الأزمة الدينية والأزمة الاقتصادية.. أسئلة شائكة
الأزمة الدينية والأزمة الاقتصادية.. أسئلة شائكة

يعاني العالم العربي اليوم من تأزّمَات خانقة على مستوى الفعالية الدينية في الأغلبية الساحقة من مساراتها، وعلى مستوى الفعالية الاقتصادية في معظم مجالاتها أيضا. بل ربما لا تكون التأزّمات في هذين المجالين هُمَا الأشدّ أصالةً والأكبر تأثيرا فحسب، وإنما ـ أيضا ـ هُمَا الأساس الواقعي والنظري الذي تصدر عنه شتىّ أنواع التأزّم في سائر المجالات الأخرى التي ترتبط بهما على نحو مباشر أو غير مباشر، في راهن التأزم، وفي ماضيه القريب الذي يُحَال إليه غالبا.

كثيرون يعتقدون أن العالم العربي مشدود إلى قاع الفشل تحت وطأة أعباء هذين المجالين تحديدا. فباعتقادهم، لو حُلَّتِ الأزمة الدينية بِعَوَالِقها، وحُلَّتِ الأزمة الاقتصادية بِعَلائقها؛ لخرج العالم العربي من غياهب قرونه الوسطى؛ كأنْ لم يَغْنَ ـ جَهْلاً وفقرًا وتَخَلُّفا ـ بالأمس؛ وَلَبَدَأ يكتب تاريخَ تقدُّمِه بِخُطى واثقة؛ بل ـ كما يقول الحالِم الطوباوي حال تمدّده أحلامه بلا حساب ـ ربما دخل ميدانَ المنافسة؛ سابقا أو غير بعيد عن السبق؛ بما له من مُقَوِّمات إضافية داعمة: إِرْثٌ حضاري مجيد (= فقاعة أوهام نرجسية مُتَشَعْرِنَة)، و وَراهِن غَنِيٌّ: غَنِيٌّ بالموقع الاستراتيجي، وبالثروات الطبيعية، وبالفُتُوّة الديمغرافية (المبالغ فيها كثيرا، والتي تصبح في الواقع أعباءً ومُعوّقات حال غياب التدبير بمقتضى العقل المستنير). 

في اعتقادي أن الأزمة ـ في جوهرها ـ مِن وراء هذين المجالين، أي هي في العقل العربي/ في نظام الوعي العام. صحيح أن الدّين مُشَارِكٌ أصِيلٌ في تحديد معالم هذا العقل، وصحيح أيضا أن البُنْيَة الواقعية بِمُحَدِّدَاتها الاقتصادية مُؤثّرة في تحديد معالم هذا العقل. ولكن، يبقى أن الدّين في عمومه المُتَجَمْهِر وَعْياً تَشَكَّلَ ـ تَأويلاً وتَفعيلاً ـ وِفْقَ مُحَدِّدَاتِ العَقْل السابق، وأن الفعل الاقتصادي كان يسبح في بُحَيرة هذا العقل السابق/ التقليدي، لم يستطع تجاوزها، ولا تجاوز العقل اللاّحق/ الديني الذي بقي ـ في معظم أحواله ـ مُسْتَعِيدا ومُؤكِّدا العقلَ السابق: نمط الوعي العشائري الانغلاقي التمايزي.

وهنا تأتي الأسئلة الإشكالية: هل يُمْكِن أن يكون نمط الوعي التقليدي (= الديني ـ العشائري) مُعِيقاً لفعالية الاقتصاد اللاَّتقليدي ؟ هل من الضروري الاشتغال على تغيير بُنْية الوعي في صورتها الأعمق/ الدينية؛ لِيَتَسنَّى لِمَجْرَى النهر الاقتصادي أن يشتغل بأقصى طاقاته ؟ وفي المقابل: هل التطورات المُوَجَّهة ـ سواء بقوة الإرادة الذاتية أو بقوة طغيان العولمة ـ مُؤثِّرة بعمق على أنماط التديّن ؟ وهل الأثر في هذا الاتجاه (= الديني في الاقتصادي) أو ذاك الاتجاه (= الاقتصادي في الديني) هو أثر ضروي أم احتمالي، وتحديدا في سياق الراهن العربي ؟   

طبعا، سؤال العلاقة بين الدين والاقتصاد ليس وليد الراهن. فهو سؤال استشكالي طرحه على نحو واضح وصريح ومؤكّد عالم الاجتماع الألماني/ ماكس فيبر، الذي تحدث بإسهاب عن الأخلاق البروتستانتية ودورها في ظهور/ تطوّر الرأسمالية. فالتحوّل في نمط التصور الديني المسيحي، من المسيحية الكاثوليكية التي ترى في الزهد قيمةً إيمانية، بمبرّر أن الدنيا دار عبور، دار صبر وامتحان وبلاء، لا دار سعادة وهناء، وأن السعادة لا تكون إلا في الدار الآخرة/ خارج هذا العالم...إلخ، وصولا إلى المسيحية البروتستانتية/ الكالفينية التي ترى القيمةَ في النجاح الدنيوي الآني، وأن هذا النجاح الدنيوي الناتج عن العمل الجاد وعن الادخار الواعي، هو مؤشر على رضا الله عن الإنسان، أي أن نجاح الإنسان المؤمن في الدنيا توطئة لنجاحه في الآخرة، وأن الله لا يحب الفقراءَ الأتقياء فقط، بل هو يحب أكثر وأكثر أولئك الأغنياء الأتقياء المشتعلين ذكاء وحماسا، الذين يحاولون تأسيس الفردوس على هذه الأرض للظفر بفردوس السماء.     

هكذا، يبدأ ماكس فيبر من الوعي/ من الدين إلى الواقع/ إلى الاقتصاد. هكذا، في علاقة سببية ضرورية أو شبه ضرورية. وهي علاقة  لمحها ماركس من قبل، عندما أشار إلى أن البروتستانتية دين برجوازي، وأن الرأسمالية لا يتعدى تاريخها/ ماضيها حدود القرن السادس عشر(= عصرالإصلاح الديني)؛ على الرغم من أن الماركسية تسير ـ تقليديا ـ في الاتجاه المعاكس: تبدأ من الواقع/ من الاقتصاد وصولا إلى الوعي، ومنه الدين/ نمط التديّن بطبيعة الحال.   

عموما، ليست الماركسية وحدها التي تعكس العلاقة الفيبرية بين الدين والاقتصاد. فكثيرون شكّكوا في أن تكون البروتستانتية المُسَبِّب الرئيس لظهور وتطوّر الرأسمالية، ورجّحوا أن العكس هو الصحيح، أي أن ظهور وتطور البروتستانتية لم يكن إلا استجابة لضرورات التطوّر الرأسمالي السابق عليها، أي أن التطوّر في المجال الديني (حركة الإصلاح البروتستانتي) صنعه التطوّر في المجال الاقتصادي، ثم اشتبك معه في تفاعل جدلي/ تبادلي؛ ليصبح المذهب الديني الجديد ينطق بلسان الواقع الجديد: يصفه أو يُبَرِّر له أو يُمَهِّدُ له الطريق. 

لهذا، عندما يغيب "التديّن المستنير" لصالح "التديّن السلفي التقليدي"، أي يغيب تديّن الفعل والإبداع؛ لصالح تديّن الكسل والاتباع، في العالم العربي، اليوم فما ذاك إلا لأن نمط الاقتصاد لا يزال هو نمط الاقتصاد التقليدي: اقتصاد الغنيمة، والرّيع، وهبات السماء؛ لا اقتصاد العمل، والإبداع، والإنتاج. 

قد تنجح التجارة (وهي نشاط طفيلي على عملية الإبداع والإنتاج) في العالم العربي؛ لأنها ابنة الغنيمة الجاهزة، وربيبة مصادفات الحظوظ العابرة؛ بينما يتأكّد فشلُ الصناعة ولواحقها من ضروريات الأعمال؛ لأنها عمل أصيل في الإبداع والإنتاج، ما يعني استحالة عملها في ظل ما نراه من هيمنة "التدين السلفي التقليدي" هيمنةً طاغية على الوعي العربي الراهن؛ حتى لدى هذه الأجيال الشابة العالقة بين وَعْي سابق و واقع راهن، والتي إن أرادت التديّن استجابة لضرورات الاحتياج الروحي؛ لم تتديّن إلا بوعي سلفي أثري. ومَنْ مِنها يرفض التديّن لهذا السبب أو ذاك فإنما يرفضه أيضا بوعي سلفي؛ في مسار اتباعي تفويضي في حالتي: القبول والرفض. 

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.