الرئيس الروسي يقلل من تأثيرات العقوبات الغربية على اقتصاد بلاده ـ صورة أرشيفية.
بوتين لم يحظ بالانتصار السريع الذي حلم به

عام كامل مرّ على الغزو الروسي لأوكرانيا وتُعبّر هذه المدة الطويلة بحد ذاتها عن أولى الخيبات التي أُصيب بها بوتين وقادته العسكريين ومعهم أغلبية كبيرة من "الخبراء السياسيين والاستراتيجيين" العرب الذين توقّعوا حرباً خاطفة تنتهي خلال ساعات أو على أبعد تقدير أيام باستسلام أوكرانيا وتنصيب حكومة عميلة للكرملين فيها ورضوخ العالم للأمر الواقع لأنه حسب رأيهم لا يستطيع مواجهة روسيا عسكرياً وغير قادر على الاستغناء عن نفطها وغازها اقتصادياً، ويمكن التأكّد من ذلك بالعودة إلى تغطية المحطات العربية في بداية الحرب ومشاهدة كيف كانت تتحدث بحماس عن حصار الدبابات الروسية لكييف وعن بحث الغرب عن بديل للرئيس زيلينسكي إذا قبض عليه الروس. 

ولم يكن طول مدة الحرب هو الخيبة الوحيدة لبوتين، فقد رافقها تراجع تدريجي في الأهداف الروسية ابتدأ في الشهر الأول بالتخلّي عن إحتلال كييف ونزع سلاح أوكرانيا نتيجة عدم جاهزية الجيش الروسي وتخلّف أسلحته وتواضع مستوى قادته العسكريين، وبعد أسابيع أُخرى تبيّن أن السيطرة على كامل الأقاليم الشرقية ليس بالأمر السهل كذلك، بل شهد النصف الثاني من عام 2022 سلسلة من الهزائم والتراجعات الروسية في شرق أوكرانيا وجنوبه. 

إلى أن أتى فصل الشتاء فتوقفت العمليات العسكرية الكُبرى باستثناء جبهة بلدة باخموت التي تركّز فيها جهد مرتزقة فاغنر بهدف تحقيق انتصار معنوي يعيد بعض الاعتبار للجيش الروسي، وبعد عشرات المحاولات اقتصر التقدّم الروسي على إحتلال قرية سوليدار المجاورة لباخموت وبثمن باهظ، حيث قال البيت الأبيض قبل أيام أن خسائر شركة فاغنر وصلت إلى ثلاثين ألف قتيل من إجمالي مقاتليها البالغ خمسين ألفاً. 

وهذا يُعطي فكرة عن حجم الخسائر التي تكبّدها الجيش الروسي في هذه الحرب، فقد قالت مسؤولة شؤون أوروبا والشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأمريكية "أن روسيا فقدت على الأرجح نصف مخزوناتها من الدبابات القتالية إما بتدميرها أو باستيلاء أوكرانيا عليها"، وفي نفس الوقت قالت صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن مصادر أمريكية وأوروبية أن خسائر روسيا البشرية وصلت إلى 200 ألف عسكري بين قتيل وجريح وهو رقم قريب من تقديرات وزير الدفاع النرويجي، ويقابل التقديرات الغربية تعتيم كامل من روسيا على حجم خسائرها نتيجة صدور قوانين تحظر نشر أي معلومات أو بيانات عن وفيّات العسكريين أو أسماء القتلى. 

ولم تكن خسائر روسيا الاقتصادية أقل من خسائرها العسكرية، فقد شارف فصل الشتاء على نهايته دون أن ترضخ أوروبا لروسيا نتيجة حاجتها للغاز والنفط الروسي لتدفئة شعوبها، بل نجحت بالاستغناء عن جزء كبير منه وفي الشتاء المقبل ستكون الكثير من الدول الأوروبية قادرة على الاستغناء بالكامل عن مصادر الطاقة الروسية، ولذلك تراجعت عائدات النفط والغاز الروسية بنسبة 45 في المائة في شهر يناير الماضي، وتوقّعت خبيرة ألمانية أن يصل عجز الموازنة الروسية إلى خمسة في المائة من الناتج الوطني الإجمالي هذا العام، أي أن روسيا ستضطر للسحب من احتياطياتها المالية التي كانت تُقدّر بمئات مليارات الدولارات قبل هذه الحرب وهذه الاحتياطات هي التي ساعدت الحكومة الروسية على إمتصاص آثار العقوبات وحماية الروبل من الهبوط حتى الآن، ولكنها قابلة للنفاذ إذا تواصل السحب منها. 

أما على المستوى السياسي فقد كان من مظاهر الفشل الروسي بقاء زيلينسكي رئيساً لأوكرانيا بل تحوّل إلى بطل في عيون الشعب الأوكراني والكثير من شعوب العالم خاصةً في دول الغرب، ويمكن ملاحظة ذلك في الحفاوة التي يُستقبل بها في هذه الدول، بينما إهتزت صورة روسيا كدولة عظمى وتراجعت مكانة بوتين وإنطباع القوة الذي كان يتركه عند حلفائه قبل خصومه. 

ورغم كل ذلك فقد توضّحت اليوم مجموعة من الحقائق التي قد لا تناسب طرفي الصراع، أولها أن روسيا غير قادرة على الاستمرار طويلاً في هذا الاستنزاف على المستوى البشري والتسليحي، لأن إنتاجها الحربي لا يستطيع تعويض خسائرها لا من ناحية المعدّات ولا من ناحية الذخيرة لأنها تستهلك ضعف ما تستهلكه أوكرانيا نتيجة الضعف في دقة أسلحتها، ولذلك لجأت إلى إيران وكوريا الشمالية وربما للصين لتأمين بعض حاجتها، ونتيجة هذا الوضع من المُرجّح أن تقتصر خططها خلال الأشهر القادمة على الحفاظ على الأراضي التي استولت عليها في بداية الغزو. 

بينما تستعد أوكرانيا للقيام بهجوم مع فصل الربيع المقبل، واستقدمت في سبيل ذلك ما استطاعت الحصول عليه من دبابات وذخيرة ووسائل دفاع جوي، لأن أوكرانيا تدرك أن نتيجة معركة الربيع هي التي ستحدّد شكل السلام المُقبل لمعرفتها أن اندفاع دول الغرب في إمدادها بالمعدّات والذخيرة بالدرجة المطلوبة قد لا يستمر لفترة طويلة، رغم حماس بعض حلفائها مثل بريطانيا وبولندا ودول البلطيق لمساعدتها ورغم التأكيدات الأمريكية بأنها ستستمر في دعم أوكرانيا مهما تطلّب الأمر، فقد قال الأمين العام لحلف الناتو أن إستهلاك أوكرانيا للذخيرة أعلى بعدّة مرات من معدل الإنتاج الحالي لحلفائها، وعلّقت بلومبرغ على هذا الوضع بالقول إن الحرب الحالية أصبحت معركة مصانع بقدر ما هي معركة جنود. 

ورغم التفوّق الغربي الواضح على روسيا التي تتعرّض لعقوبات واسعة ولكنّ المرجّح أن الحماس لحرب طويلة سيتراجع عند بعض دول الغرب مع الوقت خصوصاً إذا كان هناك فرصة سلام معقولة، وسيتذرّع بعضهم بعدم الرغبة بالدخول في صراع مباشر مع روسيا، في حين سيتذرّع آخرون بعدم الرغبة في حشر بوتين بالزاوية التي قد تدفعه لقرار إنتحاري بإستخدام سلاح دمار شامل كيميائي أو نووي. 

لذلك سيبذل الجيش الأوكراني كل طاقته لاستعادة المناطق التي يعتبرها ذات أهمية إستراتيجية، وفي المقابل سيحاول الروس الاحتفاظ بمناطق بشكل يمكن تسويقه داخل روسيا وكأنه انتصار، مما يطرح السؤال الكبير وهو ما هي السيناريوهات المحتملة لنهاية هذه الحرب؟، فإذا تمكّنت أوكرانيا في هجوم الربيع من إنتزاع المناطق المطلّة على بحر آزوف التي كانت تحت سيطرتها قبل هذه الحرب فقد يصبح بإمكانها الموافقة على وقف إطلاق نار يستمر إلى فترة غير محدّدة دون توقيع إتفاق سلام دائم، ولكن ذلك قد يعني إستمرار العقوبات الغربية على روسيا وهذا من الصعب على الروس القبول به. 

ولذلك سيحاول بعض الوسطاء الدوليين ابتكار حلول ترتبط بنتيجة معركة الربيع، وقد يكون منها إعتبار العودة إلى حدود ما قبل 24 فبراير 2022 أرضية مقبولة للبدء بمحادثات سلام تراعي مخاوف أوكرانيا وروسيا الأمنية، أو تجميد الوضع العسكري على ما هو عليه وتحديد موعد يبعد عدة سنوات لبدء مفاوضات الحل النهائي، أو تكليف الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء في بعض المناطق الشرقية وشبه جزيرة القرم ليحدّد سكان هذه المناطق البلد الذي يريدون أن يكونوا جزءا منه.  

وفي جميع الأحوال عند استعراض الخسائر الكبيرة التي تكبدّتها روسيا مع ما ترتّب على هذه الحرب من تغيرات إستراتيجية على الساحة الدولية مثل إعادة بناء جيوش ألمانيا واليابان وزيادة قوة وتسليح كل الجيوش الغربية وتعزيز التحالف بين دول الغرب واستغناء هذه الدول عن مصادر الطاقة الروسية والإسراع في عملية التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة، يتّضح أن قرار بوتين بغزو أوكرانيا لم يكن متهوراً وغير مدروس فحسب بل كان خطأً إستراتيجيا، بل قد يكون ما يُسمّيه علماء النفس "القرار الأخير" الذي يتّخذه الزعماء المصابين بمُتلازمة الغطرسة والذي قد ينتهي بإنهيار سلطتهم بالكامل

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.