This handout photograph released by the Iraqi President's Office on May 28, 2020 shows President Barham Salih (R) receiving…
الرئيس العراقي برهم صالح مستقبلا الكاظمي

في ظل حكومة غير مكتملة وخزينة فارغة، تهديدات تنظيم "داعش" وميليشيات "الحشد الشعبي"، تستعد بغداد لبدء مفاوضات الحوار الاستراتيجي مع واشنطن. حوار من شأنه إعادة ترتيب العلاقات بين البلدين وفقا للسياقات التي وضعتها اتفاقية "الأطر الاستراتيجية" التي وُقعت سنة 2008، وهي تتجاوز الاتفاقيات الأمنية والعسكرية التي حكمت العلاقة بينهما منذ بداية الحرب على "داعش"، وتعالج جوانب أخرى مالية واقتصادية وثقافية.

بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، سيخوض الكاظمي مباحثات حساسة تطال مستقبل الوجود الأميركي في العراق، تحت تأثير القوى السياسية المسلحة الشيعية المعترضة على هذا الوجود، والمطالبة بتنفيذ قرار البرلمان المثير للجدل الداعي إلى الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق، وهو ما تدعمه طهران وتحرص على إثارته واستخدامه ضمن صراع النفوذ الذي تخوضه مع واشنطن على حساب مصالح بغداد.

معضلة الفصائل السياسية الشيعية المسلحة أن بغداد الرسمية تتعامل مع الوجود الأميركي في العراق ضمن قوات التحالف الدولي ضد "داعش"، ولا تستطيع الحكومة استهداف الحضور الأميركي العسكري دون غيره ضمن هذا التحالف، كما أن ارتفاع حدة تهديدات تنظيم "داعش" تفرض على الجميع الاستعانة بالإمكانيات العسكرية والتجسسية التي توفرها واشنطن في مكافحة الإرهاب، الأمر الذي سيوفر للكاظمي فرصة للمناورة والمماطلة مع هذه الفصائل.

يملك الكاظمي هامشا خاص يخوّله الخروج عن كثير من القيود التي فُرضت على أسلافه، وفي جعبته عوامل أخرى تجعله قادرا على فرض تدريجي لرؤيته

في المقابل، تبدو واشنطن مستعدة لكافة الخيارات، خصوصا أن هناك دعوات إلى ترك العراق، وهذا من شأنه أن يخلق مأزق للحكومة التي تحتاج إلى الدعم الأميركي العسكري والسياسي. كذلك فإن الانسحاب الكامل يطلق يد واشنطن في تعاملها مع هذه الفصائل، ويحررها من الاعتبارات والتوازنات السياسية والأمنية التي تراعيها لحماية وجودها في العراق.

من جهتها لا تملك الفصائل المسلحة أوراق ضغط كافية تعرقل الحوار. فتطبيق قرار إخراج القوات يحتاج إلى حكومة عراقية منتخبة، كما أنه يفتقد إلى إجماع من كافة المكونات العراقية، إضافة إلى موقف النجف المتحفظ على اتخاذ قرارات استراتيجية تحتاج إلى إجماع وطني عام من دون هذا الإجماع. 

لذلك، تتوفر للكاظمي فرصة فرض توازن يعيد ترتيب الوجود الأميركي في العراق وفقا لما تحتاجه القوات المسلحة في إطار التدريب وتطوير قدراتها القتالية، ومن جهة أخرى وضع حد لممارسات بعض الفصائل في التوقف عن استفزاز المصالح الأميركية ضمن معادلة الطلب من واشنطن وقف ضربات الطيران "المجهول الهوية" لمعسكرات تابعة لهذه الفصائل داخل الأراضي العراقية فقط.

لا يملك الكاظمي عصا سحرية تساعده على حل أزمات تراكمت منذ 17 عاما، لكنه يستطيع التسلح بهذه الأزمات من أجل لجم الأصوات المعترضة على سياساته الداخلية والخارجية، فالدولة المهددة بشح مواردها وعدم القدرة على تأمين نفقاتها نتيجة إدارات سيئة وفساد مستشري وانحياز خارجي عزل العراق عن محيطه وأثر عليه سياسيا واقتصاديا، لا يمكن لمكوناتها السياسية أن تضع شروطها على الكاظمي أو على الخارج، وهي مطالبة الآن إما بتقديم تنازلات مؤلمة تسمح للكاظمي إنجاز مهمته أو تحمّل مسؤولية العرقلة، التي ستضعها في مواجهة مؤسسات الدولة التي تحاول إعادة فرض نفسها في ظل الكاظمي أو الفوضى.

ارتفاع حدة تهديدات تنظيم "داعش" تفرض على الجميع الاستعانة بالإمكانيات العسكرية والتجسسية التي توفرها واشنطن في مكافحة الإرهاب

عمليا فرصة إعادة الثقة بين العراق وجواره العربي ومحيطه الإقليمي وعلاقته الدولية ممكنة، لكن شروطها ليست عراقية فقط، فالخارج الحذر في تعاطيه مع العراق نتيجة تجارب سابقة مطالب بدوره بتخفيف محاذيره والاستثمار بفرصة الكاظمي والأوضاع العامة العراقية، خصوصا أن العراقيين يواجهون أزمة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، ولن يتجاوزنها من خلال تحالفات عقائدية، أو الدعوة إلى تحالفات غير واقعية. 

هذا الأمر عبّر عنه صراحة السفير الأميركي السابق في دمشق والذي عمل لسنوات مسؤولا سياسيا في سفارة واشنطن لدى بغداد روبرت فورد في مقال له تحت عنوان "هل أميركا صديقة الكاظمي" ونقل فيه وجهة نظر معسكر يدعو إلى إعطاء الكاظمي بعض الوقت لإصلاح قوات الأمن العراقية، والمُضي قدما في العلاقات العسكرية الثنائية مع قوات الأمن العراق. وأضاف فورد أنه "يتعين على الأميركيين استغلال ميزتهم على الصعيدين الاقتصادي والمالي لتقديم يد العون إلى الاقتصاد العراقي، وتشجيع الاستثمار في العراق من جانب دول الغرب والخليج؛ خصوصا أنه ليس في استطاعت إيران المنافسة في هذين المجالين". 

أجوبة هذا المعسكر تقابله مواقف سلبية من معسكر آخر لا يرى في انهيار الحكومة أو الفوضى أي خطر استراتيجي على الولايات المتحدة.

وعليه يملك الكاظمي هامشا خاص يخوّله الخروج عن كثير من القيود التي فُرضت على أسلافه، وفي جعبته عوامل أخرى تجعله قادرا على فرض تدريجي لرؤيته، لكن طريقه في تخطي هذه العقبات تُواجه عقبات داخلية مدعومة من قوى داخلية مدعومة من الخارج تنتظر فرصة لإعادة تعويض ما خسره منذ الأول من أكتوبر 2019، وهذا ما قد يفرض على الكاظمي مواجهة مؤلمة لن يستطيع تجنبها.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.