A person with a walker crosses 42nd Street in a mostly deserted Times Square following the outbreak of Coronavirus disease …
شوارع مدينة نيويورك فارغة من زوارها

حمى وباء كورونا أنتجت معها، من بين أمور أخرى، حمى التبشير بقرب سقوط الولايات المتحدة الأميركية وصعود الصين وروسيا، في مشهد يذكر بأولئك الراكضين إلى عرض البحر لالتقاط ما تسرب من سفينة ألقت بجزء من حمولتها لتخفيف الوزن، فيما هم يظنون بأن السفينة قد غرقت.

مبشرون كثر

ولعل المبشرين هنا ليسوا واحدا، بل على المرء أن يميز، ما بين المدمنين على انتقاد الولايات المتحدة في كل شاردة وواردة، وبين بقايا اليسار الذي لم ينضج ولم يتعاف حتى الآن من "الرضة" النفسية التي أصابته جراء انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، فبات يركض وراء كل سراب خادع، يحسبه ماء، ومع هؤلاء يأتي الفوضويون والعبثيون ومحترفو معارضة كل شيء!، وما بين آخرين تزعجهم بعض السياسات الخارجية الأميركية (وقد يكونوا محقين في ذلك) وبعضهم يزعجه أكثر أن تتمتع دولة واحدة بكل هذا الثراء والقوة والهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية.

هذه الحمى التي تبشر بقرب سقوط الولايات المتحدة، هي ليست أكثر من تمنيات

أقول يوجد خليط، هو في الحالة الطبيعية غير متجانس، ويختلف حول العديد من القضايا، لكنه إذا تعلق الأمر بالولايات المتحدة فإنه يشيح بنظره عن تلك الخلافات ويقف كالبنيان المرصوص، يجتر كل ما تلقيه أقلام بعض المأزومين والهامشيين في الدول الغربية، من الذين وجدوا أنفسهم في حالة تصادم مع التيار الرئيسي. يستوي في ذلك أقصى اليسار مع أقصى اليمين.

مخاض النظام الجديد

بالطبع الحديث عن انتهاء القطبية الواحدة لم يهدأ في العالم منذ انتهاء الحرب الباردة. وهناك ما يكفي لملء مكتبة بأكملها من المقالات والكتب التي تبشر بكافة السيناريوهات، سواء صعود ما يعرف بالقوى الجديدة كالصين والهند واليابان والبرازيل وغيرها، أو نشوء نظام جديد يكون متعدد الأقطاب تتشارك فيه الدول في تحمل كافة الالتزامات والمسؤوليات.

لكن أي من هذه السيناريوهات لم يثبت حتى الآن أنه قابل للحياة أو التحقق بصورة أكيدة وسريعة، وعلى الأقل ليس قبل عام 2050، وفق أفضل التقديرات.

فالاقتصاد الأميركي لا يزال قويا، والنظام المالي الأميركي لا يزال مهيمنا وضابطا لحركة تنقل الأموال وتداولها حول العالم. والناتج الإجمالي الأميركي هو الأعلى ويتقدم بصورة كبيرة عن باقي الدول. وبلغة الأرقام فهو يبلغ حاليا أكثر من 19 تريليون دولار في مقابل حوالي 12 تريليون دولار للصين. أما باقي الدول مثل اليابان (قرابة خمسة تريليون) وألمانيا (تريليونين ونصف) والهند (تريليونين ونصف) والبرازيل (تريليونين) وروسيا (تريليون ونصف)، فإنها بحاجة إلى أشواط طويلة كي تثبت نفسها كقوة عالمية.

ماذا يعني الفارق في الناتج الإجمالي؟ إنه يعني الفارق في القدرة الفعلية على تحمل الأعباء والتكاليف، في كل ما يتصل بشؤون العالم، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية.

لا بديل عن أميركا

الصين لا يمكنها، على الأقل في المستقبل المنظور، أن تأخذ مكان الولايات المتحدة كقوة عظمى في العالم، لأسباب ليست متعلقة فقط بالاقتصاد، وإنما لأسباب أخرى كثيرة بينها الجغرافيا والثقافة واللغة والنظام السياسي والتعليمي وحجم الابتكارات والاختراعات.

فالصين دولة رأسمالية صناعية كبيرة، هذه حقيقة، ولها وجود ومصالح في العديد من دول العالم. لكن مؤهلات القوة العالمية تتطلب ما هو أكثر من ذلك.

وحتى هؤلاء الذين يمنون أنفسهم بأن تأخذ الصين مكان الولايات المتحدة، هم غير مستعدين للتعامل معها على هذا الأساس. فلا أحد منهم يريد أن يعيش في ظل النظام الصيني القمعي، ولا أحد منهم يطلب اللجوء أو الهجرة إلى الصين، ولا أحد منهم يرسل أبناءه إلى التعليم هناك، ولا أحد منهم، إن كان مقتدرا، ينشد العلاج في الصين. وبالطبع لا أحد منهم يسعى لتعلم اللغة الصينية أو يشاهد إعلاما صينيا!

الصين دولة رأسمالية صناعية كبيرة، ولها وجود ومصالح في العديد من دول العالم. لكن مؤهلات القوة العالمية تتطلب ما هو أكثر من ذلك

أما روسيا فرغم كل "العنتريات" و"العفرتات" التي تقوم بها هي أضعف اقتصادا ونظاما وقدرات بشرية وعلمية وعسكرية من أن تنافس الولايات المتحدة.

الديكتاتورية والديمقراطية

إذا، هذه الحمى التي تبشر بقرب سقوط الولايات المتحدة، هي ليست أكثر من تمنيات (ولا مشكلة في ذلك) لا يملك أصحابها أنفسهم الإمكانية أو الرغبة الفعلية في تحقيقها.

لكن بالطبع لا يعني ذلك عدم توجيه الانتقادات لحكومات الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية في الطريقة التي تعاملت بها مع وباء كورونا. الواقع أن ثمة الكثير من الانتقادات التي وجهت ولا تزال توجه لهذه الحكومات. سواء تعلق الأمر في التأخر في تقدير خطورة الموقف واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للحفاظ على أرواح الناس، أو في انتهاج مقاربة تؤكد على عالمية الوباء وضرورة العمل مع جميع الدول لمواجهته.

أما أن يستخلص أحد ما من ذلك قولا يفيد بأن النظم الديكتاتورية أو القمعية هي الأفضل من النظم الديمقراطية، لأن تعاملها كان مختلفا مع فيروس كورونا، فهذا لا يندرج فقط في خانة الاستنتاجات الخاطئة، ولكنه أيضا لا يفيد أولئك الباحثين عن العدالة الاجتماعية أو المنزعجين من الممارسات السيئة لبعض الأنظمة الديمقراطية، لأنه يشبه حال الإنسان الذي يقرر قطع ذراعه، فقط لأن أصبعه كانت تؤلمه.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.