متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

الرئيس الروسي يقلل من تأثيرات العقوبات الغربية على اقتصاد بلاده ـ صورة أرشيفية.
بوتين لم يحظ بالانتصار السريع الذي حلم به

عام كامل مرّ على الغزو الروسي لأوكرانيا وتُعبّر هذه المدة الطويلة بحد ذاتها عن أولى الخيبات التي أُصيب بها بوتين وقادته العسكريين ومعهم أغلبية كبيرة من "الخبراء السياسيين والاستراتيجيين" العرب الذين توقّعوا حرباً خاطفة تنتهي خلال ساعات أو على أبعد تقدير أيام باستسلام أوكرانيا وتنصيب حكومة عميلة للكرملين فيها ورضوخ العالم للأمر الواقع لأنه حسب رأيهم لا يستطيع مواجهة روسيا عسكرياً وغير قادر على الاستغناء عن نفطها وغازها اقتصادياً، ويمكن التأكّد من ذلك بالعودة إلى تغطية المحطات العربية في بداية الحرب ومشاهدة كيف كانت تتحدث بحماس عن حصار الدبابات الروسية لكييف وعن بحث الغرب عن بديل للرئيس زيلينسكي إذا قبض عليه الروس. 

ولم يكن طول مدة الحرب هو الخيبة الوحيدة لبوتين، فقد رافقها تراجع تدريجي في الأهداف الروسية ابتدأ في الشهر الأول بالتخلّي عن إحتلال كييف ونزع سلاح أوكرانيا نتيجة عدم جاهزية الجيش الروسي وتخلّف أسلحته وتواضع مستوى قادته العسكريين، وبعد أسابيع أُخرى تبيّن أن السيطرة على كامل الأقاليم الشرقية ليس بالأمر السهل كذلك، بل شهد النصف الثاني من عام 2022 سلسلة من الهزائم والتراجعات الروسية في شرق أوكرانيا وجنوبه. 

إلى أن أتى فصل الشتاء فتوقفت العمليات العسكرية الكُبرى باستثناء جبهة بلدة باخموت التي تركّز فيها جهد مرتزقة فاغنر بهدف تحقيق انتصار معنوي يعيد بعض الاعتبار للجيش الروسي، وبعد عشرات المحاولات اقتصر التقدّم الروسي على إحتلال قرية سوليدار المجاورة لباخموت وبثمن باهظ، حيث قال البيت الأبيض قبل أيام أن خسائر شركة فاغنر وصلت إلى ثلاثين ألف قتيل من إجمالي مقاتليها البالغ خمسين ألفاً. 

وهذا يُعطي فكرة عن حجم الخسائر التي تكبّدها الجيش الروسي في هذه الحرب، فقد قالت مسؤولة شؤون أوروبا والشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأمريكية "أن روسيا فقدت على الأرجح نصف مخزوناتها من الدبابات القتالية إما بتدميرها أو باستيلاء أوكرانيا عليها"، وفي نفس الوقت قالت صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن مصادر أمريكية وأوروبية أن خسائر روسيا البشرية وصلت إلى 200 ألف عسكري بين قتيل وجريح وهو رقم قريب من تقديرات وزير الدفاع النرويجي، ويقابل التقديرات الغربية تعتيم كامل من روسيا على حجم خسائرها نتيجة صدور قوانين تحظر نشر أي معلومات أو بيانات عن وفيّات العسكريين أو أسماء القتلى. 

ولم تكن خسائر روسيا الاقتصادية أقل من خسائرها العسكرية، فقد شارف فصل الشتاء على نهايته دون أن ترضخ أوروبا لروسيا نتيجة حاجتها للغاز والنفط الروسي لتدفئة شعوبها، بل نجحت بالاستغناء عن جزء كبير منه وفي الشتاء المقبل ستكون الكثير من الدول الأوروبية قادرة على الاستغناء بالكامل عن مصادر الطاقة الروسية، ولذلك تراجعت عائدات النفط والغاز الروسية بنسبة 45 في المائة في شهر يناير الماضي، وتوقّعت خبيرة ألمانية أن يصل عجز الموازنة الروسية إلى خمسة في المائة من الناتج الوطني الإجمالي هذا العام، أي أن روسيا ستضطر للسحب من احتياطياتها المالية التي كانت تُقدّر بمئات مليارات الدولارات قبل هذه الحرب وهذه الاحتياطات هي التي ساعدت الحكومة الروسية على إمتصاص آثار العقوبات وحماية الروبل من الهبوط حتى الآن، ولكنها قابلة للنفاذ إذا تواصل السحب منها. 

أما على المستوى السياسي فقد كان من مظاهر الفشل الروسي بقاء زيلينسكي رئيساً لأوكرانيا بل تحوّل إلى بطل في عيون الشعب الأوكراني والكثير من شعوب العالم خاصةً في دول الغرب، ويمكن ملاحظة ذلك في الحفاوة التي يُستقبل بها في هذه الدول، بينما إهتزت صورة روسيا كدولة عظمى وتراجعت مكانة بوتين وإنطباع القوة الذي كان يتركه عند حلفائه قبل خصومه. 

ورغم كل ذلك فقد توضّحت اليوم مجموعة من الحقائق التي قد لا تناسب طرفي الصراع، أولها أن روسيا غير قادرة على الاستمرار طويلاً في هذا الاستنزاف على المستوى البشري والتسليحي، لأن إنتاجها الحربي لا يستطيع تعويض خسائرها لا من ناحية المعدّات ولا من ناحية الذخيرة لأنها تستهلك ضعف ما تستهلكه أوكرانيا نتيجة الضعف في دقة أسلحتها، ولذلك لجأت إلى إيران وكوريا الشمالية وربما للصين لتأمين بعض حاجتها، ونتيجة هذا الوضع من المُرجّح أن تقتصر خططها خلال الأشهر القادمة على الحفاظ على الأراضي التي استولت عليها في بداية الغزو. 

بينما تستعد أوكرانيا للقيام بهجوم مع فصل الربيع المقبل، واستقدمت في سبيل ذلك ما استطاعت الحصول عليه من دبابات وذخيرة ووسائل دفاع جوي، لأن أوكرانيا تدرك أن نتيجة معركة الربيع هي التي ستحدّد شكل السلام المُقبل لمعرفتها أن اندفاع دول الغرب في إمدادها بالمعدّات والذخيرة بالدرجة المطلوبة قد لا يستمر لفترة طويلة، رغم حماس بعض حلفائها مثل بريطانيا وبولندا ودول البلطيق لمساعدتها ورغم التأكيدات الأمريكية بأنها ستستمر في دعم أوكرانيا مهما تطلّب الأمر، فقد قال الأمين العام لحلف الناتو أن إستهلاك أوكرانيا للذخيرة أعلى بعدّة مرات من معدل الإنتاج الحالي لحلفائها، وعلّقت بلومبرغ على هذا الوضع بالقول إن الحرب الحالية أصبحت معركة مصانع بقدر ما هي معركة جنود. 

ورغم التفوّق الغربي الواضح على روسيا التي تتعرّض لعقوبات واسعة ولكنّ المرجّح أن الحماس لحرب طويلة سيتراجع عند بعض دول الغرب مع الوقت خصوصاً إذا كان هناك فرصة سلام معقولة، وسيتذرّع بعضهم بعدم الرغبة بالدخول في صراع مباشر مع روسيا، في حين سيتذرّع آخرون بعدم الرغبة في حشر بوتين بالزاوية التي قد تدفعه لقرار إنتحاري بإستخدام سلاح دمار شامل كيميائي أو نووي. 

لذلك سيبذل الجيش الأوكراني كل طاقته لاستعادة المناطق التي يعتبرها ذات أهمية إستراتيجية، وفي المقابل سيحاول الروس الاحتفاظ بمناطق بشكل يمكن تسويقه داخل روسيا وكأنه انتصار، مما يطرح السؤال الكبير وهو ما هي السيناريوهات المحتملة لنهاية هذه الحرب؟، فإذا تمكّنت أوكرانيا في هجوم الربيع من إنتزاع المناطق المطلّة على بحر آزوف التي كانت تحت سيطرتها قبل هذه الحرب فقد يصبح بإمكانها الموافقة على وقف إطلاق نار يستمر إلى فترة غير محدّدة دون توقيع إتفاق سلام دائم، ولكن ذلك قد يعني إستمرار العقوبات الغربية على روسيا وهذا من الصعب على الروس القبول به. 

ولذلك سيحاول بعض الوسطاء الدوليين ابتكار حلول ترتبط بنتيجة معركة الربيع، وقد يكون منها إعتبار العودة إلى حدود ما قبل 24 فبراير 2022 أرضية مقبولة للبدء بمحادثات سلام تراعي مخاوف أوكرانيا وروسيا الأمنية، أو تجميد الوضع العسكري على ما هو عليه وتحديد موعد يبعد عدة سنوات لبدء مفاوضات الحل النهائي، أو تكليف الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء في بعض المناطق الشرقية وشبه جزيرة القرم ليحدّد سكان هذه المناطق البلد الذي يريدون أن يكونوا جزءا منه.  

وفي جميع الأحوال عند استعراض الخسائر الكبيرة التي تكبدّتها روسيا مع ما ترتّب على هذه الحرب من تغيرات إستراتيجية على الساحة الدولية مثل إعادة بناء جيوش ألمانيا واليابان وزيادة قوة وتسليح كل الجيوش الغربية وتعزيز التحالف بين دول الغرب واستغناء هذه الدول عن مصادر الطاقة الروسية والإسراع في عملية التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة، يتّضح أن قرار بوتين بغزو أوكرانيا لم يكن متهوراً وغير مدروس فحسب بل كان خطأً إستراتيجيا، بل قد يكون ما يُسمّيه علماء النفس "القرار الأخير" الذي يتّخذه الزعماء المصابين بمُتلازمة الغطرسة والذي قد ينتهي بإنهيار سلطتهم بالكامل