"عندما لا يبقى للناس شيء يأكلونه، سيلتهمون الأغنياء". بابتذالٍ شديد اقتبس من جان جاك روسو، مدركةً أن في حسابي البنكي مبلغ يكفي لاستمرارية الاحتياجات اليومية والخدمات الشهرية، مبلغ رقمي يكفل بشحن اللابتوب "متى شئت"، تسخين الماء، تدفئة أطراف أصابعي، والبقاء على قيد الحياة.
"التهموا الأغنياء" أرددها في رأسي وأنا على يقينٍ تام بأنني لن أفعل. لا أحد أيضاً. التهمنا السم جميعاً، مٌلْتَهَمين ومُلْتِهِمين.
تجنباً للـ FOMO المصطلح المنحوت حديثاً من الجملة "Fear of missing out" في العربية "الخوف من تفويت حدث ما"، وهي حالة قلق ورهاب تصيب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من تفويت حدث اجتماعي/سياسي/ ترفيهي ما وعدم المشاركة به والتفاعل معه أو أقلها إبداء وجهات نظر حوله.
حسناً، لتجنب الـ FOMO قررت مشاهدة عدة أفلام:
(مثلث الحزن ) "Triangle of Sadness”
"The menu" (قائمة الطعام)
تجنباً للكرينج لن أترجم العنوان إلى العربية "Glass Onion: A Knives Out Mystery"
على ما يبدو، يواجه الأغنياء ذوي الثراء الفاحش وقتاً عصيباً في السينما مؤخراً، أقلها في الأفلام الـ3 أعلاه. وضع روبن أوستلوند في فيلمه "مثلث الحزن" مجموعة منهم على متن يخت فاخر، كحيوانات المختبر، يتقيؤون في كل مكان وعلى بعضهم البعض، عواصف من القيء مندفعة ومنفجرة من كراسي التواليت. رشاشات بركانية من السوائل البشرية، مسابح من القيء. عرض هزلي يسخر من الثراء المغلف بقشور من اللمعان والطبقية غير الملموسة من العامة، ساحقاً أكثرهن تباهياً وغطرسة. متقيئيين أنفسهم وذلهم الداخلي إلى حد الغرق به.
بعكس أثرياء فيلم "قائمة الطعام"، يحاصر مارك ميلود في جزيرة نائية داخل مطعم فائق الحصرية، مصمم للعزلة التامة عن العالم الخارجي، بمزيج انتقائي من نخبة فاحشة الثراء من متهربي الضرائب، مختصين من ذواقة الطعام، صحفيي الثقافة المتعجرفين، ممثل مغمور، هاويين تذوق يدّعون بما يكفي للاعتقاد أمام أنفسهم قبل أي أحد، بأنهم على دراية تفوق الطاهي الرئيسي نفسه. يتناسب تصميم أجواء مع "قائمة الطعام" بطريقة ترضي أذواق النخبة دائمًا ما تكون "القائمة" المؤلفة من 6 كورسات رائعة من منظور تقني، لكن مع مرور الوجبة تلو الأخرى، يجد الأثرياء هناك أنفسهم محاصرين بالترهيب من السرديات المروعة المرافقة لكل وجبة المصاغة بأداء مثير للاهتمام من "الشيف سلويك"، وبالجوع أكثر فأكثر مع انتهاء كل طبق، لاقتران كمية الطعام بالمفهوم، حيث تتغلب النوعية وطريقة التقديم وترتيبها في الصحون على الكمية المناسبة للإنسان العادي، الذي يهتم بإشباع جسده بدلاً من التلذذ بعينات وقضمات تحمل مفاهيماً أسطورية وتاريخية، إلى أن تصبح الأطباق تدريجياً نقاطاً صغيرة لا ترى بالعين المجردة.
الطبق الذي يبلغ سعره 1250 دولاراً للشخص الواحد. "ماذا! هل سنأكل ساعة رولكس؟" تقول "مارغو" أحد الشخصيات الرئيسية في الفيلم. تتحول الأطباق وطريقة تقديمها إلى أشكال غير تقليدية من العلاج الشخصي لكل واحد من الشخصيات، تناسب نوع التدليل المفضل المتوقع والمناسب للأسعار الباهظة لوجبة عشاء واحدة. تتخذ الأطباق المصممة خصيصاً لكل ضيف نغمة متطفلة وشريرة وعنيفة ، وهو أمر مسلي للمشاهد ولكنه مرعب إن رافق وجبة عشاء ليلية، واجهة مطلة على شاطئ بحري. تبقى الخدمة صارمة ودقيقة، حتى عندما تصبح الحالة عدائية، فوضوية ودموية. ومع ذلك كما هو الحال في الأفلام الحديثة التي تدين فاحشي الثراء، فإن "القائمة" في النهاية لا تخبرنا بأي شيء لا نعرفه بالفعل. يصبح ثقيل الوطأة وواضح في رسالته. الثروة المحيرة غير المنطقية تسمم الأجساد والعقول. في النهاية تحول المطعم إلى ساحة تطهير من قبل الشيف من ذنوبه وآثام الضيوف وحتى الخدم، إلى أن يتآكلوا جميعاً ذائبين في لهيب من المارشميلو والشوكولا الرخيصة.
بينما لا تآكل أو قيء أو سوائل بشرية في فيلم "Glass Onion: A Knives Out Mystery"، من إخراج "ريان جونسون". هناك جريمة قتل، لغز حقيقي محصور بمجموعة من الأشخاص السلطويين سواء مادياً أو سياسياً، لكن المبررات وإبعاد التهم جاهز وسريع عندما يتعلق بتوجيهها نحو الأثرياء، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بصوت عالٍ ومكانة اجتماعية مؤثرة.
كما يوحي العنوان "البصل الزجاجي" تتضح وتتعقد الأحداث والثغرات مع كل مشهد إلى أن يصل إلى الذروة، الأصل الجوهري، كما في طبقات البصل. مجدداً "عندما لا يبقى للناس شيء يأكلونه، سيلتهمون الأغنياء". وستتكسر كل حبات البصل الزجاجية، طبقة طبقة بقشورها وجوهرها مجتمعة.

