الدولارات القليلة المتبقية لنا في حساب الـ"فرش ماني" صارت تخرج من الـ"كاش ماشين" عتيقة ومتآكلة. الأرجح أن موظف المصرف، الذي وضعها في الآلة صباحا، لم يأت بها من خزنة البنك التي كانت تصلها رزم الدولارات جديدة وطازجة مباشرة من مطابعها من أميركا. والأرجح أيضا أنه أتى بها من عند الصراف في الشارع، فالصرافون وحدهم من يملكون الـ"بنكنوت" هذه الأيام، وهم يأتون بها من الشارع، حيث الناس في بيروت يهيمون على وجوههم باحثين عن صراف جيد يصرفون عنده مئة دولار، فقط مئة دولار لقضاء حاجاتهم، فيما يخبئون في منازلهم ما تبقى لديهم من الـ"بنكنوت" منتظرين فصولا جديدة من الكارثة.
الدولارات حين تخرج من الـ"كاش ماشين" تظهر غير منسجمة وعتيقة، وهي تماما غير تلك التي كانت تخرج قبل أشهر قليلة من نفس هذه الآلة الجهنمية. في حينها كان واحدنا يشعر أنه أمام أميركا وجها لوجه، أما اليوم فقد أعادتني الأربعمئة دولار التي ظهرت لي من فم الـ"كاش ماشين" إلى العملات العراقية في زمن النفط مقابل الغداء، هناك حيث كنا نذهب لنغطي الحروب في شمال العراق، كنا نستبدل الدولارات التي كنا نحضرها بأكياس من العملات المحلية المتآكلة والتي بهتت صورة صدام حسين التي تتوسطها.
لم نعد في بيروت نملك ناصية العبارة وطاقة الصراخ. ما يجري جديد كل الجدة علينا
سريعا ما انهار كل شيء في بيروت. ورقة المئة ألف ما زالت تحتفظ ببعض هيبتها، لكن هذه الهيبة سرعان ما تتبدد ما أن يعطيك إياها الصراف مقابل عشرة دولارات! ورقة المئة ألف تعاني من فصامٍ هذه الأيام. في المطاعم ما زالت تحتفظ بشيء من قيمتها، أما في الشارع فهي لا شيء، أو هي عشرة دولارات. هذا الفصام لن يطول كثيرا وستدرك المئة ألف المسكينة أنها لا شيء في كل الظروف.
السياسيون وحدهم في لبنان ما زالوا خارج كوكب الانهيار. جبران باسيل ظهر مبتسما في صورة له أثناء حفلة شواء للحم. الصورة كانت امتدادا لزمن المئة ألف. وزيرة الإعلام منال عبد الصمد ظهرت في فيديو في الشارع، فصدمها مشهد الناس، وراحت تبكي وتردد وتسأل ماذا تفعلون في بيوتكم... انزلوا إلى الشارع، وطبعا عادت الوزيرة إلى منزلها واستأنفت عضويتها في الحكومة.
جمهور "حزب الله" راح ينشر صورا للأمين العام للحزب مرفوعة فوق بسطات تعرض خبزا وكتب عليها "لن نجوع طالما أن السيد قائدنا". وهذا رد بديهي على حقيقة "أننا جعنا لأن السيد قائدنا". أما سعد الحريري، القائد البديل، فيعيش زاهدا في قصره في وادي أبو جميل، فيما موظفو مؤسساته يغرقون في بؤسين، الأول بؤس الانهيار الذي تسبب به أيضا رب عملهم، والثاني بؤس تمنع الحريري نفسه عن دفع مستحقاتهم، التي أصلا لم تعد تساوي شيئا. لكن على هؤلاء الموظفين أن لا ينسوا أنهم يعيشون في بيروت وهي "مدينة عريقة للمستقبل" على ما كان يسميها والد سعد الحريري.
لم نعد في بيروت نملك ناصية العبارة وطاقة الصراخ. ما يجري جديد كل الجدة علينا. لا نثق بأن الكلمات تصيب حقيقة ما نعيشه. شركة الكهرباء قالت إنها في أزمة كبرى، فقلنا إن الشركة ستطفئ الأنوار! الجيش أعلن أنه لن يطعم الجنود لحما من الآن وصاعدا، فقلنا إننا سنكون حيال جيش نباتي! هذه المواربة، وهذا اللجوء إلى السخرية هو هرب فعلي من تبعات الكارثة، فالحقيقة أننا نمنا ليلتنا بالأمس على أضواء الشموع، والحقيقة أننا لم نتمكن بالأمس من شراء كيلو لحم. السخرية لن تدوم طويلا، وسيبدأ نوع مختلف من الألم، وفي هذا الوقت يستمر السياسيون في حفلات الشواء وتوزيع الخبز والعيش في القصور.
السياسيون وحدهم في لبنان ما زالوا خارج كوكب الانهيار
الموت يزحف على نحو أفقي. الموت هنا ليس مرضا قاتلا، ولا رصاصة عشوائية، الموت يأتينا في بيروت على نحو جديد. جارنا الستيني مات لأنه اضطر للصعود إلى منزله في الطابق الـ 12 على قدميه بفعل انقطاع الكهرباء، وصديقتنا قلقلة على أمها بسبب انقطاع الدواء الذي تأخذه منذ 20 سنة.
الدولة جاهزة لعلاج أي حالة كورونا، على تترافق حفلة العلاج مع حفلة رقص بنجاح وزير الصحة في القضاء على الوباء، أما مرض السكري مثلا، وأعداد المصابين به في لبنان يشكل أضعاف أضعاف المصابين بكورونا، فلم يُعِد وزير الصحة له رقصة شعبية، ولا خطة لمواصلة استيراد الـ "أنسولين" له.
إنها الجمهورية اللبنانية التي يريد الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله أن ينطلق منها ليحرر الكون من رجس الإمبريالية التي توقفت عن إرسال الدولارات إلينا.

