A Lebanese youth runs with a national flag as smoke billows from burning tires during a demonstration in Jal el-Dib area on the…
من واجبنا أن نغضب، لأن "أخذكم بحلمنا" قزّمنا، جوّعنا، عطّشنا، أعمانا، لوّثنا، وذلّنا

يحكموننا على طريقة الزعران والبلطجية، ويأمروننا أن نردّ على طريقة القديسين والأولياء.

يدوسون على رقابنا، ويتطلعون إلى أن نقبّل أحذيتهم.

يصادرون جنى عمرنا ويسطون على رواتبنا، ويطلبون منّا أن نهتف لعروشهم وكراسيهم وقصورهم.

يسرقون وينهبون ويهرّبون، ويفرضون علينا أن نحترمهم ونجلّهم.

يُسقطوننا ضحايا تحوّلهم إلى مرتزقة في حروب الأجندات الإقليمية، ويُهدّدوننا إنْ لم نقدّسهم ونحمدهم ونبتهل لهم.

إنّهم يأخذون حريتهم في إذلالنا وتعذيبنا وتهميشنا وتهشيمنا واحتقارنا واعتقالنا ونفينا واغتيالنا، ويريدون النيل من حقّنا في أن نغضب.

غضبنا مدخل إلى الكرامة، إلى الحرية، إلى الاكتفاء، إلى الحقوق، إلى المساواة، إلى العدالة، وإلى الوطن

يَتلون علينا أقوال الحكماء في مضار الغضب، ويخفون عنّا تأكيدات العلماء أن كَبْت الغضب جلّاب الويلات الفردية والجماعية، وأن التعبير الجماعي عنه هو رغبة بمعاقبة من يظلمنا، ويولّد فينا شجاعة وتجدّدا سياسيا ومواطنيه راسخة.

الغضب ليس المؤامرة، بل التسبّب به. والغاضبون ليسوا متآمرين، بل يَكسرون طوق المؤامرة التي لا تتوقّف عن استهدافهم.

الغضب ليس هدفا ثانويا، بل هو حاجة ملحة لإنقاذ الحياة من الذين يسطون عليها، تماما كالتنفّس، كالدواء، كالماء، وكالطعام.

كيف نستكين ونبتسم ونلهو، ولم يبقَ لنا طريق نسلكه إلا حدّ الشفرة؟

لن نصفع وجوهنا، لن نشدّ شعرنا، لن نفتح أوردتنا، لن نُطلق النار على رؤوسنا، ولن نُعاقب أنفسنا على ما أجرمتم به بحقّنا.

رشوتُم، خدعتُم، خُنتُم، كذّبتُم، حتى تحكموا، فأنتجتم لنا الويلات، ولكنّكم تحسبون أن معسول الكلام هو مسكّن للجماعة ومانع للغضب، وتظنون أن الترهيب هو نصيركم الدائم.

لم يعد لديكم نصير، في مواجهة غضبنا.

من كان يُخيفه قمعكم، أصبح يُخيفه بقاؤكم.

من كان يُرعبه سلاحكم، أصبحت تُرعبه ويلات استخدامه.

الغضب ليس هدفا ثانويا، بل هو حاجة ملحة لإنقاذ الحياة من الذين يسطون عليها، تماما كالتنفّس، كالدواء، كالماء، وكالطعام

من كان يخشى أن تخنقه أحذيتكم، بدأت تقتله سيطرتكم.

ليس من حقّنا أن نعبّر عن غضبنا، بل من واجبنا أن نفعل.

من واجبنا أن نغضب، لأن "أخذكم بحلمنا" قزّمنا، جوّعنا، عطّشنا، أعمانا، لوّثنا، وذلّنا.

الغضب شعور تصاعدي. لم تروا منه حتى الآن سوى رجفة الأيادي، واحمرار الوجنات، وصرخات الحناجر.

يوما بعد يوم، سترون ما تبقّى من عوارض الغضب. ستجدوننا بلا عيون ترى ما تفعل، بلا أياد تُدرِك ما تكسّر، وبلا أرجل تختار ما تركل، وبلا عقل يميّز واحدكم عن الآخر.

عقولكم باردة، لأنكم تظنون أنكم تسيطرون علينا بآلاتكم الحاسبة، وبأجهزة التحكّم عن بُعد، لكنكم، مع كل شروق وبعد كلّ غروب، ستكتشفون أنكم كما تجهلون مزايا الحكّام الصالحين لا تعرفون شيئا عن شعب أمعنتم في التعدّي عليه.

انتهى الأمر. نحن تحوّلنا إلى جماعات غاضبة. بعضنا طهّر دمه من مسكّناتكم. بعضنا الآخر لا يزال يجهد من أجل ذلك، لأن المقادير التي حقنتموه بها أدخلته في غيبوبة وصلت إلى خواتيمها.

لا تتكّلوا على ما تبقّى في مخازنكم من أفيون، لأنكم، من كثرة موبقاتكم، حتى أفيونكم هذا فَسُد، فالاستعانة بالعدو لم تعد تنفع، واجتهاداتكم الدينية لم تعد تُجدي، ومناوراتكم بتغيير الأقنعة الحاكمة أصبحت مسخرة.

غضبنا المبرّر سوف يجرفكم. لا تغشّكم قلة المياه المتدفّقة من ينبوع ترونه، لأن الينابيع التي لا ترونها أصبحت كثيرة، والغيوم تَسوَدُ وأمطارها غزيرة، والمياه التي تسير بهدوء تتواعد على فالق زلزالي تتنعّمون بأسفله.

من كان يُرعبه سلاحكم، أصبحت تُرعبه ويلات استخدامه

ظنّكم أننا سنُحبَط ونيأس سَقَط. توهّمتم أننا خِراف يُمكن أن تسوقونا واحدا تلو الآخر إلى المسلخ، ولكنكم ستكتشفون أننا شعب يعي من هم جلّادوه، ومن هم مستغلّوه، ومن هم مفقِروه، ومن هم المتاجرون به.

أنساكم اللعب بمصيرنا أن ثمة غضبا، وأن الغضب، وإنْ جرى احتواؤه مرة، فيستحيل احتواؤه كلّ مرة.

لسنا سعداء بغضبنا، ولكننا بلا غضبنا لن نكون، بفعل ما ترتكبون، سعداء يوما.

غضبنا مدخل إلى الكرامة، إلى الحرية، إلى الاكتفاء، إلى الحقوق، إلى المساواة، إلى العدالة، وإلى الوطن.

ترون الأقليات ماذا تفعل إنْ هي غضبت. تخيّلوا ماذا يُمكن للأكثريات أن تُنجزه إنْ هي غضبت.

أغلقوا أفواهكم، أقفلوا معتقلاتكم، عقّلوا أمنكم وضبّوا زعرانكم، فكل ذلك لا يهدّئ غاضبا بل يُغضب ساكنا.

لا تريدوننا غاضبين، ونحن لا نريد أنفسنا كذلك.

تريدوننا هادئين، فاغربوا وموبقاتكم عن وجوهنا وعن عيوننا وعن عقولنا وعن... رقابنا.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.