بينما يحاول السياسيون المؤثرون في منطقة الشرق الأوسط عملهم في إبطال قنبلة العنف الوشيكة والمتوقعة في رمضان القادم، والبحث بين الأسلاك المتشابكة الملونة عن السلك الذي يجب قطعه قبل أن ينفجر كل شيء، كنت أتابع الموسم الأخير من أحد مسلسلاتي المفضلة على منصة نتفليكس، وهو المسلسل الإسرائيلي "فوضى"، وحين أقول إنه من الأعمال المفضلة التي انتظرت مواسمها فأنا أقف في آخر الدور بين ملايين ممن حققوا نسب مشاهدة عالمية وعربية أيضا.
فوضى، حسب بطله ليو راز، جاء اسمه من ذات الكلمة التي تستخدمها وحدات المستعربين في حال تأزمت الأمور إلى حد فقدان السيطرة على الموقف، فيتم النداء بكلمة فوضى طلبا للتدخل العسكري المفتوح.
المسلسل تعرض لانتقادات عديدة أغلبها من الجانب العربي متهما طاقم العمل ومنتجيه أنه منحاز للجانب الإسرائيلي ومجحف بحق الفلسطينيين، وقد صورهم بشكل متوحش حسب تلك الاتهامات.
في الموسم الرابع والأخير، ألقى المسلسل الضوء على حالة جديدة من "تشابكات" النزاع العربي –اليهودي، وهي حالة عرب إسرائيل من مواطنيها الذين يسعون للاندماج في دولة غالبية طاقم حكومتها المنتخبة حاليا ينادي بيهودية الدولة بالكامل، طبعا كانت ثيمة الموسم الصراع مع حزب الله وإيران، ودارت أحداث القصة بين بروكسل وإسرائيل والمناطق الفلسطينية لتنتهي في لبنان، ومثل أي دراما حركة مشوقة تجنح للخيال قدر الإمكان استطاع المسلسل أن يضع بطله "درون" وباقي الفريق في قلب الضاحية الجنوبية وفي قلب طرابلس شمالا في عملية إنقاذ لضابط أمن إسرائيلي "أيوب- غابي" الذي كان محورا لمواسم سابقة، وشخصيته المركبة انتهت في الموسم الأخير بمبالغات لم أستطع ابتلاعها.
على الأرض، نحن أمام حالة متفجرة في الضفة الغربية يغذيها كل يمين من كل طرف، وقد وصلت الحالة ذروتها بتسليم مقاليد السلطة لليمين المتدين "والقومي" في حكومة بنيامين نتنياهو. وعلى الأرض، تبدو كل آفاق الحلول "السياسية" بعيدة جدا أمام احتقان هائل يتوالد منه غضب مستمر يغلب على المزاج العام عند كل الأطراف.
مسلسل فوضى، في زاوية درامية جديدة من موسمه الرابع تحدث عن مايا، الشرطية الإسرائيلية العربية، والتي آمنت بالدولة أكثر من غيرها في أسرتها وتزوجت بحب زوجها الإسرائيلي اليهودي، والذي يعمل معها في الشرطة أيضا. مايا حصلت – حسب الخط الدرامي- على أوسمة عديدة لتفانيها في العمل البوليسي ضد المخدرات وتجارها ( والملاحظ أن المشاهد ركزت على أن عالم المخدرات هو للعرب فقط)، ومايا تتغير حياتها رأسا على عقب لأن شقيقها الأصغر هو "الإرهابي" الجديد الذي طرحه المسلسل وقد استطاع بالحيلة "والمبالغات الدرامية في التشويق والتحالفات غير الممكنة بين الأضداد" أن يختطف ضابط الأمن الإسرائيلي الكبير في بروكسل وينقله إلى لبنان.
مايا، ومع هذا التحول صارت "خصما" للدولة حتى قبل أن تقرر أن تنحاز لخيار إنقاذ شقيقها! هكذا نكتشف أن "الاندماج" في مفهوم المواطنة ليس سهلا مما يجعلنا نفكر في استحالة "حل الدولة الواحدة".
تحدثت بالفكرة مع الزميل، آفي ايساتشاروف، مؤلف "مسلسل فوضى" والصحفي السياسي المتخصص ليتفق معي في رده على أن حل الدولتين انتهى، ويضيف آفي "وهو متخصص بالتحليل السياسي" أن الحل انتهى لأنه لا يوجد شركاء سلام، لا يوجد شريك إسرائيلي ولا يوجد شريك فلسطيني كما يقول.
أما حل الدولة الواحدة بعيد عن التحقق، ولا يرى مؤلف "فوضى" أن حكومات يمينية تسيطر على الدولة مثل حكومة نتانياهو يمكن لها أن تعطي "حقوق مدنية أو سياسية" للفلسطينيين في الضفة، مما يضع الأمور رهنا للرعب القادم من الاحتمالات المفتوحة، طبعا في غياب شركاء السلام.
فوضى، المسلسل الذي طرح إشكاليات الهوية والمواطنة عبر شخصية "مايا" وتحولاتها، لم يكن بعيدا عن الواقع في حكايات وقصص يومية يعيشها الجميع غرب نهر الأردن حتى المتوسط، أحد أبطال المسلسل في موسم سابق تعرض لحملة شرسة من سياسي ليكودي وعضو كنيست لأنه تزوج "وبعد قصة حب" إعلامية إسرائيلية محترفة من أصل عربي ومسلم. الحملة لقيت رواجا كبيرا منذ عام 2018 وحتى اليوم لا تزال حديث الشارع الإسرائيلي، تماما مثلما يحدث على الطرف الآخر"العربي والفلسطيني" لو قرر عربي الزواج من إسرائيلية، أو إسرائيلي "يهودي" الزواج من عربية – مسلمة. حتى لو تزوج عربيان من ديانتين مختلفتين فإن الحملة ستكون بذات الشراسة والرفض!
هذا الشرق لا يزال متخما بأديانه ومعتقداته التي توالدها بنفسه، وتلك العقائد والخلفيات التي يحملها الجميع ضد الجميع لا تجد نقاط اتفاق على الأرض وفي الواقع، والاستقطاب هو عنوان الحاضر الراهن، وللأسف، ولا نملك إلا أن نتمنى أن يجد أحدهم – على الأقل الآن- السلك الصحيح الذي يجب قطعه لإبطال قنبلة التفجير القادم الموقوتة.
