السيسي وبن سلمان سيحضران مع أكثر من عشرين شخصية أجنبية الأسبوع المقبل حفل الافتتاح
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

احتل التوتر الذي طرأ على العلاقات السعودية – المصرية، قدرا كبيرا من الاهتمام السياسي والإعلامي في دول المنطقة وعواصمها، إذ بدا أن شهر العسل المديد الذي ميّز هذه العلاقات خلال العشرية الفائتة، في طريقه للانتهاء، ليحل محله تراشق إعلامي "خشن"، انخرطت به شخصيات إعلامية وأكاديمية وازنة، وسط غياب ظاهر للمتحدثين الرسميين من كلا البلدين. 

"زمن المساعدات المالية غير المشروطة ولّى"، هكذا تحدث وزير المال السعودي في "دافوس"، لكن الباب ما زال مفتوحاً للاستثمارات المشروطة بإصلاحات اقتصادية وتشريعية ذات مغزى ... وما قاله الوزير السعودي بالعموم، وبصورة مقتضبة، سيفصله لاحقاً، عددٌ من الأكاديميين والإعلاميين المقربين من مركز صنع القرار في الرياض، ومن مكتب ولي العهد على وجه الخصوص.

"مصر فقدت نموذجيها الملكي والجمهوري"...هكذا تحدث تركي الحمد، فهي في عهدها الملكي، ومنذ زمن محمد علي باشا، قادت مشروعاً نهضوياً تنويرياً، وقدمت نموذجاً رائداً للمنطقة... وهي في زمن الثورة والناصرية، قدمت نموذجاً للطموح القومي ولزعامة العالم العربي ... اليوم، مصر غارقة في ديونها وضائقتها الاقتصادية، اليوم، مصر لا تكف عن "تسوّل" المساعدات من هنا وهناك، وبتعبير آخر، اليوم مصر تتحول إلى "عبء" على حلفائها بدل أن تكون ذخراً لهم، وقاطرة تجر من ورائها بقية العالم العربي.

لا تتوقف الانتقادات عند حد، "التطاول" سيبلغ ذروته، باستهداف الرئيس السيسي و"حقبته" واستهداف الجيش المصري ذاته، واتهامه بابتلاع نصف الاقتصاد المصري والسيطرة عليه ... هذه حال لا يمكن أن تستمر، والحل لها، بإصلاحات بنيوية عميقة، تنقل مصر من "الاعتمادية" إلى "الاعتماد على الذات"، وتعيد لدورها القيادي في العالم العربي وأفريقيا و"عدم الانحياز" و"التعاون الإسلامي"، بعضاً من ألقه المفقود.

لم يصمت الإعلام المصري كما كان متوقعاً حيال هذا "التطاول" على مصر ورئيسها وجيشها "خير أجناد الأرض"، فتحولت البرامج الإخبارية والحوارية إلى ساحات لتصفية الحسابات، ومنصات للتذكير بفضائل مصر على أشقائها، بمن فيهم شقيقاتها الخليجيات...المعركة على وسائل التواصل الاجتماعي أخذت منحى أكثر ابتذالاً بين الطرفين، ما ينذر في الحقيقة، أو بالأحرى ما يكشف، عن تدهور أعمق، خرج إلى السطح، ولم يبدأ على منصات الإعلام و"توتير".

قبلها، كانت الأنباء من مصر تحمل خبر تباطؤ مصر في تسليم جزيرتي صنافير وتيران للجانب السعودي، بموجب اتفاق رعته واشنطن، وكانت إسرائيل طرفاً فيه...المراقبون رأوا في الموقف المصري، حتى وإن اندرج في باب "المناكفة"، تعبيراً عن الغضب لتلكؤ الرياض في مدّ يد العون للقاهرة لتمكينها من مواجهة واحدة من أعمق أزماتها الاقتصادية، وبالذات لجهة الانهيار المتسارع في قيمة عملتها الوطنية، ومصر كما هو معروف، باتت نقطة جذب للاهتمام السياسي والإعلامي، ودائماً تحت سؤال: هل يتكرر سيناريو يناير 2011؟

بين المال والسياسة

المتتبعون للحملة السعودية على مصر، لم يجدوا جديداً يذكر في فحواها ومضامينها، فمصر بدأت تفقد دورها القيادي الإقليمي، منذ إبرامها سلاماً منفرداً مع إسرائيل قبل أزيد من أربعة عقود، ليتآكل هذا الدور أكثر فأكثر، في الهزيع الأخير لحقبة الرئيس حسني مبارك الممتدة على مدى ثلاثة عقود من السنين، والاقتصاد المصري لم يعرف "البحبوحة" منذ أزيد من نصف قرن، ودور الجيش المصري، في السياسة والاقتصاد، لطالما نهض شاهداً عن "تغوّل" العسكري على المدني، وتمدد نفوذ الجيوش خارج إطار ولايتها المعروفة  في دول العالم الثالث، فما الجديد الذي فاجأ الرياَض، وما الذي تغير، أو بالأحرى من الذي تغير؟

من تغير هو السعودية ذاتها، وهو تغير لم تلحظه كفاية، النخب السياسية والإعلامية في العالم العربي، وإذا كانت حقوق النساء وبرامج الترفيه والمشاريع الاقتصادية العملاقة، هي أكثر ما جذب الاهتمام واستحوذ على الأضواء، إلا أن التغيير الذي يقوده ولي عهد المملكة، ويطبع هذه الحقبة بطابعه الخاص، لا شك أعمق وأبعد مدى، مما يبدو على السطح.

من آيات هذا التغيّر، إعادة تموضع المملكة على خريطة العلاقات الدولية، فلم تعد المملكة تلك الدولة التي تنتظر توجيهات واشنطن لتشكيل مواقفها ورسم سياساتها وتقرير وجهة تحركها اللاحق... قبل أوكرانيا، وبالأخص بعدها، بدا أن الرياض تفضل "عدم الارتهان" لأولويات واشنطن وحساباتها، وأن علاقاتها مع بكين وموسكو، لم تعد محكومة بمقتضيات الاستراتيجية الأميركية، إذ في الوقت الذي تنظر فيه الولايات المتحدة إلى موسكو بوصفها التهديد المباشر الأكبر، حافظ محمد بن سلمان على صلاته الوثيقة مع فلاديمير بوتين، في إطار "أوبك +" وخارجها...وفي الوقت الذي تعد فيه واشنطن بكين، التهديد الأبعد والأخطر حتى من تهديد الاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة، فإن ولي العهد لم يتردد في تطوير علاقات بلاده مع الصين، واستقبال رئيسها في الرياض، بحفاوة تفوق تلك التي حظي بها الرئيس الأميركي جو بايدن.

عربياً، من آيات هذا التغيّر، الانكفاء الملحوظ للدور السعودي في عديد أزمات المنطقة، باستثناء اليمن، خاصرتها الضعيفة ويدها المكلومة، المملكة غارقة في "ورشة عمل داخلية"، اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهي تشهد جملة من التحولات العميقة والاستراتيجية، وكثير منها، غير قابل للارتداد، وحسابات الاقتصاد والمال والسياسة الداخلية، تكاد تستهلك جدول أعمال الساسة السعوديين...السعودية اليوم تعمل بشعار "السعودية أولاً" من دون أن تعلن ذلك أو تتحدث عنه.

في هذا السياق، لا تبدو عملية المراجعة لنظام "المساعدات" سوى "جزء من كل"، وهي ليست أمراً مقتصراً على مصر وحدها، فالأردن المجاور للمملكة وبحدود طويلة معها، لم يحظ بالمساعدات المعتادة لسنوات عدة خلت..." زمن المال السهل" ولّى، وحديث المملكة عن الاستثمار، لا تختص به الدول الشقيقة والحليفة، بل يخضع لقواعد السوق والربح والأمان والتسهيلات وغيرها من شروط جذب الاستثمار أو طرده.

والسعودية في اللحظة السياسية الراهنة، ليست لديها الحافزية السياسية للاستمرار في ضخ مليارات الدولار في عروق الاقتصاد المصري، ومساعدتها تاريخياً لهذا البلد، لطالما ارتبطت بالسياسة والحاجة لدور مصر وثقلها ونفوذها...بدأت القصة بحروب العرب وإسرائيل ودول الإسناد التي تدعم دول الطوق، ومرت بمواجهة الثورة الإسلامية في إيران وحرب السنوات الثمانية، ومن بعدها حرب تحرير الكويت والحاجة لمصر ودورها، وقبل مدد ليست بعيدة، الانقضاض على الربيع العربي وإطلاق الثورات المضادة لمحاصرة الإخوان المسلمين، ومن ورائهم تركيا وقطر...اليوم، تبدو المملكة متحررة نسبياً من معظم هذه المخاوف والهواجس.

لقد أخذت المملكة على عاتقها أمر "تقليع شوكها بيدها" في اليمن، وهي تخوض جولات حوار مع طهران، وتكاد تكون "منسحبة" من ملفات ليبيا ولبنان وسوريا، وتسعى في تطبيع علاقاتها مع العراق، حتى وهو يحكم من قبل "الإطار التنسيقي" الموالي لإيران، أما حضورها في الشأن الفلسطيني، فيكاد يقتصر على البيانات الموسمية التي تعيد من خلالها التأكيد على مواقفها التقليدية والعمومية من المسألة.

وبغياب "الحافز السياسي" المحرك لعجلة المساعدات، لا تجد المملكة نفسها مرغمة على المضي في ضخ مليارات الدولارات في "القربة المصرية المثقوبة"، والشيء ذاته ينطبق على الأردن، وربما على عدد آخر من الدول العربية.

في التقييم العام، وباستثناء قضية "سدّ النهضة"، لا يبدو أن ثمة خلافات جوهرية تباعد الرياض عن القاهرة، الأخيرة دعمت حرب الأولى في اليمن، وهما تتخذان المواقف ذاتها تقريباً من معظم الأزمات العربية، من ليبيا حتى لبنان مروراً بسوريا والعراق، والبلدان على مسار حوار بطيء وحذر مع إيران، وفي بداية طريق المصالحة مع تركيا أردوغان... لا خلاف جوهرياً بين الجانبين يبرر هذا التراشق وحروب الإعلام والسوشيال ميديا، وحتى الخلاف الصامت السعودي – الإماراتي، وما تعتقده الرياض اقتراباً مصرياً مبالغاً فيه من أبو ظبي، جارتها المنافسة و"صديقتها اللدودة"، لا يبرر هذه الحرب وذاك التباعد، وما أن تستوعب القاهرة، حجم التحولات في الداخل والخارج السعوديين، فإن من المنتظر أن تظل العلاقات في دائرة الفتور والتوتر، ومن غير المرجح أن تدخل في أزمة مفتوحة ومستعصية، فالبلدان بحاجة لبعضهما البعض، ولديهما مروحة من المصالح، تفوق ما يطفو على السطح من خلافات.

السعودية تتغير، وهي ترسي قواعد جديدة ناظمة لعلاقاتها العربية والدولية، وبصرف النظر عن الموقف من هذا التغيير، وما إذا كان سيصب في مصلحة المنطقة العربية وعلاقاتها البينية أم لا، فإن المملكة تتغير، وعلى مختلف الأطراف أن تأخذ ذلك بنظر الحسبان وهي تصوغ علاقاتها المستقبلية مع الرياض.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.