إبراهام، بانتظار نضج الظروف الذاتية والموضوعية، لاستئناف مسار الحل السياسي.

مسؤول أميركي معني بهذا الملف، قال في جلسة بحضور كاتب هذه السطور (شريطة عدم الكشف عن هويته)، أن الوقت قد حان لانضمام هذين الطرفين المعنيين أساساً بالمسألة الفلسطينية، إلى المسار الإبراهيمي، وأن إقناع عمان ورام الله بهذا الأمر، إنما يندرج في مقدمة جدول أعمال جولته في المنطقة...الشيء ذاته، يتكرر ويتسرب، بعد كل زيارة لمسؤول أميركي رفيع للمنطقة.

هذا الموقف، تدعمه بنسب متفاوتة من الحماسة، الدول العربية (الإبراهيمية)، وتقف أبوظبي في صدارة هذه الدول، فهي التي تقود قاطرة التطبيع العربي مع إسرائيل، وهي التي ترتبط بعلاقات خاصة ومتميزة مع الأردن، وهي في الوقت عينه، أحد أبرز داعمي وممولي مشاريع التكامل الاقتصادي الإقليمي، وهي الاسم "الحركي" للمسار الإبراهيمي.

تقوم فلسفة هذا المسار على فرضية، أن السياسة لا تحل كل شيء، ولا تعالج مختلف المشكلات التي تعاني منها شعوب المنطقة، وبالذات في الأردن، وأن من الحكمة البحث عن مسارات موازية لتوفير حلول من شأنها حفظ الاستقرار وتحقيق الازدهار، قد تساعد وإن بعد حين من الوقت، في تهيئة ظروف أفضل لاستئناف المسار السياسي.. لا تبادر أي دولة لإعلان تخليها عن فكرة "الأفق السياسي" أو حتى "حل الدولتين"، ولكن في المقابل، لا تبذل أي منها، جهداً كافياً لتفتيح آفاق السلام، فيبدو الحديث عن المسار السياسي، بمثابة "ضريبة كلامية" تدفعها حكومات هذه الدول لمواطنيها ومواطني دول المنطقة، في حين أن الجهد، كلّه أو جلّه، إنما ينصب على المسار الاقتصادي – السلام الإبراهيمي.

الأردن، ظل طوال السنوات الماضية، وبالذات زمن إدارة ترامب و"صفقة القرن" يتحدث عن "السياسة أولاً"، ولم يخل تصريح لمسؤول أردني واحد، من تأكيدات على أن الاقتصاد وحده، حتى في حال مقايضته بالأمن، لن يوفر بيئة صلبة لسلام واستقرار مستدامين، ولن يجلب والحالة كهذه، الازدهار المطلوب لدول المنطقة وشعوبها.

سيظل الأردن يتحدث عن "الأفق السياسي" وعن "حل الدولتين" بوصفه المخرج من الاستعصاء المنذر بانفجارات متلاحقة.. لكن الجديد في الموقف الأردني مؤخراً، أنه بدأ يعطي إشارات ملموسة، على أهمية تحفيز "مسار التكامل الاقتصادي الإقليمي"، بل ويعطيه أولوية قصوى عملياً، حتى وإن ظل لفظياً يعطي الأولوية للسياسة على الاقتصاد.

وربما يعود السبب في هذا التحوّل في الموقف الأردني، إلى جملة عوامل، منها: (1) اعتقاد الأردن بتعذر فرص الحل السياسي سيما في ضوء نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، ووصول اليمين الأكثر غلواً وتطرفاً إلى مواقع صنع السياسة والقرار في إسرائيل...(2) الخانقة الاقتصادية التي تعتصر الأردن والأردنيين، والخشية من تحولها إلى مصدر تهديد للأمن والاستقرار الوطنيين ... (3) ومنها أن الأردن يرى دائرة تحالفاته الأقرب، منخرطة بنشاط في هذا المسار، من بعض دول الخليج العربية إلى مصر والولايات المتحدة ... (4) إن قدرة الأردن اليوم، على مقاومة ضغوط الحلفاء، أضعف بكثير مما كانت عليه بالأمس، سيما في ضوء حسابات داخلية شديدة الدقة والتعقيد، تلقي بثقلها على أولويات السياسة الأردنية، في بعديها الداخلي والخارجي.

بعد الانتخابات الإسرائيلية، وتشكيل حكومة نتانياهو السادسة، ساد جدل وانقسام أوساط النخب السياسية الأردنية، حول الطريق الذي سيسلكه الأردن في التعامل مع صعود اليمين الديني والقومي في إسرائيل، من مرجح لسيناريو "التكيف" إلى مفضل لسيناريو "المواجهة"، على اعتبار أن الجلوس على مقاعد المتفرجين، ليس خياراً ممكناً في الحالة الأردنية.

وفي الوقت الذي جادل فيه كثيرون، بأن كلفة سيناريو "التكيف" على المدى البعيد أعلى بكثير من كلفة سيناريو "المواجهة"، إلا أن تطورات الأسابيع القليلة الفائتة، أظهرت بأن الأردن – الرسمي، سائر على خطى "التكيف"، وليس "المواجهة"، وأن بات أقرب للانفتاح على مشاريع التكامل الإقليمي – الإبراهيمية، منه إلى سياسة مقاطعتها ورفضها.

بالطبع، لا يخلو الخطاب الأردني الرسمي، من تشديدات متكررة على "وجوب عدم ترك الأشقاء الفلسطينية خلفنا"، والحاجة لإدماجهم في هذ المشاريع ... إن لخشية أردنية من انفجار الحال في الضفة الغربية وما قد تتسبب به شراراته المتطايرة من آثار على الداخل الأردني، أو لرغبة في الحصول على غطاء فلسطيني للانخراط في مسارات "السلام الاقتصادي"، التي هي الاسم الفعلي لمشاريع التكامل الإقليمية، من دون "رتوش"... الفلسطينيون لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد، مع أن السلطة الفلسطينية ليست بعيدة تماماً عن هذا الفضاء، وهي انخرطت بصورة جزئية في معادلة "الاقتصاد مقابل الأمن" زمن حكومة بيت - لبيد، وهي "تنويعة" على هامش "السلام الاقتصادي" كذلك.

الأردن، حتى الآن، رفض محاولات "جرّه" إلى المسار الإبراهيمي، قاطع مؤتمر النقب، ولم يشارك في اجتماعات أبوظبي، والجميع بانتظار قراره بشأن مؤتمر الرباط مطلع الربيع القادم، والموقف حتى الآن ضبابي، فيما سيناريو المشاركة يتغلب تدريجياً وبالنقاط، على سيناريو المقاطعة.

مرد التردد الأردني، رأي عام أردني غاضب ورافض للانخراط في هذا المسار، وحالة التردد والمراوحة التي تميز الموقف الفلسطيني، وربما غياب مشاريع مثيرة للشهية تبرر الانخراط المكلف في مسار محفوف بالمجازفة، ويشكل تخلياً عن جوهر ومضمون وروح "مبادرة السلام العربية" التي تحمس لها الأردن، وقامت فلسفتها على إنهاء الاحتلال أولاً، قبل التطبيع، أو تقديم السياسة على الاقتصاد بلغة أخرى.

في الجدل الدائر حول هذه المسألة، يغيب الموقف الرسمي المشتبك مع اتجاهات الرأي العام ومخاوفه وهواجسه، وتغيب الأسئلة الجوهرية عن النقاش، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: هل يفضي التطبيع مع إسرائيل إلى تنمية قوى الاعتدال فيها أم أنه يساعد قوى التطرف والغلو على تصعيد ممارساتها ورفع سقوف مطالباتها؟... ومنها أيضاً، ما الذي سيضغط على إسرائيل (أو يفتح شهيتها)، إن هي اندمجت اقتصادياً بالكامل في المنطقة، لكي تنهي احتلالها وتوقف ممارساتها الوحشية ضد الفلسطينيين؟

واشنطن أجابت على لسان بليكن على السؤال الثاني: اندماج إسرائيل في المنطقة، يحفظ أمنها وتفوقها، بمعنى أن الأولوية الأميركية لاتزال وستبقى لسنوات عشر على أقل تقدير، والكلام للمسؤول الأميركي الزائر الذي رفض الكشف عن هويته، هي أمن إسرائيل وتفوقها، ولن تكون هناك إدارة أميركية، جمهورية أو ديمقراطية، راغبة أو قادرة، على ممارسة ضغط عليها، يكفي لدفعها لإنهاء الاحتلال، والرضوخ لمشيئة المجتمع والقانون الدوليين حول "حل الدولتين.

أما السؤال الأول، فتجيب عليه سلسلة الوقائع التي أعقبت التوقيع على الاتفاقات الإبراهيمية: إسرائيل جنحت أكثر للتطرف والغلو، واستشعرت أكثر من أي وقت مضى "فائض قوة" يمكنها من "حسم الصراع" مع الفلسطينيين بدل "إدارته"، ودائماً على حساب أرضه وحقوقه ومقدساته ... والسنوات الإبراهيمية الفائتة، بما شهدته من تسريع للاستيطان وتكثيف للعدوان وزيادة في الانتهاكات، خير دليل على بؤس النظرية القائلة بأن التطبيع مع إسرائيل، و"تهدئة روعها" هما الطريق الأقصر لضمان اعتدالها وجنحوها لخيار السلم واحترام حقوق الفلسطينيين والعرب.

على الأردن، أكثر من غيره، أن يجيب على هذين السؤالين، كونه بفعل "الجيوبوليتك"، المتضرر الثاني من سياسات التطرف الإسرائيلي، بعد الفلسطينيين ... الرأي العام الأردني قدّم إجابته بشكل واضح وملموس، بكل أشكال التعبير الممكنة، بيد أن الكرة اليوم لاتزال في الملعب الرسمي الأردني، فهل من مجيب؟!

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.