A youth, wearing a protective mask, walks past a mural reading "We are tired" in the Lebanese northern city of Tripoli on April…
سوف نرى لبنانيين شرفاء، يحترمون القانون، وكانوا يكسبون عيشهم بكرامة، ينامون للمرة الأولى في حياتهم على معدة خاوية

"عجبت لمن يدخل بيته ولا يجد فيه قوتا كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه" ـ قول منسوب إلى أبو ذر الغفاري.

الغضب الساطع آت. سيأتي هذه المرة على جياد الجوع والفقر والقهر. شابات وشباب لبنان الذين انتفضوا في الخريف وحوّلوا سماواته الداكنة إلى ومضة أمل، أو كما يقال في وصف الثورات المفاجئة "لحظة حماسية"، لم يدركوا آنذاك أنهم مقبلون على شتاء أسود، زادت من قتامته وقسوته جائحة كورونا. 

للمرة الأولى منذ قرن، يقف حوالي نصف الشعب اللبناني على حافة الجوع. هذا ما تؤكده الإحصائيات الباردة: 48 بالمئة من اللبنانيين يعيشون تحت حافة الفقر. لا نستطيع أن نقول إن التاريخ يعيد نفسه. ولكن الأوضاع المأساوية التي تعصف بلبنان والمشرق اليوم تشبه في بعض تجلياتها التجارب المرّة التي عاشها جبل لبنان ومناطق أخرى في شرق المتوسط خلال الحرب العالمية الأولى، بسبب الحصار الذي فرضه الحلفاء على مرفأ بيروت وقرار جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع منع وصول إمدادات القمح من سوريا إلى لبنان، وموجة الجراد التي اجتاحت المنطقة. هذه الكوارث أدت إلى وفاة أكثر من مئتي ألف نسمة، وبقيت تردداتها تعيث الخراب في مختلف أوجه الحياة في لبنان لعقود لاحقة.

حتى قبل جائحة كورونا كانت أخبار لبنان والمنطقة مخيبة ومحبطة. أنظمة وتقاليد قمعية وانغلاقية، ثقافة فساد سيطرت على جميع الأنشطة الاقتصادية والمالية والإدارية تمت شرعنتها خلال عقود طويلة من الممارسات وأصبحت جزءا عضويا من "تقاليد" هذه المجتمعات. اضطرابات سياسية، وانتفاضات شعبية، بدأت سلمية، سرعان ما تمت عسكرتها على أيدي الأنظمة الأوتوقراطية، وحركات إسلامية ظلامية تلتقي مع الأنظمة الفاسدة في عدائها لأي تمكين حقيقي لشعوب المنطقة. 

في العقد الثاني من القرن العشرين، كانت مناطق واسعة في لبنان والمشرق أرضا يبابا تعيش في خوف من المجهول السياسي والاقتصادي. في نهاية العقد الثاني وبداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين كانت ـ ولا تزال ـ مناطق واسعة في المشرق أرضا يبابا، بالمعنيين الرمزي والحقيقي للعبارة، بعد سنوات عجاف من الحروب والنزاعات الأهلية والقتل الجماعي والترهيب والاقتلاع القسري والتهجير في سوريا والعراق، وغيرها من المجتمعات، بما فيها لبنان، التي لا تزال تعيش في خوف من المجهول السياسي والاقتصادي. 

جائحة كورونا، كلفت السعودية عائدات الحج الهامة، بعد أن اضطرت إلى إلغاء موسم الحج، وهو إجراء جذري اتخذ آخر مرة في سنة 1798 حين غزا نابليون بونابرت مصر

هذه المجتمعات كانت "منكوبة" وعلى حافة وضعها في العناية الطبية الفائقة، قبل جائحة كورونا. اقتصاد لبنان، (وهذا يمكن أن يقال عن اقتصادي سوريا والعراق) ليس في حالة ركود أو حتى كساد يمكن للمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو أي مجموعة دول مانحة أن تعالجه، لأن هذه الاقتصاديات هي عمليا في حالة موت سريري.

مأزق لبنان الراهن سوف يزداد تفاقما لأنه يعيش وسط منطقة مضطربة بأكملها، بسبب تزامن جائحة كورونا، مع الانهيار التاريخي لأسعار النفط في العالم، وهو انهيار كان سابقا للجائحة، التي سرّعت من وتيرته. دول الخليج المصدرة للنفط سوف تعتمد على صناديق السيادة التي استثمرت بها منذ عقود، ولكن جميع ميزانياتها سوف تعاني من عجز كبير هذه السنة وفي السنة المالية القادمة وخاصة السعودية، التي أقرت ميزانيتها للسنة الحالية بناء على بقاء سعر برميل النفط حوالي 80 دولار.

جائحة كورونا، كلفت السعودية عائدات الحج الهامة، بعد أن اضطرت إلى إلغاء موسم الحج، وهو إجراء جذري اتخذ آخر مرة في سنة 1798 حين غزا نابليون بونابرت مصر.

لم يكن من المستغرب أن تعترف الحكومة اللبنانية حين قدمت في الشهر الماضي لصندوق النقد الدولي خطتها الإصلاحية، لإقناع الصندوق أنها جادة بالإصلاح نظرا للشكوك المزمنة والموثقة بالتزامات ووعود الحكومات السابقة، أن "الاقتصاد اللبناني في حالة انهيار غير مضبوط". 

في السنوات القليلة الماضية وصلت قيمة الدين العام إلى حوالي 179 بالمئة من مجموع الناتج الوطني، ما أدى إلى انكماش الاقتصاد في السنة الماضية بنسبة 6.9 بالمئة من مجموع الناتج الوطني، ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد في السنة الحالية إلى 13.8 بالمئة، بحسب خطة الحكومة اللبنانية التي قدمت لصندوق النقد الدولي

وفي السنة الماضية اكتشف اللبنانيون أن ربط الليرة بالدولار، والذي جلب معه معدلات فوائد غير واقعية وتضليلية كان أكبر كذبة جماعية عاشها لبنان في العقود الماضية، لأن المصارف لم تعد قادرة على دفع هذه المعدلات الاصطناعية من الفوائد بعد انحسار الإيداعات بالعملات الصعبة، ما أدى إلى تبخر السيولة بالدولار. 

الاقتصاد اللبناني الذي لا يصنع محليا أي شيء ذو قيمة تصديرية يمكن أن تجلب له العملة الصعبة وضع نفسه رهينة للمستثمرين وغيرهم من اللبنانيين في المهجر الذين كانوا يودعون دولاراتهم في المصارف اللبنانية لقاء فوائد عالية، والتي كان يستخدمها المصرف المركزي لتمويل احتياجات لبنان الضرورية من السوق العالمي. 

اللبنانيون كانوا دائما يفتخرون "بسرية المصارف"، ولكن هذه العبارة اكتسبت معنى جديدا، لأن هناك سرية شبه كاملة تحيط بعمل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الموجود في منصبه منذ 1993. "شطارة" رياض سلامة أدت إلى توفير قروض لدولة مفلسة عمليا وصلت إلى 70 بالمئة من عائدات المصارف اللبنانية، حيث تقدر خسائر هذه المصارف بأكثر من 83 مليار دولار، إضافة إلى خسائر المصرف المركزي التي قدرت قيمتها بـ 44 مليار دولار، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز.

هذه الفهلوية المالية الإجرامية على المستوى الرسمي أدت إلى الممارسات والسياسيات المصرفية التعسفية التي فرضت على اللبنانيين في الأشهر الماضية. طبعا القطاع المصرفي بحاجة إلى إصلاح جذري، ولكن ما تفعله الحكومة اللبنانية الآن، تحت عنوان إرغام المصارف على إعادة هيكلة نفسها ورأسمالها، لجذب استثمارات جديدة، هو حرمان المودعين اللبنانيين من حقهم بسحب إيداعاتهم، بالعملة الأصلية التي أودعوها في المصارف. 

هذه العوامل، تجعل الأمل بحدوث تغيير سياسي سلمي في لبنان في المستقبل المنظور أمرا بعيد المنال. وهذا يؤدي بنا إلى الغضب الساطع

القرار الاعتباطي بتحويل الإيداعات بالدولار إلى الليرة بعد أن تم نحرها بالنصف وبعد أن فقدت حوالي 60 بالمئة من قيمتها خلال ثلاثة أشهر، هو بمثابة ابتزاز رسمي وعلني تقوم به الطبقة المالية ـ السياسية الحاكمة، والمفترسة بامتياز للشعب اللبناني. 

هذه دولة مارقة "تحلق" أموال وحقوق كل لبناني لديه مدخرات بسيطة في مصرف محلي. ما نراه اليوم في لبنان، هو الموت البطيء لما تبقى من الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي كانت تاريخيا غنية بطاقاتها ومهاراتها والتي ميزت لبنان منذ الحرب العالمية الثانية. حتى الواحة الأميركية التي يعرفها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر باسم الجامعة الأميركية في بيروت والتي علمت أجيالا من الطلاب والطالبات من لبنان ومحيطه القريب وحتى البعيد، تواجه اليوم، كما قال رئيسها "ربما أكبر أزمة منذ تأسيسها في 1866".

سوف يكون من الصعب على لبنان أن يحصل على المساعدات التي طلبها من صندوق النقد الدولي والبالغة 10 مليارات دولار. العلاج الذي يوفره الصندوق عادة يأتي بعد إصلاحات جدية وموجعة من الدولة الطالبة للمساعدات. الحكومات السابقة كانت تعد بالإصلاح ولكنها لم تقم به. وليس من المتوقع من حكومة عراّبها ائتلاف فاسد ومارق مؤلف من ميليشيا تعتبر جزءا عضويا من المنظومة العسكرية الإيرانية وتسمي نفسها "حزب الله"، ومن تيار سياسي مضطرب أسسه جنرال دونكيشوتي فاشل ومسنّ اسمه ميشال عون، أصبح رئيسا للبلاد، على الرغم من أن العديد من اللبنانيين يشكّون بقدراته الذهنية، أن تنفذ أي إصلاحات بنيوية وجدية تحظى بمباركة صندوق النقد الدولي.

في السابق كان لبنان خلال أزماته المالية يعتمد جزئيا على المساعدات من دول الخليج العربية وتحديدا السعودية، إضافة إلى الولايات المتحدة. ولكن السعودية في حقبة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والولايات المتحدة في حقبة الرئيس دونالد ترامب، ينظران إلى لبنان اليوم على أنه دولة ضعيفة فقدت الكثير من أهميتها الإقليمية وتدور في فلك إيران ويتحكم بحاضرها ومستقبلها القريب "حزب الله". 

في الماضي، كان هناك احتياط من النوايا الحسنة تجاه لبنان في الكونغرس والأجهزة البيروقراطية الأميركية وفي المجتمع المدني ككل. هذا الاحتياط تبخر إلى حد كبير حتى قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

الغضب الذي شهدته شوارع بيروت وطرابلس، ودفع بالعديد من اللبنانيين لأن يخرجوا من جحرهم الصحي ويجازفوا بحياتهم، لأنهم لا يعرفون ما هو أخطر على أرواحهم جائحة كورونا، أم جائحة اقتصاد لا يعرف الرحمة. إحراق المصارف، والمواجهات الأولية بين المتظاهرين والجيش وقوى الأمن، هي الشرارة التي ستسبق الحريق الكبير. ويبدو أن هذه الحكومة اللبنانية، مثلها مثل الحكومات السابقة سوف تزج الجيش، بجنوده الذين يعانون كما يعاني المتظاهرون من ضائقة مالية خانقة، في مواجهات قد تكون كارثية، لأن واجب الجيش، في أي دولة تستحق الاسم، هو حماية الوطن والمواطن من الأخطار والتهديدات الخارجية، وليس استخدامه كأداة قمع في يد الحكومة وضد الشعب.

عندما يستمعون إلى شكاوى أحبائهم وأطفالهم وأهلهم المحرومين من الغذاء والدواء، سوف ينزلون إلى الشوارع دون خوف من جائحة كورونا، أو حراب "حزب الله"

تظاهرات الخريف الماضي، على الرغم من أهميتها السياسية والرمزية، والتي أبرزت وجود فئة لبنانية واسعة ومن مختلف الخلفيات الاجتماعية والدينية تطالب بتغيير نوعي في النظام السياسي اللبناني البالي والمختلف وغير المنصف. ولكن التظاهرات لأسباب عديدة، لم تتحول إلى حركة سياسية قادرة على فرض قانون انتخابي جديد، والتقدم بلوائح لمرشحين يمثلون المطالب الرئيسية للانتفاضة في مختلف المناطق اللبنانية، والعمل مع اللبنانيين في الداخل والخارج للخروج بوسائل خلاقة لتمويل الحملات الانتخابية لمواجهة أموال الاوليغارشية والإقطاع السياسي المتجذرة. هذه ربما الوسيلة السلمية الرئيسية التي تعد بتحقيق تغيير نوعي في الجسم السياسي اللبناني.

الحركات الاحتجاجية التي لا تغير أو تعدل جذريا البنية السياسية الحاكمة، لا ترقى إلى مستوى الانتفاضة، وحتما ليس إلى مستوى الثورة. حتى ولو تطورت الحركة الاحتجاجية في لبنان بشكل حقيقي على الأرض، سوف تبقى في مواجهة طبقة سياسية مستعدة لاستخدام القوة ضدها، وسوف تكون هذه السلطة مدعومة بحراب وبنادق ورصاص ونار تنظيم متعصب ومذهبي مرتبط بنظامين قمعيين متخلفين ودمويين، في دمشق وطهران. 

هذه العوامل، تجعل الأمل بحدوث تغيير سياسي سلمي في لبنان في المستقبل المنظور أمرا بعيد المنال. وهذا يؤدي بنا إلى الغضب الساطع. في الأسابيع والأشهر المقبلة سوف نرى لبنانيين لم يختبروا في حياتهم السابقة العوز الحقيقي، والفاقة الموجعة، والحاجة المذلة. سوف نرى لبنانيين شرفاء، يحترمون القانون، وكانوا يكسبون عيشهم بكرامة، ينامون للمرة الأولى في حياتهم على معدة خاوية. 

هؤلاء، عندما يستمعون إلى شكاوى أحبائهم وأطفالهم وأهلهم المحرومين من الغذاء والدواء، سوف ينزلون إلى الشوارع دون خوف من جائحة كورونا، أو حراب "حزب الله"، أو حتى جيشهم الذي يفترض به أن يحميهم من سطوة تنظيم مثل "حزب الله" تابع لدول خارجية، بدلا من أن يقمعهم باسم الأمن والقانون والاستقرار.

قبل عقود غنت فيروز في سياق آخر: الغضب الساطع آتٍ، من كل طريق آتٍ بجياد الرهبة آتٍ. كل المؤشرات تقول إن اللبنانيين سوف ينزلون إلى الشوارع والساحات ليهتفوا وليقولوا بأصواتهم وسواعدهم وقبضاتهم: الغضب الساطع آتٍ، بجياد الكرامة آتٍ.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.