"هذه المدن لا تبني ازدهارها على شعور المقيمين بها بملكيتهم لها، بل على أساس مرور كريم في أحسن الأحوال". صورة تعبيرية
"هذه المدن لا تبني ازدهارها على شعور المقيمين بها بملكيتهم لها، بل على أساس مرور كريم في أحسن الأحوال". صورة تعبيرية

"الاستحقاق الكبير" هو النهاية المرتقبة للواقع الذي سمح للعديد من الدول في المحيط العربي أن تعتمد على عائدات الاستخراج، نفط وغاز وفوسفات، لتمويل ارتقائها من نظم هشّة متآلفة مع الشحة والعوز إلى دول تضاهي في تطورها المادي المجتمعات التي راكمت القيمة على مدى القرون من خلال إنتاجية ذات فائض في الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها من أشكال الانتاج والتحصيل وصولاً إلى ما حققته هذه الدول لأخرى من ترتيب للنظم والانتقال إلى المجالات المعرفية كوسيلة أولية لتوليد القيمة وتثبيت الثروة والرخاء.

ليس في هذا التوصيف إنكار أن العديد من دول المحيط العربي التي استفادت من ثروات الاستخراج قد تمكّنت من تجيير قسم من العائدات لاستحداث دورة اقتصادية موضعية مستدامة أو أكثر (الزراعة في المغرب، الإعلام في قطر، التعليم العالي في السعودية، وغيرها)، إلا أن مظاهر الرخاء ومستلزماته في العديد منها، دول الخليج أولاً، ليست تعبيراً عن هذه الدورات المستحدثة، بل هي في معظمها نتيجة مباشرة لضخ صريح أو مموّه من جانب الحكومات كوسيلة لمشاركة المجتمع بالفائض الناتج عن الاستخراج.

ربما أن دبي، أو أبوظبي، أو الدوحة، تشبه نيويورك، بل وفق أكثر من معيار ثمة من قد يرى أنها تتفوق عليها. ولكن نشوء نيويورك، أو شيكاغو، أو لوس أنجلوس، كان عضوياً تراكمياً على مدى قرون، وكان نتيجة تلاقي الفائض من أعداد متتالية من الدورات الاقتصادية الموضعية، الصغيرة أو الكبيرة، المحلية، المناطقية، القارية، العالمية، فإذا تراجعت أحداها أو زالت، أو حتى إذا كان هذا حال العديد منها يبقى الكثير غيرها ليملأ الفراغ. والمدينة باقية وتتمدد لا بمشيئة فوقية، بل بتنوعها وبارتباط أهلها بها، وباندفاعهم الإبداعي وطاقاتهم التي مكّنتها النظم السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية المنطلقة من أولوية المواطن واعتماد السلطة أو الدولة على تفويضه لها. أي أن قرار النهوض بنيويورك ليس صادراً من حاكم أو رئيس، بل هو النتيجة الجماعية للقرارات الذاتية الشخصية لسكان نيويورك والمستفيدين منها، دون توافق مسبق، على أساس تلاقي المصالح الفردية لتشكل الإنجاز المشترك.

في المقابل، فإن استنهاض مدن الخليج، بحكم طبيعة التركيبة الاجتماعية السائدة على مدى المحيط العربي، كان فوقياً. وحيث أن البناء والتطوير قد استدعى استقدام الخبرات والعمالة الوافدة، فإن هذه المدن لا تبني ازدهارها على شعور المقيمين بها بملكيتهم لها، بل على أساس مرور كريم في أحسن الأحوال. ما لا يمكن إنكاره بالتالي هو أن حالة الرقي والازدهار والرخاء في دول الخليج هي وليدة العائدات الاستخراجية، أولاً وأخيراً، وإن كان المسعى قائماً من أجل تلطيف التمييز الأخير أو تذويبه.

يُشهد لهذه الدول أنها حققت إجمالاً إدارة ناجعة لهذه العائدات، دون زعم الكمال. يُشهد لها أيضاً أنها حققت الإنجاز في البناء والتطوير بما يفوق التوقعات. بل يُشهد لقياداتها أدراكها بأنه ثمة استحقاق كبير آتٍ، مع أفول الثروة الاستخراجية ورحيل المقيمين الطارئين. ومن هنا الخطط الموضوعة الساعية إلى توظيف المواطنين وتدريبهم وترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل، على صعوبة هذا الهدف واتسامه بالتوجهات الشكلية أو الاستدراكية. ومن هنا أيضاً السرديات "المستقبلية" الساعية إلى تقديم البديل التوجيهي عن الاستهلاك، المادي والديني، والذي يشغل أوجه عديدة من هذه المجتمعات بناء على حصتها من الفائض. فالفائض والحصة إلى تراجع ثم إلى زوال، ولا بد من بديل، بل لا بد لهذا البديل أن يكون منتجاً لا مستهلكاً، وإلا كان الانحدار والسقوط.

فمنذ أعوام، بل منذ عقود، تجتهد حكومات لعض هذه الدول، دون ضجيج أو تهويل، بخطوات ساعية إلى إيجاد البديل أو البدائل، مع الالتفات إلى الأوجه الحيوية التي تتحقق في المدن التلقائية ذات الدورات الاقتصادية المتضافرة، والتي تفتقدها هذه المدن المستوهبة من الثروة الاستخراجية. تحلية المياه للأمن المائي، والاستثمار الزراعي في دول أفريقية وآسيوية وأستراليا للأمن الغذائي، والتوسع في الاستثمارات العالمية من خلال الصناديق السيادية للاستحصال على قدر من الاستقرار المالي، والشراكات مع الدول العظمى للأمن الصلب.

والقراءة الموضوعية للواقع الاقتصادي تفيد صراحة أن الإنتاج المحلي المجدي لن يكون زراعياً أو صناعياً. فمع استشفاف أفق نهاية الاستخراج، لا بد من الانتقال إلى الإنتاج المعرفي. زخم الشراكات في هذا الصدد، من خلال استقدام الجامعات وإقامة مراكز الأبحاث والإقدام على المشاريع الكبرى يؤكد الوعي والإصرار في هذا الشأن. ولكن كافة الجهود، في كل دول الخليج، لا تزال ذات طبيعة إملائية فوقية، لطيفة في بعض الأحيان، قاسية في أحيان أخرى. متأنية في بعض الأحيان، مندفعة إلى حدود التهور وما قد يتجاوزه أحياناً أخرى.

ربما أن المثال الأقصى هنا، في خضم الخطر الداهم، يأتي من السعودية، وهو تسخير ما قد يبلغ نصف الصندوق السيادي، هذه الأمانة للأجيال المقبلة، لبناء "مدينة" تتعارض مع أي مفهوم موضوعي أو تاريخي أو مصلحي للمدن، من حيث الشكل والموقع والوظيفة والطبيعة المفروضة للتواجد، تحت غطاء من السرية والفوقية ومن الترويج الدعائي المسطح. مدينة تُجترح من العدم، بسمات عبثية، وبطموح أن يأتيها من يأهلها من أصقاع العالم. قد يبنى بعضها، وقد يأتيها المغامرون العابرون، غير أن حظوظ ديمومتها ضئيلة إلى حد التلاشي، وإن أكد المستفيدون، مصممون ومقاولون من ذوي السجلات غير المتوافقة مع حجم المشروع، خلاف ذلك. هذا فيما تغيب عن سائر المدن (الحقيقية) وأهلها أقدار ضخمة من موارد الاستنهاض. بل هو السير في الاتجاه المعاكس لمعالجة مواطن الضعف في المدن الخليجية، والتي تحتاج لأن تنتقل إلى الصيغة الطبيعية، حيث المدينة لأهلها، وديمومتها بإبداعهم. ربما أن المغالطة الأولى في مشروع هذه المدينة هو الافتراض بأن الرؤية الأحادية الفوقية قادرة على تحقيق الانتقال إلى الانتاج المعرفي. بل إن هذا الانتقال يتطلب سمات ذاتية واجتماعية لا تتحصل إلا بتبديل العقد الاجتماعي. والتبديل المطلوب هو التخفيف من صيغة الرعاية وصولاً إلى صيغة العناية بالمواطن في حالات الطوارئ القصوى، لا تشديدها باتجاه الوصاية على المواطن وفرض مظاهر إبداع مفترض لا علاقة لها به وبتجاربه.

على أي حال، فإن العقد الحالي، المنطلق من أبوية الدولة الريعية وتوقع المواطن أن يحصل على كامل الرعاية، من المهد إلى اللحد، بذاته ليس صالحا للاستمرار. ولا بد من تعديله في صلبه. لا حاجة إلى التمثل الكامل بالتجارب العالمية والتخلي عن مثال الأسرة المعتمد، حيث الحاكم هو الأب والمواطن هو الابن، بل الأنجع قد يكون تطوير هذا المثال باتجاه إقرار الابن، أي المواطن، بأنه قد بلغ الرشد، وأن اعتماده على أبيه لم يعد جائزاً، بل المطلوب الانتقال إلى المسؤولية الكاملة عن الذات، وإن مع استمرار الرعاية الأبوية عند الضرورة.

لا شك أن مقولة الانتقال من الصيغة الأبوية الريعية إلى صيغة المسؤولية الذاتية للمواطن يعترضها الرفض النابع من الشعور بالغبن من جانب المطالبين بتحمل هذه المسؤولية بعد أن كانت توقعاتهم مبنية على دور رعاية مستفاضة للدولة. يتبع ذلك الاتهامات التلقائية بأن الأصح هو تقليص مخصصات الدولة والعمل على تذليل الهدر وترشيد الإنفاق ومكافحة الفساد. واقع الأمر أن كافة هذه المطالب منطقية، ولا بد لكل دولة من إيفائها حقها بالتزامن مع طرح أي تبديل في صيغة العقد.

وقد يكون الترتيب الأنجع في طرح الصيغة الجديدة التشديد على طبيعتها الجيلية، القائمة على توالي ثلاثة أجيال. عند أحد طرفي هذه الثلاثية الجيل الأول وهو "جيل الوفاء" المؤلف من المتقدمين بالسن، والذين قدّموا المطلوب منهم وبلغوا مرحلة ترقب الموعود لهم. فلا بد مع هذا الجيل من الوفاء بالوعد وضمان شيخوختهم. أي أن الهدف هنا هو ألا يتبدل معاش هذا الجيل، من خلال ترشيد المخصصات وتوجيهها بما يكفي الحاجة ويحفظ الكرامة.

وعند الطرف الآخر لثلاثية الأجيال الجيل الثالث وهو "جيل الإنجاز" المنشود، شباب الغد المؤهل لأن يساهم بالاقتصاد المعرفي طبيعياً وتلقائياً، بعد حصوله على التعليم والتدريب الكفيلين بتمكينه. هو جيل المستقبل، جيل أولاد من هم اليوم في مطلع حياتهم العملية أو في وسطها.

هؤلاء يشكلون الجيل الوسيط، الثاني الواقع بين جيلي الوفاء والإنجاز. هم "جيل التحول"، وعليهم تقع مسؤولية تحقيق التغيير والتبديل والانتقال، برعاية مستمرة من الدولة الأبوية، على أساس تفاعلي متزايد، ليس انطلاقاً من حاجة إلى التضحية الطوعية والتي قد تكون واجبة أو قد لا تكون، بل بناء على استتباب القناعة الموضوعية بأن المطالبة باستمرار النظام الريعي، ومسايرة الدولة لهذه المطالبة، هو أمر واهم قابل للحصول لفترة وجيزة، تطول بعض الشيء أو تقصر بعض الشيء وفق الدولة المعنية وعلى أساس التقلبات في الأوضاع العالمية، ولكنها منتهية بالتأكيد في زمنهم.

فالخيار المطروح أمامهم هو بعض الصعوبة في السير بالعملية الانتقالية، وصولاً إلى رخاء واستقرار مستدام، ومن بعده المستقبل الواعد لذريتهم، ومن دون التفريط بحقوق آبائهم، أو الإصرار على فوائد آنية سرعان ما تستبدل بالانهيار، لهم ولأبنائهم ولأبائهم.

من شأن الثروة المالية، إذا استمر حسن توظيفها في الاستثمارات العالمية، وفي حال لم يجرِ هدرها في مغامرات ومخاطرات قليلة الجدوى، ولم تتمكن أطراف خارجية نافذة متمرسة في المعاملات المالية الاستيلاء عليها بطرق مشروعة أو أقل منها، والتجربة الآسيوية هي العبرة هنا، أن تشكل بعض الضمانة لإطالة أمد المرحلة الانتقالية. ولكن ما لا شك فيه هو أن المتاح فعلياً من أشكال الانتاج للمحافظة على المكتسبات الحياتية لزمن الوفرة والذي يوشك على الانتهاء مع تراجع الاستخراج، ومع صعوبة الزراعة والصناعة، هو الانتاج المعرفي.

في مجال المعرفة المنتج هو المواطن الفرد، المبدع، المبتكر، الشجاع، الجريء، القادر أن يتحمل الخسارة في توخي النجاح. أفعاله وأعماله، هو وأقرانه، من شأنها أن تنتج الدورات الاقتصادية المتعددة، في عالم مستقبلي تتوالد فيه فرص الانتاج والاستهلاك المعرفيين، وتتكاثف وتتراكم لتمنح المجتمعات، في الخليج وعلى مدى المحيط العربي، الدورات الاقتصادية المتعددة، المتداخلة والمتفرقة، تزول أو تبقى فرادى، ويبقى مجموعها. هذا فيما تنكفئ الحكومات إلى دورها الطبيعي بتأطير هذا النشاط وضمان استمراره.

كل دول المنطقة تحتاج إلى مناقشة الواقع ومعالجته، دون أن تقتصر هذه الحاجة على الحكومات والحكام، بل أن تشمل المجتمعات إلى مستوى الأفراد. فإن صحّ أن السبيل قدماً هو الانتاج المعرفي أولاً، أو كان ثمة وسيلة لتعزيزه بأشكال الانتاج الأخرى، وتحصيل القيمة بكافة الأشكال الممكنة، فالأصح أن يأتي القرار نتيجة حوار وطني يحافظ على خصوصيات كل دولة، ويحترم قناعات مجتمعها إزاء طبيعة نظام الحكم فيها، بما يضمن سلاسة الانتقال من دولة الرعاية إلى دولة العناية ومجتمع الإنجاز.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.