A supporter of an Iran-backed militia holds a poster of Iranian General Qassem Soleimani, deputy commander Abu Mahdi al…
مناصرون لميليشيات عراقية مدعومة من إيران يرفعون صور قاسم سليماني الذي قتل بغارة أميركية مطلع العام الحالي

مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، فإن ملامح فترة سياسة ولاية ثانية للرئيس دونالد ترامب تجاه إيران، ونهج المرشح الديمقراطي جو بايدن في الولاية الأولى، قد بدأت بالفعل في الظهور.

منذ عام 2016، جعلت إدارة ترامب تبني خطا معاكسا لسلفها تجاه الجمهورية الإسلامية حجر الزاوية في جدول أعمالها في الشرق الأوسط. على مدار العامين ونصف العام الماضيين، تخلت حملة "الضغط الأقصى" التي تبنتها إدارة ترامب عن الصفقة النووية لعام 2015 المعروفة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (والتي بموجبها تلقى النظام الإيراني مكاسب مالية هائلة مقابل قيود مؤقتة على تطويره النووي)، وشنت حملة واسعة من الضغط الاقتصادي على الدولة الرائدة في العالم الراعية للإرهاب.

كانت النتائج عميقة. اليوم، يعاني النظام الإيراني المتطرف من ضائقة مالية شديدة، وتزداد قبضته على السلطة هشاشة.

الأرقام تشير بوضوح إلى أي مدى من السوء وصل الاقتصاد الإيراني. تراجعت عائدات النفط الإيراني، التي بلغ إجماليها 100 مليار دولار في 2018، إلى 8 مليارات دولار فقط العام الماضي، مع انسحاب العملاء المتخوفين من العقوبات الأميركية بشكل متزايد مع الجمهورية الإسلامية. علاوة على ذلك، يتسارع هذا التراجع في المبيعات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أوضح ماجد رضا الحريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، في مقابلة أن عائدات النفط للنظام (التي تمثل جزءا مهما من الاقتصاد الوطني) ستكون "في أفضل الأحوال 5 مليارات دولار" هذا العام. قد ينتهي الأمر بمثل هذا التراجع إلى كونه كارثيا على حكام إيران غير المحبوبين بالفعل.

في السنوات الأخيرة، استغل قادة إيران بمهارة المكاسب الاقتصادية الهائلة لخطة العمل الشاملة المشتركة في توسع استراتيجي ساعد على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط بشكل عميق

هذا الموقف اليائس المتزايد هو سبب كبير لرضوخ النظام الإيراني هذا الصيف لاتفاق استراتيجي شامل جديد مع جمهورية الصين الشعبية، وإذا تم تنفذ هذا الاتفاق بالكامل، فإن صفقة بقيمة 400 مليار دولار على مدى ربع قرن ستجعل جمهورية الصين الشعبية شريكا رئيسيا في الجمهورية الإسلامية، وستقوم بذلك على حساب السيادة الإيرانية. الترتيب هو انعكاس معبر للوضع المحلي اليائس المتزايد الذي يواجهه النظام في طهران.

وأيا كان المرشح الذي سيفوز في الانتخابات الرئاسية الشهر المقبل سيرث هذه الديناميكية. السؤال العملي هو: ماذا سيفعل بها؟

أوضح الرئيس ترامب أنه يتوقع عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، وأن تفعل ذلك بسرعة، إذا أعيد انتخابه. وفقا لذلك، من المرجح أن تشهد فترة ولاية ترامب الثانية تصعيدا إضافيا لحملة "الضغط الأقصى" ضد إيران من أجل تحقيق ذلك. على هذا المنوال، ينبغي أن يُنظر إلى "العودة المفاجئة" الأخيرة من جانب إدارة ترامب لعقوبات الأمم المتحدة ضد إيران على أنها مؤشر لأمور مقبلة.

إن المسار الذي تتبناه واشنطن في نهاية المطاف ـ مزيد من العزلة للنظام الإيراني، أو إعادة تأهيله ـ سوف يقطع شوطا طويلا نحو تحديد الشكل المستقبلي للشرق الأوسط

على النقيض من ذلك، أشار نائب الرئيس جو بايدن إلى أنه سيسعى لإعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي لعام 2015 وتخفيف التوترات بشكل كبير بين البلدين. إعادة المشاركة الأميركية في الاتفاق النووي قد تبدو إلى حد كبير مثل مخطط المحادثات المستقبلية الذي وضعه مؤخرا مركز الأمن الأميركي الجديد (CNAS)، وهو معهد سياسي يساري يضم عددا كبيرا من مستشاري بايدن بين خبرائه. إنه نهج من المرجح أن يذكرنا بمغامرة إدارة أوباما قبل نصف عقد من الزمان: التعامل دبلوماسيا مع النظام الإيراني، ومنحه حوافز مالية، سيؤدي بمرور الوقت إلى نظام حكم أكثر لطفا ولطفا في طهران.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا لم يحدث في المرة الأولى. في السنوات الأخيرة، استغل قادة إيران بمهارة المكاسب الاقتصادية الهائلة لخطة العمل الشاملة المشتركة في توسع استراتيجي ساعد على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط بشكل عميق. في الواقع، تم تصميم سياسة "الضغط الأقصى" التي نشرها البيت الأبيض في عهد ترامب على مدى العامين الماضيين إلى حد كبير لعكس هذه المكاسب.

الآن، تقترب سياسة أميركا تجاه إيران مرة أخرى من مفترق طرق حاسم. إن المسار الذي تتبناه واشنطن في نهاية المطاف ـ مزيد من العزلة للنظام الإيراني، أو إعادة تأهيله ـ سوف يقطع شوطا طويلا نحو تحديد الشكل المستقبلي للشرق الأوسط.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.