وزير الخارجية الأميركي يلتقي الرئيس الفلسطيني
وزير الخارجية الأميركي يلتقي الرئيس الفلسطيني في رام الله

زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الأخيرة للمنطقة لم يكن هدفها كما يبدو تحقيق اختراق من أي نوع، ولكنها زيارة من أجل إبلاغ دول المنطقة بأن إدارة بايدن مهتمة بشؤونهم ومعنية بقضاياهم وأن التزامها تجاه حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها لم يتغير.

بالطبع هناك أيضا التحضير للزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية الجديدة بنيامين نتانياهو لواشنطن، وكذلك بحث آفاق العمل مع هذه الحكومة في إطار العلاقات الخاصة بين البلدين.

وهناك أيضا الملف النووي الإيراني والتصعيد الإسرائيلي الفلسطيني وغير ذلك من القضايا التي تشغل بال الساسة في واشنطن، ويريدون أن يكونوا فيها على صفحة واحدة مع الحكومة الإسرائيلية فلا يتفاجئوا ولا يضطروا لاتخاذ مواقف غير مرغوب فيها.

وفي حين تبدو القضايا الكثيرة في المنطقة مصدر قلق وتفكير دائمين لواشنطن، يظل موضوع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي محتفظا بمكانته الخاصة.

وكل إدارة أميركية مهما كان انتماؤها الحزبي أو الأولويات التي تنشغل بها، فإنها في لحظة ما لا بد أن تعطي أهمية وجهد ووقت لا بأس به للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فمنذ إدارة جيمي كارتر في السبعينات وحتى يومنا هذا بذلت جهود كبيرة تراوحت ما بين الاستثمار السياسي والدبلوماسي والاستثمار الاقتصادي في هذه القضية.

لكن الملاحظ أن جميع تلك الجهود لم تسفر عن شيء. ولم يتمكن أي رئيس أميركي من تحقيق اختراق ما، وكان أكثر رئيس أميركي كرس وقتا وجهدا وسمعة هو الرئيس بيل كلينتون، ومع ذلك فقد خرج خالي الوفاض.

 

ترى ما السبب؟

ما الذي يجعل القضية الفلسطينية الأكثر استعصاء على الحل رغم مرور كل هذه السنوات ورغم كثرة من سعوا إلى تقديم المساعدة والعمل على حلها؟

في العادة كل قضية أو نزاع يحل عبر تسوية ما، لا تعطي الأطراف جميع ما تريده لكنها لا تحرمها أيضا من كل ما تريده. وبصورة ما يحصل كل طرف على مكسب معقول فيكون بذلك راضيا ومضطرا للموافقة على التسوية.

مشكلة القضية الفلسطينية أنها لم تعد مجرد قضية أو نزاع، بل غدت شأنا عربيا وإسلاميا عاما، تتنازعه الحكومات والجماعات والأفراد، وكما يتبين من كل هذه السنوات أنها أيضا وربما لهذا السبب أصبحت غير قابلة للتسوية.

الفلسطينيون يريدون فلسطين التاريخية وإن تظاهروا بالموافقة على أراضي 67، والإسرائيليون يقبلون بوجود الفلسطينيين إلى جانبهم، ولكن بشرط أن يتخلوا عن السلاح والعنف ويقبلوا بوجود إسرائيل الحالية.

وأعمال العنف والقتل الثأري بين الجانبين والمستمرة منذ قرابة قرن من الزمان والممزوجة بالكراهية والأحقاد هي التعبير الجلي عن تأصل عدم قبول الآخر.

بعبارة أخرى، فإن فكرة التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين تبدو غير واردة في الوقت الراهن على الأقل، ولا تحظى بموافقة الجانبين. وهذا يعني أن حل الدولة الواحدة غير عملي وغير ممكن التحقيق.

كما يعني أن حل الدولتين هو الآخر غير قابل للحياة، لأن الفلسطينيين لن يقبلوا بدولة وفق الشروط الإسرائيلية، والإسرائيليون لن يقبلوا بدولة تهدد وجودهم ولا يضمنونها ولا يثقون فيها.

وهذا هو سبب فشل الوساطات وفشل السياسة الأميركية في هذا الملف. فالسياسة الأميركية هنا تبدو دائما متأخرة عن الواقع.

اليوم لا تزال إدارة بايدن تصر على حل الدولتين في الوقت الذي لا توجد فيه أدنى فرصة لهذا الحل. واليوم الذي يكون فيه ذلك مقبولا ربما يكون الواقع على الأرض قد تخطى ذلك.

يتضح مع مرور الوقت أن أي حل ممكن للنزاع لا بد أن يقع ضمن السيناريوهات التالية:

  • أن يتغير الفلسطينيون والإسرائيليون، بحيث يتخلون عن فكرة الحلول النهائية ويقبلوا التعايش من دون الرغبة أو السعي لإلغاء الآخر.
  • أن يقر أحد الطرفين بالهزيمة ويقبل بشروط الآخر ويسعى للتعايش معه.
  • السيناريو الثالث هو أن يسيطر أحد الطرفين على الأرض ويفرض سيادته الكاملة في المنطقة الواقعة ما بين النهر (الأردن) والبحر (المتوسط).

 

على الرغم من أن السيناريو الأول والثالث ينسجمان مع منطق الأمور، فإن السيناريو الثاني يبدو هو الأقرب للواقع. أو على الأقل هو الأدنى تكلفة والأكثر فعالية عبر التاريخ. فالحروب لا تنتهي بإعلان الانتصار، ولكنها تنتهي عندما يعترف الطرف الآخر بالهزيمة.\

الاعتراف بالهزيمة هو السبيل الوحيد لانتهاء الحرب وهو الذي يسمح لكافة الأطراف بالانتقال إلى حالة السلم، من دون ذلك تستمر الحروب وإن بأشكال وطرق مختلفة.

العقلية العربية للأسف ليس في قاموسها ولا في عرفها الاعتراف بالهزيمة في حال وقعت، بل يتم تصوير الأمر في كل مرة كما لو أنه انتصار، ولكن من نوع مختلف (هذا ينطبق تقريبا على جميع الحروب، الصغيرة والكبيرة، التي شهدتها المنطقة خلال الخمسين عاما الماضية) وهذا بالطبع خداع للذات وتعميه على الواقع لا أكثر ولا أقل.  لهذا السبب لا تتوقف الحروب في المنطقة، ولا يتم وضع نهاية لها. ويبدو أن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ليس استثناء من ذلك، إن لم يكن هو واقع في صلب القاعدة المذكورة.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.