مشهد عام من بغداد - صورة أرشيفية - رويترز
مشهد عام من بغداد - صورة أرشيفية - رويترز

الذاكرةُ التاريخيةُ والهويّة أداةٌ مهمّة بيد النخب السياسية لِتعزيز سيطرتها وشرعيتها. يقول إريك دافيس، في كتابه مذكّرات دولة إنَّ لِلدولة أنْ تفرض حكمَها بنحوٍ أوسع إذا ما أقنعت الجماهير بالخضوع لرؤيتها حول المجتمع. ولذا قد يُعرَض سؤالٌ في هذا الصدد يستفهم عن كيفية إدارة النظام السياسي العراقيّ بعد 2003 لمسألة التنوّع والهويّة الوطنية؟

لعلَّ الفكرة الأهم التي تبرز عند الحديث عن موضوع التنوّع والتعددية في أيّ بلدٍ ومجتمع، تتبلور في الرأي القائل بأنَّ "التنوّع عامل قوّة في المجتمعات". فالتنوّع -بحسب الإعلان العالمَي لِلتنوّع الثقافي- "يشكّل قوّةً محرّكة لِلتنمية، ليس على مستوى النموّ الاقتصادي فحسب، بل أيضاً كوسيلة لعيش حياة فكرية وعاطفية وروحية أكثر اكتمالاً. ومن هنا يُعدّ التنوع الثقافيّ ميزة ضرورية لِلحَدّ من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة".

إذا كان التنوّع عامل قوّة ويشكّل قوّةً محرّكة لِلتنمية فلماذا لم نلمس مثل هذه النتائج في العراق بعد 2003 رغم تميّز مجتمعه بالتنوع؟

ثمّة آراء مختلفة حول إشكالية الهويّة في العراق، فهناك مَن يعدّها إشكالية بنيويّة ظهرت مع تأسيس الدَّولة العراقية، ويعدّها آخرون إشكاليّة مصطنعة ظهرت بعد الاحتلال الأميركي. إذا اتفقنا مع الاتجاه الأوّل فيجب ألّا نغفل ملامح الهويّة الاجتماعية لِمَن كان يقطن في العراق عشيّة تفكك الدولة العثمانية، لاسيّما إذا عرفنا أنَّ تفكك الدولة العثمانية –بحسب ما يقول برهان غليون- قد "فَجَّرَ إحدى أعظم أزمات الهويّة التي عرفها الوطنُ العربيّ في تاريخه كلّه وأكثرها حدّة وديمومة". ولا ريب أنَّ المجتمع العراقيّ لم يكن بمنأى عن هذه الأزمة، فإنّه تشكّل منذ تأسيس الدولة العراقية في بداية القرن الماضي، والدولة العراقية هذه كانت نتاجاً للهيمنة الكولونيالية التي سادت في ذلك العهد، وأنّها نتاج تشكيل نخب سياسية غير منسجمة حاولت بناء العراق وتحديثه.

مرّت الهويّةُ العراقيّةُ بمراحل تاريخية عدّة ذكرها باحثون في موضوع الهوية والذاكرة العراقية، إذ عبّروا عن المرحلة الأولى بجيل السقوط: (عشية انهيار الدولة العثمانية والاحتلال البريطاني)، ومرحلة الحكم المَلَكي، ومرحلة الحكم الجمهوري، (الجمهورية الأولى 1958-1963)، والجمهورية الثانية (1963-1968)، والجمهورية الثالثة (1968-1979)، والجمهورية الرابعة (1979-2003).

ورث النظامُ العراقيّ بعد 2003 معظم الأخطاء التي ارتكبتها الحكومات السابقة، أهمّها المحاصصة والطائفية، والمبالغة بالاعتقاد بأنَّ المجتمع العراقي يتكوّن من ثلاث مجموعات متجانسة، (الشيعة والسنة والكرد). وهذه التراكمات تركت أثراً ملحوظاً على الذاكرة والهويّة وإدارة التنوّع على مستوى المكوّنات الاجتماعية الرئيسة والفرعيّة بعد 2003. فبعد أن كانت السلطةُ السياسية في الجمهورية الرابعة صانعة لِلهويّة لأغراض الحفاظ على السلطة، أضحت القوى السياسية بعد 2003 متصديّة لِعملية صناعة الهوية، فكلّ مُطّلع على مجمل الواقع الاجتماعي العراقي بإمكانه أن يشهد ظاهرة التدين الشعبي وأثرها على وعي فئة كبيرة مِن المواطنين في اتخاذ القرار واختيار الولاءات السياسية. إنَّ القوى الدينية الشعبية التي تعاظم دَورُها في الحياة الاجتماعية والسياسية بعد 2003 باتت بحضورها المكثَّف تتحكّم بحياة بعض الأفراد وسلوكهم، حتّى أخذت قيم المجتمع المدنية بالتراجع، بعد إضعاف الطبقة الوسطى منذ بداية التسعينيات مع بداية ما سُميَّ بالحملة الإيمانية التي تبنّاها صدّام حسين. وقد اتسم جزءٌ كبير من الهوية العراقية بصفات بعد عام 2003 متأثرةً بخطاب أحزاب السلطة، لعلَّ أهمها "الطائفية"، إذ بات التفكير في الإطار الطائفيّ الضيّق سمة بارزة في بين فئات غير قليلة من العراقيين، و"محاصصة السلطة" إذ بدأت في فترة متقدّمة في تاريخ العراق المعاصر، ولكنّها ترسخت بعد 2003 حتّى أصبحت سمة بارزة في الأوساط السياسية والمؤسسات الحكومية؛ ومن ثمَّ "التطرف الديني والانغلاق على الآخر"، وهي نتيجة بديهية لِلخطاب الطائفي الذي وظّفته الأحزاب السياسية. ومن هنا وجدت التنظيمات الإرهابية بيئةً اجتماعية خصبة لِترويج التطرف والعنف ضدّ المكونات الأخرى. ولا يخفى أنَّ ضعف المنظومة التعليمية وتراجعها بسبب إخفاقات النظام السياسي كان له الدَور الأكبر في تراجع الوعي المجتمعي وصعود هويّة منغلقة على الآخر.

ويجب ألا ننسى أنّ صناعة الهوية بعد 2003 لم تقتصر على الأحزاب السياسية، بل العشيرة أيضاً أدّت دَوراً بارزاً في هذه العمليّة. فبعد أن كان النظام السياسي قبل 2003 يعنى بإحياء القوانين والأعراف العشائرية، وأضفى على العشيرة دَوراً سلبياً في المجتمع، استمرّ النظام بعد 2003 بهذه الطريقة لأغراض سياسية أهمها الفوز في الانتخابات، وبات لِشيخ العشيرة سطوة على وعي الفرد، ومن ثمَّ اتسمت هوية فئة كبيرة من العراقيين بالانتماء العشائري، وأمسى مثل هؤلاء متأثرين بما يمليه عليهم شيخ العشيرة المرتبط بالسلطة المتهمة بالفساد والطائفية. وبهذا شكّلت علاقة التصادم والتخادم بين الدولة والمشايخ واحدة من أهم السمات السياسية للمجتمع العراقي.

الذاكرة التاريخية - كما أسلفنا- أداةٌ مهمّة بيد النخب السياسية لِتعزيز سيطرتها وشرعيتها، فلطالما كانت الأنظمةُ السياسية المتعاقبة في العراق تسعى إلى التحكم بهويّة الفرد، واتضح ذلك بصورة جليّة بعد 2003 على يد الأحزاب التي خلقت عقلاً جمعياً يتسم بالطائفية والعنف. وعلى الرغم من أن التنوّع عامل قوّة نافعة لِلتنمية، فلم نلمس مثل هذه النتائج في العراق بعد 2003 رغم تميّز مجتمعه بالتنوع. ذلك أن الأطراف الفاعلة في صناعة الهوية والذاكرة عملت على تقويض هذا الدَور. فالخطاب الطائفيّ جعل غالبية العراقيّين -بحسب التجربة المعاشة لدى الكاتب- بلا هويةٍ سياسيّة، لاسيما في محافظات "الوسط والجنوب"، التي تندد بِكلّ مآلاتِ السلطة التي قادتها قوى سياسية دينية.

إنَّ الطائفيةَ –بوصفها سمة بارزة في الذاكرة والهويّة الراهنة- لا تسمح لِلتنوّع أن يؤدّي دَورَه الإيجابيّ. أمّا الحلول فهي موجودة في جُعبة الأحزاب العراقيّة، فإنّها اليوم بما تملكه من رصيد جماهيري ومن حصّة كبيرة في السلطة تستطيع إحياء مشروع بناء الهوية الوطنية الذي تبنّاه النظام الملكيّ فيما لو توفرت الإرادة الصادقة، وذلك من خلال إصلاح سلوكها وتجاوز الرؤى المؤدلَجة. لأنَّ الطائفيةَ التي أمست علامةً بارزةً في الذاكرة العراقية ليست نتيجة تعددية المجتمع، بل هي نتيجة تدخل السلطة سلباً في إدارة الجماهير لِصالح منافعها.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.