Aftermath of a deadly earthquake in Hatay
الزلزال أسفر عن مقتل الآلاف.

في الساعات الأولى من صباح يوم 6 فبراير، ضرب زلزال كبير مناطق عدة في تركيا وسوريا، وبلغت قوته 7.8 درجة على مقياس ريختر، وصُنف على أنه زلزال مدمر. وكان مركزه على مقربة من مدينة غازي عنتاب التركية، التي يزيد تعداد سكانها على مليوني شخص. 

وأسفرت الكارثة، التي خلفت دمارا واسعا في تركيا وسوريا، عن مقتل ما يزيد على 20 ألف شخص، حتى الآن، وسط مخاوف كبيرة من احتمال ارتفاع الحصيلة النهائية للقتلى. وتحذر منظمات دولية عدة من أن عدد المتضررين من الزلزال في تركيا وسوريا قد يصل إلى عدة ملايين. 

وأثار هذا الزلزال العديد من التفاعلات في الإعلام وفي شبكات التواصل الإجتماعي. والآن دعوني أتطرق لبعض الردود لأنها تمثل طرق تفكير تحتاج إلى التأمل وأحياناً إلى العلاج.

فلو تأملنا في الفكر الديني الصحيح لوجدنا أن تجلي الإيمان الحقيقي يكون في مثل هذه اللحظات والتي تجعل الرحمة والإنسانية فوق جميع الطقوس الدينية.

وقد ذكرتني أحدى صور الزلزال التي كانت تظهر طفلاً صغيراً تم إنقاذه من تحت الأنقاض والتراب يكسو وجهه البريء بآية في القرآن وصفت هذا الموقف المهيب الذي يحرك المشاعر الإنسانية لمن لديهم هذه المشاعر.

وهذه الآية تقول " فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (أي العقبة التي هي بين الإنسان وبين دخول الجنة)… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ… فَكُّ رَقَبَةٍ… أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ… يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ… أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ… ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ… أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (سورة البلد 11 ـ 18)”. " ونلاحظ الوصف الاقرآني للمسكين بأنه "ذا متربة" أي أن التراب يكسوه ويكسو وجهه كما رأيت (بضم التاء) ورأي الكثيرون في العديد من الصور.

وأعجب ما في الأمر أن المتشددين دينياً وكأنهم لم يعرفوا ولم يقرأوا هذه الآية من قبل بدأوا ينشرون أفكارهم المريضة بأن هذا الزلزال هو عقوبة إلهية بسبب كثرة المعاصي. وهم بفكرهم هذا يرون أن "المعاصي" هي سماح تركيا بدرجة معقولة من الحرية للمرأة ومن التعددية التي تقبل الآخر. وأكبر المعاصي "التركية" في نظرهم غالباً ما تكون السماح للنساء بعدم لبس الحجاب وعدم عقاب المثليين جنسياً! 

ويا له من منطق شاذ فلو كان الأمر ببساطة هكذا فلماذا لم نرى هذا السوط الإلهي أو بتعبير آخر "الزلزال" يحدث في السويد أو الدنمارك أو النرويج مثلاً بالرغم من إعطاء هذه الدول كافة الحريات للنساء والمثليين في مجتمعاتهم! 

ومن عجائب الأمور أن نفس طريقة التفكير قد تصل لنتيجة أخرى تماماً وهي أن الزلزال حدث في هذا المكان لأن تركيا احتوت منظمة الإخوان المسلمين على أرضها لفترة من الزمان فكان الزلزال عقوبة إلهية لتركيا جزاءً لما فعلت!

وقد يقول قائل أيضاً بنفس المنطق أن الزلزال حدث في سوريا بسبب وجود "داعش" فيها وبسبب جرائمهم في حق الإنسانية.

والحقيقة أن التفكير المتشدد والمتطرف الذي يرى أن الزلزال هو عقاب إلهى يعيق الفكر العلمي المطلوب في مثل هذه الحالات. فحدوث زلازل في اليابان مثلاً دفعهم إلى ابتكار تقنيات في بناء المنازل لتقلل من الأذي والدمار إن حدث زلزال. ولو أن اليابانيين فكروا بنفس طريقة تفكير المتعصبيين لظلوا للأبد يحللون ما هي معاصيهم التي تسببت في الزلزال ولما ابتكروا مثل هذه التقنيات في مجال البناء وتشييد المباني. 

وأترك الكلمات الأخيرة في هذا المقال للخيال العلمي بأن يصل البشر من خلال بحثهم العلمي لطريقة علمية تمنع حدوث مثل هذه الزلازل المدمرة أو تقلل من شدتها.
وللحديث بقية!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.