أحد شوارع العاصمة العراقية بغداد
أحد شوارع العاصمة العراقية بغداد

ربما يوحي عنوان "الانحطاط السياسي" إلى توصيف صحفيّ لحالة أو وضع سياسي، ولكنه ليس كذلك فعلاً. فهو جزء من عنوان كتاب للمفكّر الأميركي، فرانسيس فوكوياما، الذي يعرفه الكثيرون بوصفه صاحب أطروحة «نهاية التاريخ». إذ اختاره فوكوياما عنواناً لكتاب ضخم بمجلّدين، ناقش فيهما أصول النظام السياسي وتطوّره وانحطاطه. وحمل المجلّدُ الثاني مِن الكتاب عنوان: "النظام السياسي والانحطاط السياسي: من الثورة الصناعيّة إلى عولمة الديمقراطية".

يشير فوكوياما في هذا الكتاب إلى وجود عمليتيْن يحدث الانحطاطُ من خلالهما، تتمثّل الأولى في الفشل في التكيّف مع المستجدات، وتعود أسباب هذا الفشل إلى الاعتقاد بأنَّ ما لدينا من مؤسسات أفضل من غيرها، واستيلاء الفاعلين في نظام سياسي ما على مقدّرات الدولة، وكذلك عندما يسعى الرابحون في اقتصاد السوق لتحويل التفاوت في الثروات إلى تفاوت في التأثير السياسي. أمّا العملية الثانية فتتمثل في عودة الميراثية، أي محاباة النخب السياسية إلى أقربائهم.

هذه المقاربات التي يطرحها فوكوياما للانحطاط السياسي، تُعدّ مرحلة لاحقة لِلتطور السياسي في الكثير من الأنظمة السياسية. لكن يبدو أنها تنطبق على النموذج العراقي من دون أن يبصر العراقيون مرحلةَ التطور في النظام السياسي! فالنظام السياسي يتكوّن من ثلاث مؤسسات: الدولة وحكم القانون، والحكومة الخاضعة لِلمحاسبة أو المساءلة، وهذه المؤسسات الثلاث لم يشهدها العراق منذ تشكل الدولة في عشرينيات القرن الماضي.

جوهر الانحطاط السياسي، بحسب نظرية فوكوياما، هو عدم القدرة على التكيّف. وما من ضمان لأيّ نظام سياسي، بما في ذلك الديمقراطية الليبرالية، من أن يصيبه الانحطاط، فكلّ شيء يتوقّف على الأداء، وقد يكون الانحطاط السياسي لِلنظام القديم بشارةً لتطور سياسي نحو نظام جديد. ولكن قد تكون عملية التغيير هذه فوضوية، ولا تعود قادرة على إعادة الاستقرار. ويمكن وصف عملية تغيير النظام السابق في العراق في 2003، وبعد عشرين عاماً بأنّها لا تزال في مرحلة الفوضوية وغير قادرة على تحقيق الاستقرار. 

الرابط بين الانحطاط السياسي وحملة مكافحة المحتوى الهابط، هو مشكلة عدم قدرة النظام على التكيّف مع متطلبات الجمهور وأولوياته الحياتية اليومية، والذهاب نحو معاقبة الشخصيات المروّجة للمحتوى الهابط. فالنظام السياسي، رغم اعتقادي بمجازية وصفه بالنظام، يخضع لسيطرة أوليغارشيات تعمل على إدامة بقائها في السلطة من خلال الفوضى والفساد. إذ يساهم النفوذ والسيطرة على مؤسسات الدولة في خلق نوع من التوافق الضمني بين الأحزاب السياسية على نهب ثروات الدولة ومواردها الاقتصادية وتقاسم الاقتصاد الريعي. سواء أكان النفوذ والسيطرة من خلال الأحزاب السياسية، أو قوة الأسلحة الخارجة عن السيطرة، أو الجمع بين قوة السلاح والنفوذ السياسي. كل هذه الأساليب تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي نهب الثروة، ومن ثمّ فإنَّ مهمة الحكومات هي إدارة نظام الحكم على أساس تحقيق التوازن بين رغبات ونفوذ مافيات السلطة.

لذلك، كيف يمكن أن نستغرب من انتشار الشخصيات التي تروّج للمحتوى الهابط في بيئة سياسية ملّوثة بالفساد، وفي ظلّ سيطرة المافيات، ووصول طبقة طفيلية إلى الثروات والموارد الاقتصادية؟! فالطبقةُ الحاكمةُ وقوى السلطة لم تعمل، طوال ممارستها الحكم، على تأسيس ركائز دولة المؤسسات، ولا إشاعة حكم القانون، ولا أن تكون علاقتها مع الجمهور قائمة على أساس المحاسبة والمساءلة. 

وعندما يعيش المواطن تحت هيمنة قوى اللادولة، مع السطوة على المجال العام، فلا يمكننا التعجّب من هيمنة  شخصيات المحتوى الهابط على المجال العام، وحين تغيب قوة القانون أو تضعف أو تمارس على المواطن اللامنتمي لأحزاب السلطة أو جماعات السلاح المنفلت، فيكون السؤال عن ماهية المعايير التي تحدّد المحتوى الهابط سؤالاً مشروعاً، لاسيما أن محتوى الخطاب السياسي الهابط منتشراً في الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتّى في تصريحات بعض القيادات والشخصيات السياسية.

مشكلة المحتوى الهابط لا تنحصر في العراق فحسب، وإذا عُدنا إلى كتاب (نظام التفاهة) لمؤلفه "ألان دونو Alain Deneault" أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة كيبيك- كندا فإننا نراه يصف واقعنا المعاصر بنظام الميدوقراطية "Mediocaracy" وهي تعني النظام الاجتماعي الذي تكون الطبقة المُسيطرة فيه هي طبقة الأشخاص التافهين، أو الذي تتمّ فيه مكافأة التفاهة والرداءة عوضاً عن الجدية والجودة. وفي هذا النظام نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في جعل كثير من تافهي مشاهير السوشال ميديا والفاشينستات أن يظهروا لنا بمظهر "النجاح"، وهو أمر يُساءل عنه المجتمع نفسه، الذي اختزل كلّ صور النجاح التي تعرفها البشرية في المال فقط! 

وفي مجتمع مثل العراق، يكون فيه أغلب أصحاب الأموال من المافيات الصاعدة، وجماعات السلاح وواجهات الفساد.

ومن ثمّ، مكافحة المحتوى الهابط وشخصياته، تتجه نحو النتيجة وترك السبب الرئيس الذي يتمثل ببيئة الانحطاط السياسي. وغياب النصوص القانونية التي تحدد المحتوى الهابط وأوصافه يمكن أن يثير المخاوف بشأن تمدد هذا العنوان "مكافحة المحتوى الهابط" إلى تقييد حرية النقد السياسي، لا سيما أن النصوص القانونية في قانون العقوبات العراقي رقم 11 لسنة 1969 المعدّل تحدّد القضايا "المخلّة بالحياء أو الآداب العامة" ولا يدخل ضمن هذا التحديد الإساءة إلى "مؤسسات الدولة بمختلف العناوين والمسميّات". 

وعليه أصبح من الضروريات الملحّة مواجهة المحتوى الهابط وشخصياته، وأن يكون القانون كفيلاً بمواجهة مروجيه، وأصل الموضوع ليس الاعتراض أو التقليل من أهمية مكافحة المحتوى الهابط ومروجيه، الذي يُعدّ نتيجة طبيعة لنظام سياسي يواجه الانحطاط السياسي. ولكنّ المخاوف من المزاجية السياسية التي تدخل في تحديد المحتوى الهابط، واستغلال القانون لمنع نقد الأوضاع السياسية وشخصياتها، الذي يبدأ بمعاقبة المحتوى الهابط، ومن ثمَّ يتطور ليشمل نقد الحكومة وشخصياتها وزعماء الأحزاب وشخصياتهم ليكون من ضمن المحتوى الهابط.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.