قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء. 

الرئيس الروسي يقلل من تأثيرات العقوبات الغربية على اقتصاد بلاده ـ صورة أرشيفية.
بوتين لم يحظ بالانتصار السريع الذي حلم به

عام كامل مرّ على الغزو الروسي لأوكرانيا وتُعبّر هذه المدة الطويلة بحد ذاتها عن أولى الخيبات التي أُصيب بها بوتين وقادته العسكريين ومعهم أغلبية كبيرة من "الخبراء السياسيين والاستراتيجيين" العرب الذين توقّعوا حرباً خاطفة تنتهي خلال ساعات أو على أبعد تقدير أيام باستسلام أوكرانيا وتنصيب حكومة عميلة للكرملين فيها ورضوخ العالم للأمر الواقع لأنه حسب رأيهم لا يستطيع مواجهة روسيا عسكرياً وغير قادر على الاستغناء عن نفطها وغازها اقتصادياً، ويمكن التأكّد من ذلك بالعودة إلى تغطية المحطات العربية في بداية الحرب ومشاهدة كيف كانت تتحدث بحماس عن حصار الدبابات الروسية لكييف وعن بحث الغرب عن بديل للرئيس زيلينسكي إذا قبض عليه الروس. 

ولم يكن طول مدة الحرب هو الخيبة الوحيدة لبوتين، فقد رافقها تراجع تدريجي في الأهداف الروسية ابتدأ في الشهر الأول بالتخلّي عن إحتلال كييف ونزع سلاح أوكرانيا نتيجة عدم جاهزية الجيش الروسي وتخلّف أسلحته وتواضع مستوى قادته العسكريين، وبعد أسابيع أُخرى تبيّن أن السيطرة على كامل الأقاليم الشرقية ليس بالأمر السهل كذلك، بل شهد النصف الثاني من عام 2022 سلسلة من الهزائم والتراجعات الروسية في شرق أوكرانيا وجنوبه. 

إلى أن أتى فصل الشتاء فتوقفت العمليات العسكرية الكُبرى باستثناء جبهة بلدة باخموت التي تركّز فيها جهد مرتزقة فاغنر بهدف تحقيق انتصار معنوي يعيد بعض الاعتبار للجيش الروسي، وبعد عشرات المحاولات اقتصر التقدّم الروسي على إحتلال قرية سوليدار المجاورة لباخموت وبثمن باهظ، حيث قال البيت الأبيض قبل أيام أن خسائر شركة فاغنر وصلت إلى ثلاثين ألف قتيل من إجمالي مقاتليها البالغ خمسين ألفاً. 

وهذا يُعطي فكرة عن حجم الخسائر التي تكبّدها الجيش الروسي في هذه الحرب، فقد قالت مسؤولة شؤون أوروبا والشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأمريكية "أن روسيا فقدت على الأرجح نصف مخزوناتها من الدبابات القتالية إما بتدميرها أو باستيلاء أوكرانيا عليها"، وفي نفس الوقت قالت صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن مصادر أمريكية وأوروبية أن خسائر روسيا البشرية وصلت إلى 200 ألف عسكري بين قتيل وجريح وهو رقم قريب من تقديرات وزير الدفاع النرويجي، ويقابل التقديرات الغربية تعتيم كامل من روسيا على حجم خسائرها نتيجة صدور قوانين تحظر نشر أي معلومات أو بيانات عن وفيّات العسكريين أو أسماء القتلى. 

ولم تكن خسائر روسيا الاقتصادية أقل من خسائرها العسكرية، فقد شارف فصل الشتاء على نهايته دون أن ترضخ أوروبا لروسيا نتيجة حاجتها للغاز والنفط الروسي لتدفئة شعوبها، بل نجحت بالاستغناء عن جزء كبير منه وفي الشتاء المقبل ستكون الكثير من الدول الأوروبية قادرة على الاستغناء بالكامل عن مصادر الطاقة الروسية، ولذلك تراجعت عائدات النفط والغاز الروسية بنسبة 45 في المائة في شهر يناير الماضي، وتوقّعت خبيرة ألمانية أن يصل عجز الموازنة الروسية إلى خمسة في المائة من الناتج الوطني الإجمالي هذا العام، أي أن روسيا ستضطر للسحب من احتياطياتها المالية التي كانت تُقدّر بمئات مليارات الدولارات قبل هذه الحرب وهذه الاحتياطات هي التي ساعدت الحكومة الروسية على إمتصاص آثار العقوبات وحماية الروبل من الهبوط حتى الآن، ولكنها قابلة للنفاذ إذا تواصل السحب منها. 

أما على المستوى السياسي فقد كان من مظاهر الفشل الروسي بقاء زيلينسكي رئيساً لأوكرانيا بل تحوّل إلى بطل في عيون الشعب الأوكراني والكثير من شعوب العالم خاصةً في دول الغرب، ويمكن ملاحظة ذلك في الحفاوة التي يُستقبل بها في هذه الدول، بينما إهتزت صورة روسيا كدولة عظمى وتراجعت مكانة بوتين وإنطباع القوة الذي كان يتركه عند حلفائه قبل خصومه. 

ورغم كل ذلك فقد توضّحت اليوم مجموعة من الحقائق التي قد لا تناسب طرفي الصراع، أولها أن روسيا غير قادرة على الاستمرار طويلاً في هذا الاستنزاف على المستوى البشري والتسليحي، لأن إنتاجها الحربي لا يستطيع تعويض خسائرها لا من ناحية المعدّات ولا من ناحية الذخيرة لأنها تستهلك ضعف ما تستهلكه أوكرانيا نتيجة الضعف في دقة أسلحتها، ولذلك لجأت إلى إيران وكوريا الشمالية وربما للصين لتأمين بعض حاجتها، ونتيجة هذا الوضع من المُرجّح أن تقتصر خططها خلال الأشهر القادمة على الحفاظ على الأراضي التي استولت عليها في بداية الغزو. 

بينما تستعد أوكرانيا للقيام بهجوم مع فصل الربيع المقبل، واستقدمت في سبيل ذلك ما استطاعت الحصول عليه من دبابات وذخيرة ووسائل دفاع جوي، لأن أوكرانيا تدرك أن نتيجة معركة الربيع هي التي ستحدّد شكل السلام المُقبل لمعرفتها أن اندفاع دول الغرب في إمدادها بالمعدّات والذخيرة بالدرجة المطلوبة قد لا يستمر لفترة طويلة، رغم حماس بعض حلفائها مثل بريطانيا وبولندا ودول البلطيق لمساعدتها ورغم التأكيدات الأمريكية بأنها ستستمر في دعم أوكرانيا مهما تطلّب الأمر، فقد قال الأمين العام لحلف الناتو أن إستهلاك أوكرانيا للذخيرة أعلى بعدّة مرات من معدل الإنتاج الحالي لحلفائها، وعلّقت بلومبرغ على هذا الوضع بالقول إن الحرب الحالية أصبحت معركة مصانع بقدر ما هي معركة جنود. 

ورغم التفوّق الغربي الواضح على روسيا التي تتعرّض لعقوبات واسعة ولكنّ المرجّح أن الحماس لحرب طويلة سيتراجع عند بعض دول الغرب مع الوقت خصوصاً إذا كان هناك فرصة سلام معقولة، وسيتذرّع بعضهم بعدم الرغبة بالدخول في صراع مباشر مع روسيا، في حين سيتذرّع آخرون بعدم الرغبة في حشر بوتين بالزاوية التي قد تدفعه لقرار إنتحاري بإستخدام سلاح دمار شامل كيميائي أو نووي. 

لذلك سيبذل الجيش الأوكراني كل طاقته لاستعادة المناطق التي يعتبرها ذات أهمية إستراتيجية، وفي المقابل سيحاول الروس الاحتفاظ بمناطق بشكل يمكن تسويقه داخل روسيا وكأنه انتصار، مما يطرح السؤال الكبير وهو ما هي السيناريوهات المحتملة لنهاية هذه الحرب؟، فإذا تمكّنت أوكرانيا في هجوم الربيع من إنتزاع المناطق المطلّة على بحر آزوف التي كانت تحت سيطرتها قبل هذه الحرب فقد يصبح بإمكانها الموافقة على وقف إطلاق نار يستمر إلى فترة غير محدّدة دون توقيع إتفاق سلام دائم، ولكن ذلك قد يعني إستمرار العقوبات الغربية على روسيا وهذا من الصعب على الروس القبول به. 

ولذلك سيحاول بعض الوسطاء الدوليين ابتكار حلول ترتبط بنتيجة معركة الربيع، وقد يكون منها إعتبار العودة إلى حدود ما قبل 24 فبراير 2022 أرضية مقبولة للبدء بمحادثات سلام تراعي مخاوف أوكرانيا وروسيا الأمنية، أو تجميد الوضع العسكري على ما هو عليه وتحديد موعد يبعد عدة سنوات لبدء مفاوضات الحل النهائي، أو تكليف الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء في بعض المناطق الشرقية وشبه جزيرة القرم ليحدّد سكان هذه المناطق البلد الذي يريدون أن يكونوا جزءا منه.  

وفي جميع الأحوال عند استعراض الخسائر الكبيرة التي تكبدّتها روسيا مع ما ترتّب على هذه الحرب من تغيرات إستراتيجية على الساحة الدولية مثل إعادة بناء جيوش ألمانيا واليابان وزيادة قوة وتسليح كل الجيوش الغربية وتعزيز التحالف بين دول الغرب واستغناء هذه الدول عن مصادر الطاقة الروسية والإسراع في عملية التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة، يتّضح أن قرار بوتين بغزو أوكرانيا لم يكن متهوراً وغير مدروس فحسب بل كان خطأً إستراتيجيا، بل قد يكون ما يُسمّيه علماء النفس "القرار الأخير" الذي يتّخذه الزعماء المصابين بمُتلازمة الغطرسة والذي قد ينتهي بإنهيار سلطتهم بالكامل