المصارف اللبنانية تحتجز أموال المودعين لديها من لبنانيين وأجانب منذ عام 2019

إذا كان من أحدٍ أوقح من الطبقة السياسية الفاسدة في لبنان، فهم أصحاب المصارف اللبنانية. فهؤلاء قامروا بمدخرات ثلاثة أجيال من اللبنانيين، وسرقوا، عبر إطباقهم على ودائع أكثر من مليون لبناني، عشرات مليارات الدولارات، وهو أمر موثق، ولولا انعدام العدالة لكانوا اليوم في السجن. لقد ارتكبوا سرقة موصوفة، لا جدال قانونياً حولها، وخلال أكثر من 3 سنوات من بعد ارتكابهم السرقة كانوا كل يوم يخرقون قانون النقد والتسليف، عبر تمنعهم من تسديد ودائع الناس.

هذه المافيا اليوم بدأت عملية ابتزاز تحت شعار إقفال أبواب المصارف بوجه المودعين، للضغط بهدف تمرير قانون الـ"كابيتال كونترول"! وقاحة تفوقت عبرها المافيا على نفسها، فهذا القانون تمت هندسته لقوننة سرقتهم، وللحد من قدرة المودعين على مقاضاتهم. علماً أنهم هم أنفسهم، أي أصحاب المصارف، من منع في البداية إقرار هذا القانون لأنه كان يحد من قدرتهم على تحويل الودائع للخارج.

واليوم، وبعدما حولوا ما حولوه إلى الخارج لهم وللطبقة السياسية، قرروا أنه صار وقت الـ"كابيتال كونترول"! التحويلات التي قاموا بها في السنوات الثلاث الفائتة موثقة ولم يكلفوا أنفسهم تبريرها. وليد جنبلاط نفسه كان كشف عبر أحد مساعديه أنه حول مبالغ طائلة إلى الخارج في هذه الفترة، وكشفت تحقيقات صحفية عن تحويل لرياض سلامة عبر مصرف مروان خير الدين. اليوم وقد أنجزوا المهمة، يريدون "كابيتال كونترول" ليحد من قدرة المودعين على مقاضاتهم.

هذه ليست وقاحة، إنه فجور، وهو صادر عن شعور بأن بإمكانهم مواصلة السرقة التي بدأوها مع الهندسات المالية.

هناك حوالي مليون ونصف المليون لبناني وعربي سرقت ودائعهم، ولدينا في المقابل أقل من ألف مصرفي سرقوا الودائع! هذا يعني أن القانون، في حال أقر، سوف يكون لحساب أقل من 1 بالمئة وعلى حساب 99 بالمئة من الناس. والأهم أن القانون لحساب السارق وعلى حساب المسروق. هل شهد العالم تشريعاً على هذه الدرجة من الوقاحة والظلم والإجحاف. نعم في لبنان نشهد نقاشاً في البرلمان هدفه التمهيد والتشريع لعملية ظلم هائلة ولمصلحة ظالم يجمع العالم كله على حجم ارتكابته. 

اليوم سربت الإدارة الأميركية خبر عزمها معاقبة رياض سلامة، وبالأمس باشر قضاة في خمس دول أوروبية تحقيقاتهم بفساد المنظومة المصرفية اللبنانية، وكشف مصدر دبلوماسي أوروبي أن العام 2023 سيكون عام محاكمة رياض سلامة في أوروبا.

وفي هذا الوقت يشهد لبنان وقائع معاكسة. مشروع قانون لحماية المصارف من احتمالات المحاسبة القضائية، والمصارف صاحبة المصلحة في هذا القانون تجد في مجلس النواب قوى كبرى تساندها، كما تساندها منظومة إعلامية جرت رشوتها عبر الإعلانات، وعبر قروض وعبر رواتب دورية.

لكن لإقفال المصارف أبوابها وجها آخر. فإضراب المصارف اليوم هو ضد ضد القضاء. فالسبب المباشر للخطوة كان حكماً قضائياً بحق أحد المصارف يلزمه برد وديعة أحد زبائنه! القضاء أنصف مودعاً واحداً ولم ينصف مئات الآلاف غيره، وعلى رغم ذلك ارتأت المصارف معاقبته!

القضاء اللبناني الذي تولى حماية المصارف عبر صمته المديد على مخالفتها اليومية لقانون النقد والتسليف، لم تشفع له المصارف خطوة خجولة من نوع إنصاف مودع واحد من أصل أكثر من مليون مودع.

ربما حان الوقت ليطور المودعون معادلة "استيفاء الحق بالنفس"، بما أن المصارف أشهرت رغبتها بمنعنهم من اللجوء للقضاء. فالعدالة تتقدم على القانون، والأخير مهمته تحقيق العدالة، فإذا عجز، وجب على الناس البحث عن وسيلة ثانية لتحقيقها.

الناس في لبنان يختبرون كل يوم تنعم مجتمع المصارف بحياة البذخ، ويعانون عدم اكتراث الطبقة السياسية لما يعيشونه. هذا الاختناق مولد لاحتمالات انفجارات. ما شهدناه اليوم (الخميس) في شوارع بيروت من هجمات على المصارف وعلى منازل أصحابها هو أول الغيث، ذاك أن الانهيار المالي يشتغل على وقع الجشع المعلن لأصحاب المصارف، وعلى وقع الحماية السياسية التي تؤمنها المنظومة الحاكمة لهم.

الـ"كابيتل كونترول" تم صده عندما كان حاجة للمودعين، ويجري اليوم تمريره عندما صار حاجة لللمصارف. هذه المعادلة واضحة للجميع، والاختناق لن يبقى أسير صدور أصحابه.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.