بعد مرور قرابة عقد كامل على اندلاع "الربيع العربي"، لا تبدو ظروف دول ومجتمعات منطقتنا أفضل حالا مما كانت عليه لحظة حدوث ذلك، بالذات فيما يخص قدرة هذه التجارب على نيل مستوى معقول من الحريات السياسية والمدنية والشخصية، وبناء أنظمة مدنية ديمقراطية، قائمة على منجزات الحداثة.
طوال هذه الفترة، استخدم الخبراء واستنزف المؤرخون جميع أدوات "المعرفة المقارنة"، في محاولات تراجيدية لوعي هذه التعثر الخاص الذي يصيبنا، في تجاربنا ومعاركنا لنيل الحُرية. فمختلف تجارب التحديث والدمقراطة التي حدثت في الدول الأخرى، خصوصا عقب سقوط الاتحاد السوفياتي، من شرق أوروبا إلى تجارب أميركا الجنوبية، مرورا بالمنجزات الباهرة في شرق آسيا وبعض المناطق الأفريقية، كانت بمجموعها تجارب أكثر يُسرا، حققت نجاحات موفقة فيما كانت تصبوا إليه، بما لا يُقارن بالتعثر الذي تعيشه منطقتنا. حدث ذلك، بالرغم من التشابه، وحتى التطابق، بين الغالب الأعم من العوامل الأولية المشتركة بينها وبين حالاتنا.
لطم هذا العقد المرير وجوه المتطلعين بأربعة نماذج "باهرة" للفشل في تحقيق شيء ما من ذلك التطلع. ففي تركيا لم تنجح تجربة حزب العدالة والتنمية في تحقيق الوعد الوردي، في الجمع بين الحداثة الديمقراطية مع قيم الحريات العامة، ومزجها بالتنمية الاقتصادية والأصالة الثقافية للإسلام الشعبي المدني. إذ بعد عقد كامل، صارت تركيا أسيرة أسوء نفق للشمولية، التي تجمع القومية الفاشية بالإسلام الإمبراطوري، مع استسهال دائم لاستخدام العنف خارج القانون، في الداخل والخارج.
في إيران، التي كانت سباقة في التبشير بالتحول الجوهري الممكن، عبر ثورتها الخضراء الموؤدة، حطم نظامها الثيوقراطي كل رابط له مع الشرعية الداخلية، وصار يتصرف كغول إقليمي، غير مبالٍ، لا بأوجاع شعبه، ولا بأشكال التمزيق التي ينشرها في مختلف الدول الإقليمية.
على جنبات تلك التجربتين، عاشت الدول العربية مأساة مريعة، بعدما انقسمت محاولاتها إلى واحد من مصيرين بائسين: أما حروب أهلية لا تنتهي، ولن تبقي شيئا. أو أنظمة عسكرية أعادت الحياة لصرح الشمولية.
♦♦♦
يدفع هذا الفشل العميم لإعادة التذكير والتفكير بالأسباب والديناميكيات الموضوعية الأكثر تجذرا وعمقا، تلك التي أحبطت، وما تزال، كل محاولات التحديث والدمقرطة وتحقيق عتبة الحرية!
السؤال عن الأسس الفاعلة والمؤثرة والمُنتجة للتعثر كل مرة، منذ أيام السلطان العثماني عبد الحميد، الذي أسس أول عتبة للدولة الحديثة، عبر إعلان الدستور وتشكيل البرلمان العثماني، في سبعينيات القرن التاسع عشر، وحيث لم تصمد "حداثته" تلك إلا شهورا قليلة، قبل أن يُطاح به، وتتحول معه منطقتنا إلى حلبة غير عادلة تماما، بين مطالبات الحرية والدمقرطة، والبنى الصلبة التي تحول دون تحقيق ذلك.
مثل أحوال نظرائهم راهنا، كان مبشرو التحديث/الحرية وقتئذ، يفتقرون إلى أية مؤازرة من تراثهم الذاتي، الذي كان خاليا من أية تجربة من مثل تلك، يُستطاع تحوليها إلى أمثولة وقدوة. شيء مناقض لاستناد المفكرين والمبشرين والإصلاحيين الأوروبيين إلى التراثين الإغريقي والروماني.
في إيران، التي كانت سباقة في التبشير بالتحول الجوهري الممكن، عبر ثورتها الخضراء الموؤدة، حطم نظامها الثيوقراطي كل رابط له مع الشرعية الداخلية، وصار يتصرف كغول إقليمي
اجترحت التجارب الأوربية التاريخية مفاهيم أولية لفكرة الانتخاب ومجلس الشيوخ وشرعية مناقشة ورفض الحاكم، وإن كانت جنينية وبسيطة في حالاتها التاريخية، لكنها كانت موجود، وواحدة من أسس تشكيل المنطق السياسي في تجارب تلك المجتمعات.
ليس ثمة أي شيء من ذلك، في كامل التراث السياسي لمنطقتنا، حتى في أكثر حقبها الزمانية انفتاحا و"حضارة". في زمن هارون الرشيد ونجليه مثلا، حيث كانت الروح الإمبراطورية في منطقتنا في أبها عقودها، استحوذ الشعراء والمتكلمون والفقهاء على سلطة وفيرة من حرية الكلام والتعبير، وفي كامل الموضوعات التي كانت من المقدسات قبل ذلك، بما في ذلك تناول العقائد والشرائع الدينية واختلافات المذاهب، لكن لم يتجرأ أي منهم قط على مناقشة موقع وشرعية وحق الحاكم المطلق في السلطة، الذي بقي على الدوام الملك العضوض وسلطان الغلبة، تأتي سلطته من قوته وجبروته، وليس من أي شيء آخر.
ذلك العوز في التراث، كان يدفع المتطلعين للحرية إلى تشييد أواصر روحية وثقافية وخطابية وعملانية مع التجارب المتحققة، والتي كانت على الدوام، ولغير صدفة، هي تجارب الدول الأوربية والغربية، التي كانت بدورها في صراع سياسي شبه مفتوح مع كياناتنا، وإلى حد بعيد مع مجتمعاتنا.
كانت تلك الاستراتيجية تدفع مسألة الحرية والدمقرطة دوما إلى اختناقين متراكبين. فقد كانت تتحول ببساطة من كونها تطورا وتحولا داخليا طبيعيا، متآلفا مع حركة التاريخ، إلى مسألة خارجية، مرتبطة بقضايا الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والتدخلات الأجنبية، وبالتالي تهميش وتحطيم كل الرؤى والتطلعات النبيلة، لصالح أوحال الصراعات الكبرى ولعبة الأمم، التي لا يمكن تجاوزها قط.
كانت تلك الآلية بالضبط، هي التي تُنهض "الروح الإمبراطورية" في الغالب الأعم من الطبقات الاجتماعية والسياسية السلطوية في منطقتنا. تلك الطبقات التي كانت تستند إلى ترسانة محكمة من الأحاجي والمُثل والأحكام المسبقة التي تدافع عن أولوية الكيانات و"مناهضة الغريب" والصراعات الكبرى على ما عداها، وبالتالي تهميش المجتمعات وحقوقها وإمكانية تطورها، عبر نيل الحرية.
لسوء حظ بالغ، كانت إمبراطوريات منطقتنا هي الوحيدة التي اقتحمت يوما ما "عالم الغرب"، وصارت تراكم في ذاتها شعورا جمعيا بغرور لا متناهي، ذلك الغرور الذي أسس لمخيلتها العامة حول نفسها وعلاقتها مع العالم، حتى أنها صارت تعرف نفسها وهويتها بالتضاد المطلق مع الغرب، وكل منتجاته. وبذا صارت تعتبر الغرب، وكل منتجاته، عدوا وشرا مطلقا، بما في ذلك منتجاته من الحداثة والديمقراطية وتحقيق الحرية، وهو شيء كان دوما على حساب مسألة الحرية.
لم تحدث هذه المناظرة والمماحكة الرهيبة في تجارب الدول والمجتمعات الأخرى، حيث كانت "مواجهة الغرب" ومنتجاته أكثر حيادية ورأفة بمطالبي الحرية، لذا كان تلقف وتحقيق الحرية أكثر يُسرا.
♦♦♦
طوال ذلك الطريق أيضا، كان الدين عاملا حيويا للكبح، خصوصا الدين الإسلامي، والمسيحية الأرثوذكسية بدرجة أقل. ليس الدين بكونه عقيدة أو عبادات أو شعائر، بل الدين بما هو مجموعة مهولة من المواقع والمؤسسات والمصالح وطبقات الهيمنة وسلطة رجاله المحافظين. إذ كان هذا "الدين" في منطقتنا يرى ويقرأ كل أشكال التحديث، وتحديدا أفكار الحريات السياسية والاجتماعية والجسدية، كعدو متطلع لتحطيم مكانة وسلطة الدين، عبر شغل موقعها.
لأسباب معقدة، متعلقة بأن هذه المنطقة كانت المكان الذي انبعثت منه مجمل الأديان السماوية، وضمن ذاكرته الاجتماعية تراكمت أشكال صراعات الأديان والمذاهب، بما لا يقارن بمناطق أخرى من العالم، ولأن كل الكيانات والإمبراطوريات والدول تأسست في هذه المنطقة كانت على أساس وبشرعية دينية، لأجل كل ذلك، فإن الدين بالنسبة لغالبية سكانه لم يكن مجرد طاقة روحية أو عقدية ميتافيزيقية، بل كان في أعمق صوره تعريفا وهوية للذات ولشكل العلاقة مع العالم، فرديا وجمعيا.
لأنه كان كذلك، فإن الدين في منطقتنا لعب أدوارا مضاعفة لما لعبه في الأماكن والتجارب الأخرى من العالم. سواء من خلال تحريم ورفض أي طرح تحديثي، خصوصا في مسألة الحرية، باعتبارها "منافية للدين"، أو من خلال شرذمة وتحطيم أي إجماع عمومي، عبر خلق وتسعير النزعات الطائفية والدينية.
الدين عاملا حيويا للكبح، خصوصا الدين الإسلامي، والمسيحية الأرثوذكسية بدرجة أقل
يمكن لأي باحث أن يجد كما هائلا من الفتاوي والقرارات والتوجهات التي سارت عليها المؤسسات والنُخب والقوى الدينية في منطقتنا، حيث كانت سورا مانعا أمام أي تغيير. ليس في القضايا الجوهرية والعمومية فحسب، بل حتى في أكثرها تفصيلا وبساطة. يمكن أن يجد كيف أن السلاطين العثمانيين التحديثيين أمضوا شهورا لإقناع رجال الدين بشرعية تغيير "حطة الرأس" التقليدية ليحل الطربوش مكانها، أو معاقبة رجال الإدارة العليا لأنهم فقط حلقوا لحاهم، أو بقبول المطبعة أو حتى المدارس والكليات التعليمية المدنية. وهي ممانعة لم تشهدها المجتمعات الأخرى، لا في تاريخها أو حاضرها.
فوق كل ذلك، فإن تنظيمات "الدين السياسي"، نموذج جماعة الإخوان المسلمين مثلا، كانت أكبر مُعكر لمعركة الحرية طوال هذه العقود الطويلة، لأنها كانت تقاتل بشراسة لأن تكون الحرية محتكرة في مفهوم ساذج هو "حرية حُكم الأغلبية الدينية والمذهبية"، خارج أية ضوابط أو التزامات بالشروط العامة للحرية، ولأنها كانت تجاهد لتحطيم مضامين الحريات الثقافية والمدنية والمجتمعية، التي تأتي عادة رديفة ومتوجة للحريات السياسية. أو حتى من خلال منح السلطات العسكرية الكثير من شرعية الهيمنة العامة، من خلال تخويف الكثير من الطبقات الوسطى والمدينية والأقليات الدينية والمذهبية من فظاعات الدين السياسي.
لم تشهد أي من دول ومجتمعات "الحداثة المتأخرة" في مختلف بقاع العالم هذا النموذج من التعكير المطلق، الذي مارسته قوى الدين السياسي في منطقتنا، وما تزال.
♦♦♦
أخيرا، فإن منطقتنا كانت حالة استثنائية في الجمع الدائم بين غياب الحريات و"الفوات التاريخي".
فتجارب الدولة والمجتمعات الأخرى، والتي كانت مثلنا حتى قبل عقود قليلة، تعيش دون عتبة معقولة من الحريات المجتمعية والسياسية، كانت زاخرة بمنجزات أخرى يمكن الاعتماد عليها. شهدت الكثير من تلك الدول أشكالا من النهضة الاقتصادية، وتعميق فيها الصناعات وآليات الإنتاج، مثل دول شرق آسيا.
وفي أمثلة أخرى كان التعليم وحركة العمران وتشييد البنية التحتية قد ترسخ تماما، بالذات في تجارب دول الاتحاد السوفياتي السابق. وفي أخرى كانت مؤسسات الدولة وبنيتها البيروقراطية قد تعززت وتحدثت، كما في بلدان شرق أوروبا. وفي بعض دول أميركا اللاتينية كانت حركة التمدين والطبقات الوسطى القوية والعلاقة المتداخلة مع أوروبا والولايات المتحدة قد تفعلت تماما.
كانت كل تلك العوامل ديناميكيات لتسهيل استحصال الحريات فيما بعد، لأنها المصادر الأولية لتشكيل الكتلة التاريخية الطبيعية في ذلك المسعى. أما في منطقتنا، لم يحصل شيء من ذلك قط. فعوز الحريات كان مترافقا من أشكال رهيبة لتفسخ وتفكك كل أشكال الفاعلية والإنتاج والتقدم الأخرى في الحياة.
