President Donald Trump addresses a crowd at a campaign event at the Arnold Palmer Regional Airport, Thursday, Sept. 3, 2020, in…
يصعب التكهن باسم الفائز في ليل الثالث من نوفمبر خصوصا أن النتائج، وبسبب التصويت البريدي، قد تستغرق أياما

السباق الرئاسي الأميركي دخل فعليا شوطه الأخير مع بدء التصويت البريدي في ولاية كارولينا الشمالية اليوم في الرابع من سبتمبر، والاستعداد للمناظرات خلال ثلاثة أسابيع بين مرشحين متناقضين شكلا إنما غير مختلفين كثيرا في ملفات الشرق الأوسط، أي الرئيس دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جوزيف بايدن.

في خضم التظاهرات والوباء والانقسام العنصري والتراشق مع الشرطة تختلف هذه الانتخابات الأميركية عن غيرها كونها لا تدور حصرا في فلك الفضائح الشخصية أو الخلفية السياسية للمرشحين. فما تعيشه الولايات المتحدة من تحولات اجتماعية وداخلية وفجوة تتزايد بين اليمين واليسار، يجعل هذه الانتخابات وما قد يأتي بعدها من المراحل الأكثر حساسية في تاريخ البلاد الحديث.

فترامب اليوم يمثل الشعبوية اليمينية التي نجحت في 2016 في استخدام شعارات ضد العولمة وضد الهجرة غير الشرعية واستقبال اللاجئين، للوصول للحكم فيما تواجه اليوم امتحانا صعبا مع فشل هذه السياسات من حل أزمات أميركا الأصعب والتصالح مع الماضي العنصري، ووقف الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 180 ألف شخصا حتى تاريخه.

عناوين السياسة الخارجية لا تهم الناخب الأميركي أمام الشرخ العنصري ووباء كورونا

أما بايدن فهو يبني صعوده الانتخابي على تحولات جذرية في الحزب الديمقراطي ومحاولة استيعاب اليسار وتبني خطط الضمان الصحي والرقابة المصرفية في مستويات رفضتها هيلاري كلينتون في 2016 وساهمت في خسارتها يومها مع تصويت ما يعادل 12 في المئة من أنصار بيرني ساندرز لترامب بحسب دراسات الكونغرس.

أين يقف السباق اليوم ومن الأقرب للفوز؟

الاستطلاعات الأخيرة بعد المؤتمرين الديمقراطي والجمهوري في أغسطس تعكس سباقا أكثر سخونة بين ترامب وبايدن. فرغم تقدم بايدن في الاستطلاعات على المستوى الوطني بمعدل سبع نقاط، فالسباق يقترب من كسر العظم في الولايات الحاسمة مثل بنسلفانيا وفلوريدا وكارولينا الشمالية والتي يتسابق إليها المرشحين.

ما يلعب لصالح ترامب هو كونه رئيس يخوض انتخابات الولاية الثانية. في هذا التصنيف هناك فقط خمس رؤساء في تاريخ البلاد خسروا الولاية الثانية آخرهم جورج بوش الأب في 1991 أمام بيل كلينتون. فالرئيس يستفيد من قدرات على صنع الأجندة الإعلامية، وتحريك مسار السياسة الخارجية بشكل يساعد حظوظه. في هذا السياق سيسعى ترامب إلى جمع الجانبين الإسرائيلي والإماراتي في البيت الأبيض في سبتمبر لقمة سلام، وهو أوصى وزير خارجيته مايك بومبيو بالعمل على إخراج المزيد من الرهائن من طهران عبر الجانب السويسري الذي يزور إيران السبت.

المفارقة اليوم أن عناوين السياسة الخارجية لا تهم الناخب الأميركي أمام الشرخ العنصري ووباء كورونا. لذلك تستعجل إدارة ترامب إيجاد لقاح لكورونا، وهي بحسب "نيويورك تايمز" أوفدت برقية لحكام الولايات للاستعداد لتوزيع لقاح في الأول من نوفمبر أي قبل يومين من الانتخابات. ترامب سيسعى أيضا لتحفيز الاقتصاد وتسريع النمو مع وصول نسب البطالة إلى 8.4 في المئة.

بغض النظر عمن سيحسم السباق سواء ترامب أم بايدن فأميركا وتخبطاتها الاجتماعية والاقتصادية مرجحة بالاستمرار والمتغيرات الأكبر ستكون في الساحة الداخلية وليس الشرق أوسطية

في المقابل، هناك مؤشرات مقلقة للجمهوريين أولها فيروس كورونا وتداعياته الاقتصادية وثانيا شعبية ترامب التي تعادل 43 في المئة اليوم أي أقل بخمسة في المئة عن المستوى التقليدي لإعادة الانتخاب. وهناك أيضا التحالف الذي رصه بايدن والذي يذكر بحملتي باراك أوباما في انتخابات 2008 و2012 أي البيض من حملة الشهادة الجامعية والنساء والأقليات. ومع اختيار كاميلا هاريس كنائبة له، يعول بايدن على نسب إقبال كبيرة في أوساط السود خصوصا في ولايات الجنوب مثل فلوريدا وجورجيا وكارولينا الشمالية التي خسرتها كلينتون. بايدن يستفيد أيضا من ورقة محورية بأنه ليس ترامب وهو يبني عليها لاستقطاب دعم جمهوري من داعمين للسناتور الراحل جون ماكين أو مقربين من عائلة بوش تصادموا مع الرئيس.

الملفت أنه في حال فاز ترامب أم بايدن فالشخصيتان تلتقيان اليوم في الشرق الأوسط حول تثبيت تفوق إسرائيل وحمايتها، وتفادي المواجهة العسكرية مع إيران والتفاوض حول اتفاق آخر، وإبقاء وطأة قدم في العراق وسوريا. وهما يختلفان حول السياسة حيال تركيا حيث بايدن أكثر دعما للأكراد، وحول التعاطي مع زعماء المنطقة حيث ترامب أقرب لهؤلاء.

يصعب التكهن باسم الفائز في ليل الثالث من نوفمبر خصوصا أن النتائج، وبسبب التصويت البريدي، قد تستغرق أياما، إنما وبغض النظر عمن سيحسم السباق سواء ترامب أم بايدن فأميركا وتخبطاتها الاجتماعية والاقتصادية مرجحة بالاستمرار والمتغيرات الأكبر ستكون في الساحة الداخلية وليس الشرق أوسطية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.