سانشيز زار الرباط
سانشيز زار الرباط

برئاسة مشتركة بين رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، ونظيره الإسباني، بيدرو سانشيز، تزامن انعقاد "الاجتماع الثاني عشر رفيع المستوى"، الأربعاء (1 فبراير 2023)، مع ذكرى عودة المغرب إلى المنتظم الإقليمي "الاتحاد الأفريقي" في يناير 2017، بعد مصادقة القمة الأفريقية على طلب عودة المغرب إلى عضوية الاتحاد الأفريقي، بحصوله على موافقة 39 دولة من أصل 54 عضوا بالاتحاد.

وكانت الرباط انسحبت عام 1984 من منظمة الوحدة الأفريقية (التي أصبحت تحمل اسم الاتحاد الأفريقي) احتجاجا على قبول الأخير عضوية جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الصحراء الغربية. حينها أشار الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى أن المغرب من الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي، واضطر لترك هذه المنظمة بعد قبول عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهو إجراء اعتبره الملك "جرحا" أجبره على "التخلي عن عضويته بالمنظمة الأفريقية". وبخصوص نزاع الصحراء الغربية، دعا الملك الاتحاد الأفريقي إلى تصحيح "كوابح خطأ تاريخي وإرث مرهق".

مثّل قرار عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي منعطفا جديدا في المعركة الدبلوماسية التي يخوضها المغرب للدفاع عن الهوية المغربية للصحراء الغربية، حيث طالب قبل ذلك برحيل الجمهورية الصحراوية كشرط للعودة إلى الاتحاد الأفريقي.

وشكَّلَ قرار الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في نهاية ولايته الرئاسية، بإعلانه اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية، أهم حدث سجل خلال هذه الفترة الممتدة على ست سنوات، نتج عنه تراجع عدد من الدول عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وفتح عدد من القنصليات بمدن الصحراء، في العيون والداخلة.

وسيتوج هذا المسار الدبلوماسي باعتراف واضح من رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، ففي رسالة تاريخية بعث بها إلى الديوان الملكي في الرباط، كان لإزاحة السرية عنها ولنشرها غير المتوقع، أثر الهزة الكبرى في أوساط المجتمع السياسي الإسباني. وهي الرسالة التي يعترف فيها رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز بسيادة المغرب في الصحراء الغربية. مؤكدا أن مقترح الحكم الذاتي الذي صاغته الدولة المغربية سنة 2007 مقبول الآن من قبل الدولة الإسبانية، باعتباره المقترح "الأكثر جدية ومصداقية" لحل نزاع إقليمي يعود تاريخه إلى عام 1975.

لم يكن مستغربا رد فعل جبهة البوليساريو حيال هذا القرار المفاجئ، حيث صرحت قيادتها أن "تصرفات رئيس الحكومة الإسبانية تنطوي على خيانة لالتزامات الاستفتاء على استقلال الصحراء الغربية".

وقد حدث هذا التغيير في العلاقات الإسبانية المغربية في لحظة احتدام الحرب الروسية - الأوكرانية، وثقل تداعياتها على إمدادات الطاقة في أوروبا والعالم. لذلك استهجن بعض الخبراء الاقتصاديين قرار بيدرو سانشيز المؤيد للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، ورأوا فيه أنه يحمل الكثير من التناقض والتهور السياسي، على اعتبار أن إسبانيا تعتمد على إمدادات الغاز من الحليف التاريخي لجبهة البوليساريو، أي الجزائر.

إلا أنه وسط الجدال المألوف داخل الطبقة السياسية والمجتمع المدني الإسباني، بشأن سياسة رئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز، والعلاقة مع المغرب، والموقف من النزاع الجزائري - المغربي حول قضية الصحراء الغربية، يضاف إليها إجراءات مراقبة الهجرة غير الشرعية... وسط هذه الأجواء المحمومة اندلعت أعمال عنف وموت وانتهاكات لحقوق الإنسان، في خضم إجراءات التعاون بين الرباط ومدريد، وانتهاج سياسات الهجرة المصاغة في إطار الموقف الإسباني الجديد، عندما لقي أكثر من 27 مرشحا للهجرة السرية مصرعهم على سور مليلية (24 يونيو 2022)، وأصيب المئات منهم نتيجة سوء استخدام القوة من قبل قوات الشرطة المغربية والقوات الإسبانية. وهي المأساة التي توثقها بيانات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وجمعية مساعدة المهاجرين، ومنظمة أتاك المغرب، وغيرها من الهيئات الحقوقية، في شهادات واضحة على الأحداث، معززة بتسجيلات الصور الفوتوغرافية ومشاهد الفيديو، تظهر الوحشية الهائلة التي تصرفت بها قوات الشرطة لمحاولة منع تجاوز المهاجرين للسياج الحدودي الفاصل بين مدينة مليلية الخاضعة للسيطرة الإسبانية ومدينة الناظور.

في وسط هذه اللّجة وجد بيدرو سانشيز نفسه أمام سيل عارم من الانتقادات الحادة لمعارضيه داخل إسبانيا، الانتقادات التي اعتبر أصحابها أن ما حدث في مليلية هو جزء من سياق استئناف اتفاقيات "التعاون" بين إسبانيا والمغرب، وتقارب بين السلطة التنفيذية لبيدرو سانشيز مع النظام المغربي، وتكريسه لـ"التعاون الاستثنائي الذي يجريه مع المملكة المغربية".

ولم تتوقف هجمة الأحزاب والحركات والتيارات الحقوقية واليسارية على حكومة سانشيز، وعلى برامجه المرتبطة بالمخطط الأمني المسمى بـ "سياسة الحدود الذكية".

لم يتراجع بيدرو سانشيز، وظل صامدا في موقفه تجاه التزاماته السياسية مع المغرب، ولم يصوت نوابه في البرلمان الأوروبي مع قرار الإدانة الذي جرت صياغته ضد المغرب في شهر يناير المنصرم. بل إن سانشيز خرج ليتبرأ من القرار. وفي مستهل فبراير الحالي توجه بصفته رئيس السلطة التنفيذية برفقة وفد وزاري مهم إلى العاصمة المغربية، وترأس مع عزيز أخنوش "الاجتماع الثاني عشر رفيع المستوى" بين المملكتين الإسبانية والمغربية، تحت شعار "شراكة متميزة متجهة بثبات نحو المستقبل". الحدث الذي وصف بكونه يشكل "مرحلة مفصلية في تنزيل التصور الجديد للعلاقات بين البلدين"، والذي اختتم بتوقيع نحو 20 اتفاقية ثنائية، شملت مجالات مختلفة تهم الاستثمارات الاقتصادية والجانب الاجتماعي والتعاون الأمني الوثيق في مجال الهجرة والإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

مما يعزز الموقف القائل بأن هناك تحالفا جيوسياسيا جديدا يتأسس بهدوء بين مدريد والرباط، يحصل بعد مبادرة الولايات المتحدة في آخر عهد دونالد ترامب، المبادرة التي سارت عليها إدارة خلفه جو بايدن بخصوص ملف الصحراء الغربية، على عكس ما توقعته بعض الجهات. مما ساهم بشكل كبير في دعم التوجه الدبلوماسي الجديد للمغرب.

لكن التساؤل الذي يشكل مصدر قلق لدى الرأي العام في كلتا الضفتين، ويظل كامنا خلف هذه النجاحات التي تحققت حتى الآن على مستوى العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، هو المتعلق بشأن وضع المدينتين المحتلتين: سبتة ومليلية. أم أن المصالح الاقتصادية أو الجيوسياسية تفرض اليوم بقوة حساباتها الخاصة على الطرفين، من أجل إعادة ترتيب جيوسياسي واسع يحول التحالف المتوسطي نحو محور أطلنطي- أفريقي، يمتد ليشمل المغرب مع موريتانيا ونيجيريا، على المسار الذي تخطط له استراتيجية واشنطن طويلة المدى المتوسطي، حيث لا يمكن إدارة حوض البحر الأبيض المتوسط إلا إذا أمكن تأمين منطقة شمال أفريقيا، التي تجاهلتها قوى جنوب أوروبا منذ فترة طويلة، حسب رؤية أحد المحسوبين على يمين الوسط والمعنيين بمجال السياسة الخارجية الأميركية، المفكر جاكوب جريجيل.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.