من أخر لقاء جمع تميم وإردوغان في أسطنبول نوفمبر 2018
المحور الثالث، وهو جديد نسبيا، ويمكن تسميته بمحور "الإخوان" وهو الذي تقوده اليوم تركيا وقطر وجماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات القريبة منها

لا يمكن فهم الأحداث في المنطقة العربية اليوم أو التعامل معها، إلا من خلال استيعاب طبيعة الصراع الذي يدور بين ثلاثة محاور رئيسية، يسعى كل منها إلى الهيمنة على المنطقة وتشكيلها وفق نموذجه وقناعاته ومصالحه.

محور جديد

من بين هذه الثلاثة ثمة محوران تقليديان، أولهما الذي اصطلح على تسميته بمحور "الاعتدال" والمكون من السعودية والإمارات ومصر ودول عربية أخرى، والثاني هو المحور الذي اصطلح على تسميته بمحور "المقاومة" الذي تتزعمه إيران وسوريا والجماعات الإسلامية الشيعية والسنية التابعة لها. أما المحور الثالث، وهو جديد نسبيا، ويمكن تسميته بمحور "الإخوان" وهو الذي تقوده اليوم تركيا وقطر وجماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات القريبة منها.

ثمة تباينات سياسية واستراتيجية عميقة بين هذه المحاور، لكن بينها أيضا خطوط التقاء أو تقاطع في بعض الأزمات. فالخلاف الرئيسي بين محور "الاعتدال" ومحور "المقاومة" مثلا هو خلاف سياسي بالدرجة الأولى، ودافعه هو الزعامة في المنطقة. ورغم التباين الطائفي، بين مكونات المحورين، إلا أن ذلك لم يطغَ على جانبه السياسي. وتعتبر "القضية الفلسطينية" و"التحالف/أو العداء" مع الغرب، هما الميدانان المفضلان اللذان يمارس من خلالهما المحوران استراتيجيتهما.

خلاف واتفاق

في المقابل، فإن الخلاف الرئيسي بين محوري "الاعتدال" و"الإخوان" هو خلاف يدور بالأساس على تمثيل المسلمين السنة. وهو خلاف له منطلقات عقائدية بالطبع، وليس جديدا، وإن كان قد تفجر بعد عام 2011، مع صعود تنظيمات الإخوان المسلمين في مصر وسوريا وليبيا وغيرها من البلدان العربية. وهو لا يزال محتدما في بعض المناطق وبصورة أخف في مناطق أخرى.

هناك أيضا هجوم سياسي وإعلامي مكثف يستهدف دول محور "الاعتدال" وخاصة السعودية والإمارات ومصر

أما الخلاف الرئيسي بين محوري "المقاومة" و"الإخوان" فهو وإن اتخذ طابعا سياسيا في بعض الأحيان، إلا أنه خلاف طائفي بالدرجة الأولى. فالمحوران يشتركان في بعض الأهداف والمواقف السياسية (مثل القضية الفلسطينية) كما أنهما ينسقان في بعض الأزمات، كما هو الحال في العلاقات الإيرانية القطرية أو ما يجري في سوريا، ولكنهما يفترقان في جانب أساسي، وهو ميدان العمل.

فالإخوان لا يخفون استيائهم العميق مما يعتبرونه تمددا إيرانيا شيعيا في مناطق السنة، وتعتبر الأزمة السورية ميدانا حافلا بالمرارة في هذا المجال، إضافة إلى ما يجري في العراق منذ عام 2003.

حشود إعلامية

بطبيعة الحال يتمتع كل محور من هذه المحاور بإمكانيات اقتصادية وبشرية متفاوتة، لكنها في المجمل متقاربة، إذا أخذنا في عين الاعتبار عدد السكان وحجم الاقتصادات والموارد النفطية وغير النفطية المتوفرة لكل منها، أو تلك التي تستطيع توظيفها أو الاستفادة منها بطريقة من الطرق.

كما يوظف كل محور شبكة هائلة من وسائل الإعلام، التي تشمل الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية التي إما تعبر صراحة أو ضمنا عن سياسات ومواقف كل محور، بطريقة لا يمكن أن تخطئها العين. وفي العموم من النادر اليوم العثور على وسيلة إعلام عربية ليست لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة (تمويلا ونفوذا) بأحد هذه المحاور. بل امتد الأمر أيضا إلى الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الدينية والثقافية والمهنية وغيرها، حيث أصبحت تنحاز إلى محور دون غيره، تبعا لوجودها في هذا البلد أو ذاك، وتبعا لعلاقة أعضائها بهذه الدولة أو تلك وتبعا لمصادر التمويل التي تأتيها.

ثلاثة تصنيفات

يمكن القول إن بروز محور "الإخوان" قد عقّد المشهد فيما بتعلق بتعامل الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل مع أزمات المنطقة، وهي التي اعتادت على التعامل مع محوري "الاعتدال" و"المقاومة" في السابق. فقد أوجد الطارئ الجديد منطقة رمادية، بالنظر إلى علاقات الغرب التقليدية مع تركيا وقطر من ناحية، وسياساته الحذرة تجاه جماعة الإخوان المسلمين من ناحية أخرى، والعداء مع بعض التنظيمات الإسلامية المحسوبة على هذا المحور من ناحية ثالثة.

وعليه فقد بات التصنيف الأميركي والإسرائيلي، إذا جاز التعبير، تجاه هذه المحاور يتراوح بين محور حليف/صديق، ومحور منخفض العداء ومحور مرتفع العداء.

الإخوان لا يخفون استيائهم العميق مما يعتبرونه تمددا إيرانيا شيعيا في مناطق السنة، وتعتبر الأزمة السورية ميدانا حافلا بالمرارة في هذا المجال

لكن من دون شك تجد السياسة الخارجية الأميركية صعوبة في التكيف مع هذا الوضع الجديد. ولعل المحاولات الأميركية المبكرة، والإلحاح المتزايد لحل الخلاف بين قطر والسعودية والإمارات ومصر والبحرين، ينطلق من هذه الرؤية، كما أن التململ الأميركي من الانخراط في شؤون المنطقة، إنما يعكس في جانب كبير منه هذه التعقيدات، التي ترى الإدارة الأميركية عدم جدوى تكريس الاهتمام بحلها.

أما إسرائيل فيبدو أنها حزمت أمرها بالوقوف مع محور "الاعتدال" والتعامل معه بوصفه البديل الأفضل. كما يبدو أيضا أنها قررت الاستثمار الفعلي والطويل الأمد في هذا المحور.

لمن تكون الغلبة؟

لكن أكثر الأسئلة إثارة، هي معرفة من سوف تكون له الغلبة؟ أو بالأحرى ما هي أكثر السيناريوهات المرجحة؟ قد يكون من الصعب إعطاء إجابة في اتجاه واحد أو بشكل قاطع. لكن ما يمكن ملاحظته اليوم هو أن محور "الإخوان" يبدو في وضع هجومي بامتياز. فإضافة إلى ما يجري في ليبيا (وهي أصبحت ساحة مواجهة واختبار حقيقي)، هناك أيضا هجوم سياسي وإعلامي مكثف يستهدف دول محور "الاعتدال" وخاصة السعودية والإمارات ومصر. وهذا الهجوم يبدو منسقا بطريقة، تستهدف التحريض على حكومات هذه الدول وعزلها. وهناك من يشبّه ما يجري بأنه إعداد لموجة ربيع عربي ثانية.

أيضا هناك تحركات جانبية بين هذه المحاور في بعض خطوط التماس، بهدف خلق إزاحات فيما بينها، كما هو الحال مع تقارب الإمارات مع سوريا، وانفتاح مصر عليها، بهدف محاصرة النفوذ التركي، أو فتح القطريين خطوط اتصال مع بعض اليمنيين من المنتمين لجماعة الإصلاح المتحالفة مع السعودية ضد الحوثيين، أو اتفاق "محوري "الإخوان" و"المقاومة" على توجيه نيرانهما الإعلامية والسياسية على دول الخليج على خلفية التطبيع مع إسرائيل.

هذه التحركات، وإن لم تكن قادرة على تغيير المشهد العام كثيرا، فإنها تكشف عن اشتداد حدة المنافسة، التي قد تتطور في المستقبل القريب إلى أعمال تبدو أكثر وضوحا، بعد أن يخفت ضجيج وباء كورونا الذي فرض على ما يبدو هدنة إجبارية على الجميع.

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة