A man searches through a garbage bin in Beirut, Lebanon, June 30, 2020. Picture taken June 30, 2020. REUTERS/Mohamed Azakir
رجل يبحث عن طعام في أحد مستوعبات النفايات في بيروت

الدولارات القليلة المتبقية لنا في حساب الـ"فرش ماني" صارت تخرج من الـ"كاش ماشين" عتيقة ومتآكلة. الأرجح أن موظف المصرف، الذي وضعها في الآلة صباحا، لم يأت بها من خزنة البنك التي كانت تصلها رزم الدولارات جديدة وطازجة مباشرة من مطابعها من أميركا. والأرجح أيضا أنه أتى بها من عند الصراف في الشارع، فالصرافون وحدهم من يملكون الـ"بنكنوت" هذه الأيام، وهم يأتون بها من الشارع، حيث الناس في بيروت يهيمون على وجوههم باحثين عن صراف جيد يصرفون عنده مئة دولار، فقط مئة دولار لقضاء حاجاتهم، فيما يخبئون في منازلهم ما تبقى لديهم من الـ"بنكنوت" منتظرين فصولا جديدة من الكارثة.

الدولارات حين تخرج من الـ"كاش ماشين" تظهر غير منسجمة وعتيقة، وهي تماما غير تلك التي كانت تخرج قبل أشهر قليلة من نفس هذه الآلة الجهنمية. في حينها كان واحدنا يشعر أنه أمام أميركا وجها لوجه، أما اليوم فقد أعادتني الأربعمئة دولار التي ظهرت لي من فم الـ"كاش ماشين" إلى العملات العراقية في زمن النفط مقابل الغداء، هناك حيث كنا نذهب لنغطي الحروب في شمال العراق، كنا نستبدل الدولارات التي كنا نحضرها بأكياس من العملات المحلية المتآكلة والتي بهتت صورة صدام حسين التي تتوسطها.

لم نعد في بيروت نملك ناصية العبارة وطاقة الصراخ. ما يجري جديد كل الجدة علينا

سريعا ما انهار كل شيء في بيروت. ورقة المئة ألف ما زالت تحتفظ ببعض هيبتها، لكن هذه الهيبة سرعان ما تتبدد ما أن يعطيك إياها الصراف مقابل عشرة دولارات! ورقة المئة ألف تعاني من فصامٍ هذه الأيام. في المطاعم ما زالت تحتفظ بشيء من قيمتها، أما في الشارع فهي لا شيء، أو هي عشرة دولارات. هذا الفصام لن يطول كثيرا وستدرك المئة ألف المسكينة أنها لا شيء في كل الظروف.

السياسيون وحدهم في لبنان ما زالوا خارج كوكب الانهيار. جبران باسيل ظهر مبتسما في صورة له أثناء حفلة شواء للحم. الصورة كانت امتدادا لزمن المئة ألف. وزيرة الإعلام منال عبد الصمد ظهرت في فيديو في الشارع، فصدمها مشهد الناس، وراحت تبكي وتردد وتسأل ماذا تفعلون في بيوتكم... انزلوا إلى الشارع، وطبعا عادت الوزيرة إلى منزلها واستأنفت عضويتها في الحكومة. 

جمهور "حزب الله" راح ينشر صورا للأمين العام للحزب مرفوعة فوق بسطات تعرض خبزا وكتب عليها "لن نجوع طالما أن السيد قائدنا". وهذا رد بديهي على حقيقة "أننا جعنا لأن السيد قائدنا". أما سعد الحريري، القائد البديل، فيعيش زاهدا في قصره في وادي أبو جميل، فيما موظفو مؤسساته يغرقون في بؤسين، الأول بؤس الانهيار الذي تسبب به أيضا رب عملهم، والثاني بؤس تمنع الحريري نفسه عن دفع مستحقاتهم، التي أصلا لم تعد تساوي شيئا. لكن على هؤلاء الموظفين أن لا ينسوا أنهم يعيشون في بيروت وهي "مدينة عريقة للمستقبل" على ما كان يسميها والد سعد الحريري.

لم نعد في بيروت نملك ناصية العبارة وطاقة الصراخ. ما يجري جديد كل الجدة علينا. لا نثق بأن الكلمات تصيب حقيقة ما نعيشه. شركة الكهرباء قالت إنها في أزمة كبرى، فقلنا إن الشركة ستطفئ الأنوار! الجيش أعلن أنه لن يطعم الجنود لحما من الآن وصاعدا، فقلنا إننا سنكون حيال جيش نباتي! هذه المواربة، وهذا اللجوء إلى السخرية هو هرب فعلي من تبعات الكارثة، فالحقيقة أننا نمنا ليلتنا بالأمس على أضواء الشموع، والحقيقة أننا لم نتمكن بالأمس من شراء كيلو لحم. السخرية لن تدوم طويلا، وسيبدأ نوع مختلف من الألم، وفي هذا الوقت يستمر السياسيون في حفلات الشواء وتوزيع الخبز والعيش في القصور.

السياسيون وحدهم في لبنان ما زالوا خارج كوكب الانهيار

الموت يزحف على نحو أفقي. الموت هنا ليس مرضا قاتلا، ولا رصاصة عشوائية، الموت يأتينا في بيروت على نحو جديد. جارنا الستيني مات لأنه اضطر للصعود إلى منزله في الطابق الـ 12 على قدميه بفعل انقطاع الكهرباء، وصديقتنا قلقلة على أمها بسبب انقطاع الدواء الذي تأخذه منذ 20 سنة. 

الدولة جاهزة لعلاج أي حالة كورونا، على تترافق حفلة العلاج مع حفلة رقص بنجاح وزير الصحة في القضاء على الوباء، أما مرض السكري مثلا، وأعداد المصابين به في لبنان يشكل أضعاف أضعاف المصابين بكورونا، فلم يُعِد وزير الصحة له رقصة شعبية، ولا خطة لمواصلة استيراد الـ "أنسولين" له.

إنها الجمهورية اللبنانية التي يريد الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله أن ينطلق منها ليحرر الكون من رجس الإمبريالية التي توقفت عن إرسال الدولارات إلينا.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.