قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.   

الرئيس الروسي يقلل من تأثيرات العقوبات الغربية على اقتصاد بلاده ـ صورة أرشيفية.
بوتين لم يحظ بالانتصار السريع الذي حلم به

عام كامل مرّ على الغزو الروسي لأوكرانيا وتُعبّر هذه المدة الطويلة بحد ذاتها عن أولى الخيبات التي أُصيب بها بوتين وقادته العسكريين ومعهم أغلبية كبيرة من "الخبراء السياسيين والاستراتيجيين" العرب الذين توقّعوا حرباً خاطفة تنتهي خلال ساعات أو على أبعد تقدير أيام باستسلام أوكرانيا وتنصيب حكومة عميلة للكرملين فيها ورضوخ العالم للأمر الواقع لأنه حسب رأيهم لا يستطيع مواجهة روسيا عسكرياً وغير قادر على الاستغناء عن نفطها وغازها اقتصادياً، ويمكن التأكّد من ذلك بالعودة إلى تغطية المحطات العربية في بداية الحرب ومشاهدة كيف كانت تتحدث بحماس عن حصار الدبابات الروسية لكييف وعن بحث الغرب عن بديل للرئيس زيلينسكي إذا قبض عليه الروس. 

ولم يكن طول مدة الحرب هو الخيبة الوحيدة لبوتين، فقد رافقها تراجع تدريجي في الأهداف الروسية ابتدأ في الشهر الأول بالتخلّي عن إحتلال كييف ونزع سلاح أوكرانيا نتيجة عدم جاهزية الجيش الروسي وتخلّف أسلحته وتواضع مستوى قادته العسكريين، وبعد أسابيع أُخرى تبيّن أن السيطرة على كامل الأقاليم الشرقية ليس بالأمر السهل كذلك، بل شهد النصف الثاني من عام 2022 سلسلة من الهزائم والتراجعات الروسية في شرق أوكرانيا وجنوبه. 

إلى أن أتى فصل الشتاء فتوقفت العمليات العسكرية الكُبرى باستثناء جبهة بلدة باخموت التي تركّز فيها جهد مرتزقة فاغنر بهدف تحقيق انتصار معنوي يعيد بعض الاعتبار للجيش الروسي، وبعد عشرات المحاولات اقتصر التقدّم الروسي على إحتلال قرية سوليدار المجاورة لباخموت وبثمن باهظ، حيث قال البيت الأبيض قبل أيام أن خسائر شركة فاغنر وصلت إلى ثلاثين ألف قتيل من إجمالي مقاتليها البالغ خمسين ألفاً. 

وهذا يُعطي فكرة عن حجم الخسائر التي تكبّدها الجيش الروسي في هذه الحرب، فقد قالت مسؤولة شؤون أوروبا والشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأمريكية "أن روسيا فقدت على الأرجح نصف مخزوناتها من الدبابات القتالية إما بتدميرها أو باستيلاء أوكرانيا عليها"، وفي نفس الوقت قالت صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن مصادر أمريكية وأوروبية أن خسائر روسيا البشرية وصلت إلى 200 ألف عسكري بين قتيل وجريح وهو رقم قريب من تقديرات وزير الدفاع النرويجي، ويقابل التقديرات الغربية تعتيم كامل من روسيا على حجم خسائرها نتيجة صدور قوانين تحظر نشر أي معلومات أو بيانات عن وفيّات العسكريين أو أسماء القتلى. 

ولم تكن خسائر روسيا الاقتصادية أقل من خسائرها العسكرية، فقد شارف فصل الشتاء على نهايته دون أن ترضخ أوروبا لروسيا نتيجة حاجتها للغاز والنفط الروسي لتدفئة شعوبها، بل نجحت بالاستغناء عن جزء كبير منه وفي الشتاء المقبل ستكون الكثير من الدول الأوروبية قادرة على الاستغناء بالكامل عن مصادر الطاقة الروسية، ولذلك تراجعت عائدات النفط والغاز الروسية بنسبة 45 في المائة في شهر يناير الماضي، وتوقّعت خبيرة ألمانية أن يصل عجز الموازنة الروسية إلى خمسة في المائة من الناتج الوطني الإجمالي هذا العام، أي أن روسيا ستضطر للسحب من احتياطياتها المالية التي كانت تُقدّر بمئات مليارات الدولارات قبل هذه الحرب وهذه الاحتياطات هي التي ساعدت الحكومة الروسية على إمتصاص آثار العقوبات وحماية الروبل من الهبوط حتى الآن، ولكنها قابلة للنفاذ إذا تواصل السحب منها. 

أما على المستوى السياسي فقد كان من مظاهر الفشل الروسي بقاء زيلينسكي رئيساً لأوكرانيا بل تحوّل إلى بطل في عيون الشعب الأوكراني والكثير من شعوب العالم خاصةً في دول الغرب، ويمكن ملاحظة ذلك في الحفاوة التي يُستقبل بها في هذه الدول، بينما إهتزت صورة روسيا كدولة عظمى وتراجعت مكانة بوتين وإنطباع القوة الذي كان يتركه عند حلفائه قبل خصومه. 

ورغم كل ذلك فقد توضّحت اليوم مجموعة من الحقائق التي قد لا تناسب طرفي الصراع، أولها أن روسيا غير قادرة على الاستمرار طويلاً في هذا الاستنزاف على المستوى البشري والتسليحي، لأن إنتاجها الحربي لا يستطيع تعويض خسائرها لا من ناحية المعدّات ولا من ناحية الذخيرة لأنها تستهلك ضعف ما تستهلكه أوكرانيا نتيجة الضعف في دقة أسلحتها، ولذلك لجأت إلى إيران وكوريا الشمالية وربما للصين لتأمين بعض حاجتها، ونتيجة هذا الوضع من المُرجّح أن تقتصر خططها خلال الأشهر القادمة على الحفاظ على الأراضي التي استولت عليها في بداية الغزو. 

بينما تستعد أوكرانيا للقيام بهجوم مع فصل الربيع المقبل، واستقدمت في سبيل ذلك ما استطاعت الحصول عليه من دبابات وذخيرة ووسائل دفاع جوي، لأن أوكرانيا تدرك أن نتيجة معركة الربيع هي التي ستحدّد شكل السلام المُقبل لمعرفتها أن اندفاع دول الغرب في إمدادها بالمعدّات والذخيرة بالدرجة المطلوبة قد لا يستمر لفترة طويلة، رغم حماس بعض حلفائها مثل بريطانيا وبولندا ودول البلطيق لمساعدتها ورغم التأكيدات الأمريكية بأنها ستستمر في دعم أوكرانيا مهما تطلّب الأمر، فقد قال الأمين العام لحلف الناتو أن إستهلاك أوكرانيا للذخيرة أعلى بعدّة مرات من معدل الإنتاج الحالي لحلفائها، وعلّقت بلومبرغ على هذا الوضع بالقول إن الحرب الحالية أصبحت معركة مصانع بقدر ما هي معركة جنود. 

ورغم التفوّق الغربي الواضح على روسيا التي تتعرّض لعقوبات واسعة ولكنّ المرجّح أن الحماس لحرب طويلة سيتراجع عند بعض دول الغرب مع الوقت خصوصاً إذا كان هناك فرصة سلام معقولة، وسيتذرّع بعضهم بعدم الرغبة بالدخول في صراع مباشر مع روسيا، في حين سيتذرّع آخرون بعدم الرغبة في حشر بوتين بالزاوية التي قد تدفعه لقرار إنتحاري بإستخدام سلاح دمار شامل كيميائي أو نووي. 

لذلك سيبذل الجيش الأوكراني كل طاقته لاستعادة المناطق التي يعتبرها ذات أهمية إستراتيجية، وفي المقابل سيحاول الروس الاحتفاظ بمناطق بشكل يمكن تسويقه داخل روسيا وكأنه انتصار، مما يطرح السؤال الكبير وهو ما هي السيناريوهات المحتملة لنهاية هذه الحرب؟، فإذا تمكّنت أوكرانيا في هجوم الربيع من إنتزاع المناطق المطلّة على بحر آزوف التي كانت تحت سيطرتها قبل هذه الحرب فقد يصبح بإمكانها الموافقة على وقف إطلاق نار يستمر إلى فترة غير محدّدة دون توقيع إتفاق سلام دائم، ولكن ذلك قد يعني إستمرار العقوبات الغربية على روسيا وهذا من الصعب على الروس القبول به. 

ولذلك سيحاول بعض الوسطاء الدوليين ابتكار حلول ترتبط بنتيجة معركة الربيع، وقد يكون منها إعتبار العودة إلى حدود ما قبل 24 فبراير 2022 أرضية مقبولة للبدء بمحادثات سلام تراعي مخاوف أوكرانيا وروسيا الأمنية، أو تجميد الوضع العسكري على ما هو عليه وتحديد موعد يبعد عدة سنوات لبدء مفاوضات الحل النهائي، أو تكليف الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء في بعض المناطق الشرقية وشبه جزيرة القرم ليحدّد سكان هذه المناطق البلد الذي يريدون أن يكونوا جزءا منه.  

وفي جميع الأحوال عند استعراض الخسائر الكبيرة التي تكبدّتها روسيا مع ما ترتّب على هذه الحرب من تغيرات إستراتيجية على الساحة الدولية مثل إعادة بناء جيوش ألمانيا واليابان وزيادة قوة وتسليح كل الجيوش الغربية وتعزيز التحالف بين دول الغرب واستغناء هذه الدول عن مصادر الطاقة الروسية والإسراع في عملية التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة، يتّضح أن قرار بوتين بغزو أوكرانيا لم يكن متهوراً وغير مدروس فحسب بل كان خطأً إستراتيجيا، بل قد يكون ما يُسمّيه علماء النفس "القرار الأخير" الذي يتّخذه الزعماء المصابين بمُتلازمة الغطرسة والذي قد ينتهي بإنهيار سلطتهم بالكامل