ملصق ضد نتانياهو
ملصق ضد نتانياهو

ثلاثة أسباب تدفع إسرائيل للإحجام على دفع التطورات على المسار الفلسطيني نحو "الانفجار الكبير": أولها؛ وجود إدارة ديمقراطية في البيت الأبيض، تعطي الأولوية للاستقرار والتهدئة، ولا ترغب في حدوث ما يمكن أن يحرف أنظارها أو "يشوش" عليها تركيزها على الصراع المحتدم في أوكرانيا مع روسيا، وحول تايوان في مواجهة الصين.

وفي السياق ذاته، لا تريد حكومة نتانياهو أن يبلغ التردي في علاقاتها مع الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والغرب، دركاً خطيراً، يُنذر بإيصالها إلى نقطة اللاعودة.

ثانيها؛ أن نتناياهو على رأس حكومته السادسة، ما زال يعطي الأولوية للتصدي لإيران وبرنامجيها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي، بالذات في سوريا ولبنان، وهي أولوية وصفها بالوجودية، وهو يعرف تمام المعرفة، أنه من دون علاقات جيدة مع واشنطن، وتعاون وثيق مع إدارة بايدن، لن يكون بمقدوره فعل شيء مؤثر على هذا الصعيد.

وثالثها؛ أن نتانياهو شخصياً، هو صاحب نظرية "السلام مع العرب أولاً، ومع الفلسطينيين تحصيل حاصل"، لذلك نراه يولي اهتماماً أكبر بدفع المسار الإبراهيمي إلى الأمام، وتوسيع دائرة الدول المنخرطة فيه، ونظره منصباً هذه المرة على المملكة العربية السعودية، باعتبار أن التطبيع معها، هو الفصل الرسمي الأخير في ملف الصراع العربي – الإسرائيلي، وبعدها لن يكون السلام مع الفلسطينيين سوى ضرب من "ترسيم" الأمر القائم حالياً، لا أكثر ولا أقل.

مثل هذه الاعتبارات والدوافع، لا نراها حاضرة بالقوة والأولوية ذاتها، عند شركائه في الحكومة والائتلاف، الذين عادة ما يعميهم "تزمتهم الإيديولوجي" عن رؤية الصورة كاملة من زاوية المصالح والحسابات الإسرائيلية، فنراهم يندفعون بقوة نحو سيناريو "الانفجار الكبير"، ويقدمون ملف الاستيطان والتهويد والأسرلة والضم، على غيره من الملفات، دونما اكتراثٍ كافٍ، لتداعيات سيناريو كهذا، على صورة إسرائيل ومكانتها وعلاقاتها الدولية.

وربما هذا ما يفسر ظاهرة تقلّب رئيس الوزراء الإسرائيلي على جنبين، أحدهما مُساير ومُتماشي مع رغبات وأولويات شركائه، والآخر، مُراعي ومُتساوق نسبياً، مع رغبة واشنطن، وأولوياته الأوسع نطاقاً.. نتانياهو يدير السياسة الإسرائيلية كمن يسير في حقل ألغام، سيما وأن المعارضة الداخلية، لا تترك له متسعاً من الوقت، لالتقاط الأنفاس.

إذاً، هي سياسة "حافة الهاوية" التي تسير عليها إسرائيل كنتيجة لجملة من العوامل والفواعل، التي تتكامل وتتعارض في الوقت ذاته، وترجمة هذه السياسة يمكن اختصاره بعبارة واحد: "التصعيد المضبوط"، فلا شيء من سياسات حكومات سابقة ظل على حاله، أو بوتيرته المعتادة، ولكن دائماً تحت سقف تفادي السقوط من حافة الهاوية إلى قعرها.

فالاستيطان يتسارع بوتيرة جنونية، ومعه اجتياحات مراكز المدن والمخيمات الفلسطينية، وتهديم منازل الفلسطينيين وحجب رخص البناء عنهم، بالذات في القدس والمنطقة "ج" من الضفة، وتتكاثر الانتهاكات لحرمة المسجد الأقصى، عدداً وعديداً ... وتُسنُّ التشريعات وتتخذ الإجراءات والسياسات التي من شأنها جعل حياة الفلسطينيين، بمن فيهم فلسطيني الخط الأخضر، جحيماً لا يطاق.

يخطئ من يظن أن الوضع القائم حالياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتسم بـ"الستاتيكو"، أو أن يصف الجهود الأميركية (المصرية والأردنية كذلك) بأنها تستهدف تثبيت "الستاتيكو" أو العودة إليه، فهذا المصطلح غير موجود في القاموس الإسرائيلي، ولم يكن موجوداً طيلة ثلاثة عقود وأزيد من المفاوضات، برغم تعاقب الحكومات، وإلا لما تضاعف عدد مستوطني القدس والضفة بأكثر من ثلاث مرات خلال هذه المدة ... هدف الحراك متعدد الأطراف، القائم حالياً، هو منع الانتقال من سيناريو "حافة الهاوية" إلى سيناريو "الانفجار الكبير"، إن بالضغط على السلطة لمنع أعمال المقاومة وإعادة بسط سلطتها على بعض المناطق الخارجة عليها، أو بإقناع حكومة اليمين واليمين المتطرف، باعتماد سقوف في ممارساتها وسياساتها، قابلة للاحتواء، ولا تُخرج الوضع عن السيطرة.

في بدايات تشكيل هذه الحكومة، طلب نتانياهو من الوزراء الذين يجلسون على يمينه، منحه مدة عامين لا أكثر، قبل أن يمنحهم الضوء الأخضر للاندفاع بأقصى طاقة في ترجمة برامجهم الاستيطانية والتوسعية، ناصحاً لهم السير بسرعة أقل قليلاً... والسبب على ما تقول التقارير الإسرائيلية، أن الرجل ينتظر بفارغ الصبر انتخابات 2024 الأميركية، ظناً منه (أو رهاناً) على عودة التيارات الأكثر يمينية وشعبوية في الحزب الجمهوري للبيت الأبيض، حينها سيكون بمقدوره أن يطلق العنان لغول الاستيطان، وينتقل من سياسة الزحف والقضم المتدرج للأرض الفلسطينية، إلى إعلان الضم الرسمي لأوسع مساحات من الضفة الغربية، وعندها سيكون بمقدوره إعطاء يد طليقة للمتدينين المتطرفين، لتقسيم الأقصى في الزمان، وربما في المكان، وعندها، لن يكون مكترثاُ ببقاء السلطة أو زوالها، فالأمر برمته سيخضع لحسابات المصالح الإسرائيلية في حينه، وحدها دون سواها.

نتانياهو يراهن على "عودة الجمهوريين"، فهم الأقرب إليه فكراً وبرنامجاً، لقد كان سهلاً عليه إقناع إدارة ترامب بالانسحاب من البرنامج النووي الإيراني، بعد أن أخفق في منع أوباما من إبرامه.. لقد شق ترامب وليس نتانياهو، الطريق وعبدها أمام المسار الإبراهيمي، بومبيو وكوشنير عملا على ذلك، وصرفا وقتاً وجهداً، أكثر مما فعل أي مسؤول إسرائيلي.. إدارة ترامب نقلت السفارة الأميركية للقدس، وتقدمت بصفقة القرن، في تبنٍ غير مسبوق، لرؤية اليمين الإسرائيلي وروايته للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وسبل حله، كل هذا، ما كان له أن يحصل، أو أن يحصل على هذا القدر من "السخاء"، في ظل إدارة ديمقراطية.

صحيح أن جو بايدن، لم ينجح في "عكس" أيٍ من الخطوات التي أقدم عليها سلفه...وصحيح أنه لم يفِ بالتزامات حملته الانتخابية، بيد أن الصحيح كذلك، أن ما ينتظره نتانياهو من إدارة أميركية جديدة على الطراز "الترامبي" هو أكثر بكثير من هذا وذاك وتلك.

تقودنا هذه الفرضيات والاستنتاجات، للقول بأن الرقص على حافة الهاوية، ستظل سياسة إسرائيلية معتمدة خلال الأشهر العشرين المقبلة على أقل تقدير، وإن جهود الراعي الأميركي، وبعض الأطراف العربية مثل عمان والقاهرة وأبوظبي، قد تنجح في حفظ توازن الراقصين على الحبال المشدودة، وقد تحول دون سقوطهم إلى قعر الهاوية، لكن الأمر سيكون أشبه بحالة طوارئ واستنفار طويلة من أجل ضمان النجاح في هذا المسعى.

وما لم يطرأ ما ليس في الحسبان، فقد تنجح لعبة "التصعيد المضبوط" في تحقيق أغراضها ومراميها.. لكننا في منطقة، اعتادت المبيت على وضع معين، والاستيقاظ صبيحة اليوم التالي، على وضع مغاير تماماً.. فمن يضمن مثلاً، حدوث أمر جلل فلسطينياً أو إسرائيلياً، كأن تجري دماء كثيفة في ساحات الأقصى في رمضان أو ما بعده، أو يدخل الفلسطينيون على نحو مفاجئ، وبفعل عناية إلهية، مرحلة "ما بعد عباس"، من يدري ما الذي يمكن لشبان لا سجلات أمنية لهم، أن يبادروا إلى استحداث انقلاب في المشهد عبر عملية نوعية "تفجير أو اغتيال" أو ما شابه.. من يدري كيف ستكون ردة فعل أيران على أي استهداف نوعي في عمقها الاستراتيجي، وهل من الصواب دائماً، الرهان على "صبرها الاستراتيجي"، وماذا إن اختلت موازين الاستقرار في الدول العربية التي تنتظر – ربما – موجة ثالثة من موجات الربيع العربي، سيما إن وقع محظور كهذا في واحدة أو أكثر من "دول الطوق"؟

أسئلة وتساؤلات، تدفع للتساؤل عن مصير "التهدئة" وجهود استعادة "الاستقرار"، وتملي بدورها سؤالاً آخر، حول الحكمة الكامنة وراء التعامل مع المسألة الفلسطينية بالتقسيط وليس بالجملة.. بالسياسة وليس بالاقتصاد والأمن وحدهما.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.