An Iraqi health worker sprays disinfecting liquid in the streets of the centre of the southern city of Basra on March 25, 2020,…
عامل نظافة عراقي يرش معقمات في أحد شوارع البصرة

لعل من محاسن العزلة الإجبارية التي فُرضت علينا للوقاية من انتشار فيروس كورونا (كوفيد ـ 19) هي قراءة آخر إصدارات الكتب، وأجد كتاب "نظام التفاهة" من أهمها. مؤلف الكتاب "ألان دونو Alain Deneault" أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة كيبيك ـ كندا.

الكتاب رائع جدا، لكن الأكثر روعة هو مقدمة المترجمة الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري، التي عرضت فيها أفكار الكتاب وجعلت الرغبة بقراءته أكثر تشويقا، فضلا عن الترجمة المحترفة والتعليقات والتوضيحات التي أعتقد من دونها لكان الكتاب معقدا جدا. 

إذ تقول في مقدمة تعريفها بأهمية هذا الكتاب، بأنه يدور حول فكرة محورية: "نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة تتعلق بسيادة نظام أدى، تدريجيا، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة". وهنا يقول المؤلف ألان دونو: "يدعم التافهون بعضهم بعضا، فيرفع كلٌّ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع. ما يهمّ هنا لا يتعلق بتجنّب الغباء، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السّلطة".

مصطلح نظام التفاهة، كما يشرحه المؤلف، يفيد "المرحلة المتوسطة خلال فعل ينطوي على ما هو أكثر من المتوسط: إنه يعني هذه الدرجة الوُسطى بعد رفعها إلى مصافّ السلطة". 

نحن محكومون من قبل قوى سياسية تجمع ما بين التفاهة والكليبتوكراسية

وهنا نعود إلى المترجمة الدكتورة مشاعل التي وضحت بأن "Mediocaracy/ الميدوقراطية" كلمة جديدة على القاموس نسبيا، فلم تظهر إلا حوالي عام 1825، وهي تعني النظام الاجتماعي الذي تكون الطبقة المُسيطرة فيه هي طبقة الأشخاص التافهين، أو الذي تتمّ فيه مكافأة التفاهة والرداء عوضا عن الجدية والجودة... وبشكل عام "نظام التفاهة" مجرد مقاربة تتعلق بوصف نظام اجتماعي يراد نصبه كنموذج، كما هي الحال مع الديمقراطية والتكنوقراطية مثلا".

يتميز الكتاب باستحضار الكثير من الأمثلة والشواهد في أطروحاته التي تؤكد بأن نظام التفاهة يتمظهر من خلال السياسة والاقتصاد والمؤسسات الأكاديمية والثقافة. والتي باتت محكومة من قبل ما يصفه بـ"اللعبة" التي تقودها "سلطة خالصة مُطلقة من أي عنان، وذلك من خلال نظام تنافسيّ يتجسّد بكل من الرأسمالية وسلطة المافيا. فالاثنان يمكن أن يغرسا أنظمة تشمل القوانين ومواثيق الشرف، واللاعبين ذوي النفوذ هم في موقع يسمح لهم بالإشراف على "اللعبة". ولا قواعد مكتوبة لهذه اللعبة، ولكنها تتمثل ـ أو ترد أو تُستشعر ـ في انتماء إلى كيان كبير ما، تُستبعد القِيَم فيه من الاعتبار، فيُختزل النشاط المتعلق به إلى مجرد حسابات مصالح متعلقة بالربح والخسارة.

يعتقد دونو أن نظام السوق هو السائد والمتحكم الآن، وكل ذلك يتم بعنوان "الحوكمة" التي تحاول إفراغ مفهوم السياسية من قيم مرتبطة بأفكار الحق والواجب والعمل والالتزام والصالح العام، واستبدالها بمفاهيم الإدارة والشراكة والخصخصة وتحقيق الربح، ومن ثم تتحول الدولة إلى محض شركة تجارية، فمنطق الحوكمة الصرف، يقرّر أن "الكل يجب أن يتكيّف فيصبح تابعا لمنهج الأعمال التجارية".

Russian President Vladimir Putin attends a meeting with Gazprom CEO Alexei Miller at the Kremlin in Moscow on March 27, 2020. …
الكرملين في مواجهة ثنائية كورونا والطاقة
موسكو التي خططت لحرب أسعار بوجه الرياض، لم تأخذ بعين الاعتبار تأثير فيروس كورونا وتحوله إلى وباء عالمي مما أدى إلى أضرار ضخمة في الأسواق العالمية وخصوصا في قطاع الطاقة، حيث انخفض الطلب العالمي على النفط والغاز، ما أدى إلى سحق الأسعار في البورصات العالمية

يوجه مؤلف الكتاب نقدا قاسيا إلى ما بات يعرف بالنخبة أو التكنوقراط الذي يصفهم بـ "الخبراء المنقذون"، ويعتبر مهمتهم تثيبت دعائم النظام الرأسمالي المحكوم من قبل الأقلية المسيطرة على الاقتصاد السياسة، إذ "لمن هم في مواقع السلطة فإن الإنسان التافه هو الشخص المعتاد الذي يستطيعون نقل تعليماتهم من خلاله، بما يسمح بترسيخ نظامهم". ويقول: "كلما تراجعت الأوليغارشية إلى عاداتها السيئة (الفساد، التدليس، التفاهة) سارع "الخبراء" الذين يتقاضون رواتبهم منها إلى إنقاذها".

حتى المشهد الثقافي فرض نظام التفاهة سيطرته عليه ـ حسب وجهة نظر دونو ـ أصبح "يقدم نفسه كجهاز رسمي ورمزي، يقود الناس المرؤوسين والمُسيطر عليهم من قبل النُّظُم الليبرالية إلى تحويل طاقاتهم الروحية باتجاه دعم هيكل اجتماعي مصمم ومنفّذ من قبل الطّبقة المسيطِرة".

يفترض دونو أن الديمقراطية لم تعد مهددة، بل تم تنفيذ جميع التهديدات فعليا، ومن ثم "لنسمي هذا النظام بلوتوكراسي/ "حكم اللصوص"، أوليغارشية، طغيانى برلماني، شمولية مالية"؛ فهو لم يعد ديمقراطي. وهنا تحديدا، يمكن القول بوجود عنصر مشترك بين أنظمتنا السياسية ونظام التفاهة، فعلى الرغم من أن المجتمعات والأنظمة العربية تعيش على هامش الرأسمالية في أنظمة سياسية واقتصادية هجينة تجمع بين الرأسمالية والاشتراكية وبين الديمقراطية والدكتاتورية، لكن يبدو، الفضل يعود إلى العولمة، قد تسربت في مجتمعتنا الكثير من مظاهر نظام التفاهة.

هذا الفيروس الذي ذل كبرياء الأنظمة الشمولية والديمقراطية والاقتصاديات العالمية، قد يكون بوابة لإعادة التفكير في المدخلات التي أنتجت نظام التفاهة

ويبدو أن أزمتنا أكثر تعقيدا، فنحن محكومون من قبل قوى سياسية تجمع ما بين التفاهة والكليبتوكراسية. وتشرح المترجمة الدكتورة مشاعل ماهية هذا النظام: "الكليبتوكراسية Kleptocracy" بأنه مصطلح اصطنع في بدايات القرن التاسع عشر، ليصف النظام السياسي المُسمى "حكم اللصوص"، وهو النظام الذي يسمح بالفساد وسرقة المال العام والخاص من خلال تسهيل استغلال المناصب الإدارية والسياسية من قبل القائمين على مرافق الدولة، ويُطلق على المستفيدين من هذا النظام "كليبتوكراتس" كلما انتشر هذا الوضع في النُظُم الديمقراطية، كان على القواعد الشعبية أن تُراجع المعايير الخاصّة بخياراتها الانتخابية.

بالعودة إلى وباء كورونا، توجهت مجلة Foreign Policy الأميركية إلى اثني عشر خبيرا ومختصا في العلاقات الدولية، بالسؤال الآتي: كيف سيكون العالم بعدما يزول وباء كورونا ـ 19؟

وكانت جميع الأجوبة تتراوح تدور في دائرة صعود الشعبوية، والعودة إلى مركزية الدولة واحتمالية ضعف العولمة، واحتمالية صعود النموذج الصيني وزيادة التنافس الاقتصادي بين الصين وأميركا، والتنبؤ بأزمة تهدد الاقتصادي العالمي. لكن لم يتنبأ لنا أحد باحتمالية إعادة التفكير بالقيم التي أنتجتها الرأسمالية.

فهذا الفيروس الذي ذل كبرياء الأنظمة الشمولية والديمقراطية والاقتصاديات العالمية، قد يكون بوابة لإعادة التفكير في المدخلات التي أنتجت نظام التفاهة، إذ تعلمنا من التاريخ أن العالم والأفكار لا يتغيران إلا بعد أن تقع الكارثة. أو يبقى سؤالنا كما ذكره الفيلسوف الفرنسي ألبير كامر في الصفحات الأخيرة من رواية الطاعون: "إذا كان ممكنا التفكير بأن الطاعون لن يغير شيئا في المدينة، وأن كل شيء سيعود كما كان من قبل، أي كما لو أن شيئا لم يحدث... إن ما كان يعنيه، هو أن يعرف إذا كان النظام نفسه لن يتغير".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.