محمود عباس يواجه تحقيقا لدى شرطة برلين بعد تصريحاته عن المحرقة
تساؤلات حول من سيخلف رئيس السلطة الفلسطينية

تقرير مجموعة الأزمات عن خلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والتداعيات، والسيناريوهات المتوقعة بعد رحيل قائد حركة فتح، ومنظمة التحرير الفلسطينية توحي وكأن الرئيس أبو مازن يحتضر، وأن الأمور تتجه نحو الانفجار، وأن حربا أهلية قادمة في الضفة الغربية.

في الأشهر الماضية التقيت أكثر من صحفي فلسطيني من المقربين من دائرة الرئيس، وحين سألتهم عن حالته الصحية، والإشاعات عن قرب رحيله، وحتى تفويضه بعض صلاحياته لقيادات في السلطة، أجابتني صحفية التقته أكثر من مرة، وتحدثت إليه "أنه في أتم الصحة، وذاكرته متوقدة، ويمسك بزمام السلطة، ويسيطر على الوضع".

متابعون للشأن الفلسطيني ينظرون للتقارير التي تروج أزمات الداخل الفلسطيني على أنها لا تنفصل عن لعبة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي تريد زج الجميع في لعبة الصراعات، والاستقطاب، وتزرع التشظي بمعارك تصرفهم عن مواجهات انتهاكات الاحتلال، وسياسات الاستيطان، وتهويد القدس.

لا ينكر قياديون فلسطينيون من حركة فتح أن قصة خلافة الرئيس قد بحثت أكثر من مرة، وعلى مسمع من عباس، فهو قد بلغ 87 من عمره، ومنذ توليه السلطة بعد وفاة الزعيم ياسر عرفات "أبو عمار" وهو يستحوذ على السلطات الثلاث (رئاسة السلطة الفلسطينية، وحركة فتح، ومنظمة التحرير الفلسطينية)، ورغم أن المنظمة بعد اتفاق أوسلو تم تهميشها في عملية صنع القرار، فما تزال تملك الرمزية عند فلسطيني الداخل والخارج.

تقرير مجموعة الأزمات الذي أثار الجدل، وما زال في الأوساط السياسية، والصحافة الغربية والعربية يلخص القصة بطرح سؤال جوهري؛ من سيخلف أبو مازن حين يرحل؟، وما الآلية لتحقيق ذلك؟، وهل يمكن التكهن بانتقال سلس للسلطة كما حدث بعد وفاة عرفات؟

الرئيس محمود عباس منذ توليه السلطة لم يعين نائبا له، والدستور الفلسطيني ينص "إذا تغيب الرئيس لأي سبب يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني السلطة لمدة شهرين"، والقانون الأساسي -نفس الدستور- لا يعطي للرئيس صلاحية نقل، أو تفويض صلاحيته لغيره، وأي إجراء بهذا الاتجاه يعتبر غير قانوني.

الانتخابات الرئاسية، والبرلمانية معطلة، ومؤجلة منذ 17 عاما، والرئيس عباس يحكم دون تجديد الثقة به، والانتخابات التي دعا لها قبل عامين أرجأت بحجة أن إسرائيل لم تسمح بالتصويت في القدس الشرقية، وحقيقة الأمر أن حركة فتح شعرت أنها الخاسر الأكبر بالانتخابات بسبب تشرذمها، وصراعاتها.

ترى مجموعة الأزمات أن هناك ثلاثة سيناريوهات في التعامل مع خلافة الرئيس أولها، وأفضلها العودة للقواعد، وإجراء انتخابات رئاسية، وبرلمانية، بما يضمن إعادة الشرعية، وتفعيل المؤسسات، في حين أن السيناريو الثاني أن يختار الرئيس عباس خليفته في حياته، ويترك لفتح بعد رحيله أن تدعمه، وأخر سيناريو، والأسوأ انهيار السلطة بعد رحيل أبو مازن، والدخول في دوامة العنف، والصراع.

تصف مجموعة الأزمات في تقريرها حال السلطة في ظل رئاسة محمود عباس بأنها أصبحت استبدادية، ولم تعد تعمل بصفتها أساسا محتملا لدولة فلسطين.

المرشحون لخلافة عباس كلهم صناعة حركة فتح بامتياز، بعضهم يطرح اسمه باعتباره خيارا شعبيا فلسطينيا خالصا، وآخرون يقدمون في التقارير الدبلوماسية، والإعلامية على أنهم الأكثر قبولا إسرائيليا، ودوليا، وعربيا، وأنهم يستطيعون الاستمرار في العملية السياسية.

أكثر الأسماء التي يجري تداولها حسين الشيخ رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية، تقدم خطوة للأمام في بورصة "الخلفاء" للرئيس حين أصبح أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير خلفا للراحل صائب عريقات، وساد اعتقاد بين من يتابعون المشهد أنه يتقدم على منافسيه الذين ربما يحوزون شعبية أكثر في الشارع، وداخل قواعد حركة فتح.

وإن كان الشيخ أمين سر اللجنة التنفيذية، فإن محمود العالول لا يقل أهمية، وتأثيرا، وهو الذي يتقلد موقع نائب رئيس حركة فتح، التي لن تخرج الرئاسة من تحت مظلتها، ويراه "فتحاويون" أكثر قوة داخل الحركة، وأكثر تعبيرا عن مواقفها، وخطها التاريخي، ويُزاحمه على شرعية حركة فتح جبريل الرجوب القيادي المؤسس لجهاز الأمن الوقائي، ورئيس اتحاد كرة القدم، واللجنة الأولمبية.

لا يغيب عن المشهد، وساحة المنافسة ناصر القدوة الذي شغل موقع ممثل فلسطين في الأمم المتحدة لسنوات طويلة، وحين يُذكر تحضر صورة خاله الراحل ياسر عرفات، ورغم أن حركة فتح فصلته إبان معركة الانتخابات التي تأجلت حين شكل قائمة انتخابية، واعتبرته القيادة متمردا وعاصيا لأوامرها، فإن ذلك لا يقلل من قدراته على الاختراق في الداخل، والخارج.

أكثر من تراجع اسمه في التداول كان القيادي محمد دحلان الذي فصلته حركة فتح، وحوكم، لكنه ظل لاعبا رئيسيا في الخارج، وقويا وله تيار يناصره خاصة في قطاع غزة.

الأسير مروان البرغوثي الغائب الحاضر، ولا أحد يستطيع التشكيك بشعبيته الجارفة في الشارع الفلسطيني، وبين قواعد فتح، وفي الانتخابات التي تأجلت كان اسمه الأكثر منافسة للرئيس أبو مازن.

أخر الأسماء في قائمة المرشحين، وتملك حظوظا قوية هو مدير المخابرات ماجد فرج، وباختصار رجل يقود المشهد من خلف الستار.

سألت رئيس تحرير شبكة معا الإخبارية ناصر اللحام عن خلافة عباس فلم يتردد من وصفها طرح مخابراتي، وتلاعب بالجمهور الفلسطيني.

ويؤكد أن هذه اللعبة المخابراتية مارستها إسرائيل، ونقلت العدوى للصحافة الغربية والعربية، ومن قبل تكرر السيناريو حين كان ياسر عرفات محاصرا في المقاطعة (مقر الرئاسة الفلسطينية).

من وجهة نظر اللحام "لا يهم الشعب الفلسطيني من يكون رئيسا للسلطة بلا سلطة"، وإن كان السؤال إجباريا، يرد الجمهور الفلسطيني حسب قوله "في كل مرة باستطلاعات الرأي، وباكتساح أن يكون الرئيس القادم الأسير مروان البرغوثي، فالأفضل أن يكون الأسير رئيسا، على أن يكون الرئيس أسيرا".

في حديثي مع الإعلامي المرموق محمد ضراغمة أضاء لي الصورة عن قصة الخلافة التي تصنع التحالفات، والتضاد، والخصومات إن جاز التعبير.

يشرح ضراغمة الوضع بقوله "في فتح أكثر من حراك، وهناك تحالفات تُبنى، فمثلا حسين الشيخ ينسق مع جبريل الرجوب، ويحاولون إعادة ناصر القدوة لحركة فتح، ويتواصلون مع مروان البرغوثي، ويحاولون إنضاج طبخة سياسية، وفي اتجاه آخر مدير المخابرات ماجد فرج، ومحمود العالول يتكتلون في محور موازٍ، وعلى صعيد ثانٍ جماعة محمد دحلان يحاولون العودة للصورة، والقيادي سمير مشهراوي يتفاوض للعودة دون دحلان، وأبو مازن لا يُعارض عودتهم كأفراد، باستثناء من صدرت بحقهم أحكام لن يعودوا لحركة فتح".

ويضع ضراغمة تصورا لما سيحدث في نهاية المطاف فيتوقع "اللجنة المركزية لحركة فتح ستقرر، وتحسم الأمر، من الممكن أن يتفقوا على خليفة الرئيس عباس، والأغلب أن لا يتفقوا، وإن وقع ذلك فإن الحكومة ستُدير البلاد، ومن المحتمل تعيين رئيس المجلس الوطني الفلسطيني رئيسا مؤقتا باعتبار منظمة التحرير المرجعية، وفي ظل غياب المجلس التشريعي، وتستمر المفاوضات بين القادة للوصول لتفاهمات، وتسويات، لكن الأمر المؤكد لن يشهروا السلاح بوجه بعضهم البعض".

الصورة السابقة للمسارات، والتحالفات ليست حاسمة، وقد تخضع لمتغيرات لأسباب داخلية، أو خارجية، وما يمكن قوله إن هناك عوامل مؤثرة تعطي أفضلية للمتزاحمين على خلافة الرئيس، وإن لم يعلنوا، أو يجاهروا برغبتهم بذلك.

في الحسابات لا يمكن تجاهل الداخل الفلسطيني، ومزاجه، ومواقفه، ولو أجريت انتخابات فلسطينية الآن في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة، تقتحم الأقصى، وتكثف حملات الاستيطان، فإن الصوت الفلسطيني سيذهب حكما لمن يقود المواجهة مع الاحتلال.

الداخل الفلسطيني مهم، ولكن السلطة الفلسطينية حاصل توافق المجتمع الدولي، وفي هذه المعادلة تحضر إسرائيل أولا، لأن قائد السلطة -مهما كان الاسم- يجب أن لا يكون معاديا لها، وعليه أن يحوز على ثقتها، ويخضع لاختباراتها، وهذا السياق لا تتصادم أميركا، أو أوروبا مع هذا المنهج، وهي ستصوت لمن تمنحه إسرائيل الأفضلية، مع هوامش قليلة للاختلاف تراعي رؤية الجوار العربي، والتوازنات الداخلية.

الاختبارات للمتنافسين، وتقديم أوراق اعتمادهم ليست حكرا على إسرائيل، على الأقل مصر والأردن فتحت قنوات اتصال أمنية، وسياسية، وتفاضل بين الأسماء، وفي اللقاءات التي تحدث بشكل ممنهج، أو غير ممنهج، يسود الحرص أن لا يزعج الأمر الرئاسة الفلسطينية، وأن لا يُثير حساسيتها، أو غضبها، وفي تفصيل الاشتباك العربي مع مسألة خلافة عباس، لا يمكن تجاهل مشورة الرياض، وأبوظبي.

في كل هذا الزحام السري أكثر قضية لا تحظى بالاهتمام الدولي هي الديمقراطية الفلسطينية، وضرورة تكريسها في بناء المؤسسات، ويتقدم كل ذلك الانتخابات الرئاسية، والبرلمانية.

رغم الانقسام الفلسطيني، فإن خلافة عباس لن تُشعل حربا حتى لو انهارت السلطة، وهي في واقع الحالة مترنحة منذ أعوام، وفاقدة لدورها السياسي، وأكثر ما تفعله إدارة مدنية تُسيّر أمور الناس، والخدمات تحت حراب الاحتلال.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.