Supporters of President Donald Trump demonstrate without face masks at the entrance to Walter Reed National Military Medical…
مناصرون لترامب أمام مستشفى والتر ريد حيث يعالج

اجتاحت جائحة كورونا البيت الأبيض وأصابت الرئيس دونالد ترامب وزوجته ميلانيا وعدد من كبار مساعديه وغيرهم من ضيوف البيت الأبيض، وزجت البلاد في أسوأ أزمة منذ انتخاب ترامب، لأنها فتحت المجال أمام احتمالات ومضاعفات سياسية ودستورية تتعلق بخلافة الرئيس، لا أحد يعلم كيف يتم احتوائها، لأن الدستور وتعديلاته لم تحسمها بوضوح، وسط استقطابات سياسية خطيرة، وذلك قبل شهر من موعد الانتخابات الرئاسية. 

وبعد ثلاثة أيام قضاها ترامب في مستشفى والتر ريد العسكري قرب واشنطن، لا تزال صورته الصحية غير مكتملة، وخاصة في ضوء البيانات والتصريحات المتناقضة الصادرة عن أطبائه والمسؤولين في البيت الأبيض حول مسائل جوهرية يفترض بالشعب الأميركي أن يطلع عليها، بدءا من لحظة التأكد من إصابة الرئيس بفيروس كورونا، إلى العلاج الذي تلقاه، وأنواع الادوية التجريبية التي أعطيت له، وفي أي وقت تم إعطاؤه الأوكسيجين الإضافي. وساهمت هذه التناقضات في خلق حالة ارتباك وانعدام ثقة بالتصريحات الرسمية، وتأكيدات الرئيس والبيت الأبيض في لحظة حرجة للغاية في معركة انتخابية يتخلف فيها الرئيس ترامب عن منافسه جوزف بايدن مع مرور كل يوم وفقا لآخر استطلاعات الرأي.

وفي الأيام التي تلت إصابته علم الأميركيون من أطباء الرئيس ومسؤولين في البيت الأبيض، بشكل متردد وتدريجي أن أعراض ترامب شملت الحمى، والسعال، والإرهاق وصعوبة التنفس، ما أدى إلى إعطائه أوكسيجين إضافي في البيت الأبيض وفي المستشفى. كما تلقى ترامب "كوكتيلا" من الأدوية التجريبية والمنشطات (ستيرويد) ضد الفيروس. ولكن لم يصاحب هذه المعلومات العامة تفاصيل حول مدى انحسار تنفس ترامب من الأوكسيجين، وما الذي كشفته صور الأشعة لصدره وما إذا كانت عوارضه تشمل لالتهاب الرئوي الذي يسببه كوفيد-19.

الدستور لا يتطرق إلى آلية نقل السلطة إلى رئيس مجلس النواب كما أن انتقال السلطة إلى رئيس مجلس النواب لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة

ولا يزال الجدل مستمرا حول الوقت الحقيقي الذي تم فيه تشخيص إصابة الرئيس بالفيروس. هل كان ذلك يوم الأربعاء كما قال طبيبه شون كونلي في مؤتمره الصحفي الاول، أم يوم الخميس كما قال لاحقا في بيان مكتوب. وبينما كان طبيب ترامب وفريقه يعطون تقويما إيجابيا للحالة الصحية للرئيس، كان مدير البيت الابيض مارك ميدوز يقول للصحفيين إن صحة الرئيس يوم الجمعة كانت أسوأ مما أوحت التصريحات الرسمية وذلك قبل نقله إلى المستشفى. هذا التصريح أغضب الرئيس ترامب الذي قام بتسجيل شريط فيديو قصير قال فيه للأميركيين إنه في حالة صحية جيدة، ومضيفا أنه سيستأنف قريبا نشاطاته الانتخابية.

وإذا تم تشخيص ترامب يوم الأربعاء فهذا يعني أنه كان مصابا بالفيروس مساء الثلاثاء حين وقف لتسعين دقيقة على بعد خطوات معدودة من منافسه الديمقراطي جوزف بايدن على مسرح أول مناظرة بينهما، وهو يتحدث بانفعال وبصوت عال. وكان ترامب قد قام يوم الأربعاء، وبعد الإعلان عن إصابة مساعدته هوب هيكس التي ترافقه في كل نشاطاته، بالسفر إلى ناد يملكه في ولاية نيوجيرزي للاجتماع بعدد من ممولي حملته. 

وبعد إعلان عدد من مساعدي ترامب عن إصابتهم بالفيروس، وكذلك ثلاثة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ ومستشارين رسميين وغير رسميين مقربين من ترامب، تركز الاهتمام على حفل ترشيح القاضية أيمي كوني باريت لخلافة القاضية روث بادر غينزبيرغ يوم السبت الماضي في البيت الأبيض، كمصدر للعدوى. وكان معظم الحضور، الذين لم يلبسوا الأقنعة الواقية، قد جلسوا قرب بعضهم البعض، وشوهد بعضهم يعانقون معارفهم ويصافحونهم وكأن الجائحة أصبحت في الماضي. هذا الحفل كان تعبيرا عن استهتار الرئيس ترامب وحزبه الجمهوري بالجائحة. ولوحظ خلال المناظرة أن أفراد عائلة الرئيس وضيوفهم رفضوا لبس الأقنعة الواقية في تجاهل واضح لقواعد المنظمة التي رعت المناظرة.

تطورات مرض الرئيس ترامب تبين بوضوح أنه لا يزال يسيطر على سردية مرضه، ولا يريد الكشف على تفاصيل مرضه وعلاجه وربما موعد خروجه من المستشفى. وهذا من أهم الأسباب التي دفعت بالمراجع الطبية والمراقبين والصحفيين إلى التشكيك بسردية البيت الأبيض والفريق الطبي للرئيس حول حالته الصحية خلال أحرج الأوقات في عهد ترامب.

ومساء الأحد فاجأ الرئيس أطباءه ومساعديه حين قال في شريط فيديو مقتضب للعشرات من أنصاره الذين تجمعوا على الأرصفة القريبة من المستشفى والذين كانوا يهتفون لإعادة انتخابه إنه سيفاجئهم قريبا. وبالفعل خرج ترامب من المستشفى وركب سيارته المصفحة، التي أقلته أمام أنصاره، حيث بدا وهو يحييهم من وراء النافذة الخلفية المغلقة لابسا قناعا واقيا.

منذ الإعلان عن إصابته بالفيروس، والرئيس يحاول أن يبين لأنصاره بالتحديد ولكن أيضا للأميركيين وللعالم أنه لا يزال يملك المبادرة، وأن الفيروس لن يمنعه من ممارسة صلاحياته الدستورية، أو إضعافه. وفي هذا السياق سربت مصادر في البيت الأبيض معلومات تفيد بأن ترامب قد قاوم في البداية الاقتراحات القوية التي تقدم بها أطباءه ومستشاريه بضرورة الذهاب إلى المستشفى بعد ارتفاع حرارته وضيق تنفسه يوم الجمعة. وقال مسؤولون لمجلة فانيتي فير إن ترامب لم يرغب بالذهاب إلى المستشفى "قبل شهر من الانتخابات". ووفقا للمصادر المسؤولة وضع الأطباء ترامب أمام إنذار: إما أن يذهب إلى المستشفى وهو لا يزال قادرا على المشي، أو أن يضعه الأطباء على كرسي متحرك أو طريحا على نقّالة إذا تدهورت صحته بسرعة.

مرض الرئيس ترامب طرح الأسئلة الدستورية حول خط خلافة الرئيس التي تطرح كل مرة يصاب فيها رئيس بالمرض ويعالج في المستشفى. وهذه هي المرة الأولى التي يمضي فيها رئيس أميركي بضعة أيام في المستشفى منذ محاولة اغتيال الرئيس رونالد ريغان في 1981، وإصابته بجرح خطير كاد أن يودي بحياته. الدستور واضح جدا في هذا الشأن: "في حالة عزل الرئيس من منصبه أو وفاته أو استقالته يصبح نائب الرئيس رئيسا". 

خلافة الرئيس أضيفت إلى الدستور في التعديل الخامس والعشرون الذي تم التصديق عليه في 1967. الفقرة الثالثة من التعديل تسمح للرئيس أن يبلغ كلا من الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب تصريحه الخطي بعجزه عن القيام بصلاحياته الدستورية، وإلى أن يبلغهما خطيا تصريحا بعكس ذلك يتولى نائب الرئيس القيام بهذه الصلاحيات كرئيس مؤقت. ولكن تنفيذ الفقرة الثالثة يعود كليا للرئيس. 

تقليديا، يمتنع الرؤساء عن ذلك لأسباب عديدة من بينها ضمان الاستمرارية، وعدم الإيحاء بالضعف، أو تفادي الاعتراف بتدهور حالة الرئيس الصحية. هذه الفقرة استخدمت ثلاث مرات فقط: مرة خلال ولاية الرئيس ريغان، ومرتين خلال ولاية الرئيس جورج بوش الابن، أي خلال تخدير الرئيس لإجراء عمليات جراحية استمرت لساعات محدودة. 

وتغطي الفقرة الرابعة من التعديل حالة عجز الرئيس عن القيام بصلاحياته حيث يتولى نائب الرئيس سلطات ومهام الرئيس بشكل مؤقت بعد أن يبلغ نائب الرئيس وأعضاء الحكومة خطيا رئيس مجلس النواب والرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ بالأمر. وإذا استعاد الرئيس صحته يطلب خطيا استعادة صلاحياته خلال أربعة أيام. وإذا لم يعترض نائب الرئيس وأعضاء الحكومة على طلب الرئيس استعادة صلاحياته، يعود الرئيس لاستئناف صلاحياته. 

ولكن إذا اعترض نائب الرئيس على طلب الرئيس استعادة صلاحياته، ترفع المسألة إلى مجلسي الكونغرس لكي يحسما بأكثرية الثلثين خلال 21 يوما ما إذا كان الرئيس عاجزا عن استئناف صلاحياته أم لا. خلال هذه الفترة يبقى نائب الرئيس رئيسا بالوكالة. ولكن حكم الأكثرية في الكونغرس ضد الرئيس لا يعني بالضرورة عزله من منصبه، لأنه يستطيع العودة إلى الكونغرس مرة أخرى. وهذا يبين أن الفقرة الرابعة من التعديل تعطي الرئيس الأفضلية في أي نزاع مع نائبه ومع أفراد حكومته.

ولكن ما الذي يحدث في حالة عجز كل من الرئيس ونائبه عن القيام بمهامهما الدستورية، وهذا أمر ممكن أن يحدث الآن، خلال جائحة خطيرة اجتاحت البيت الأبيض وأصابت عددا من كبار مساعدي الرئيس. حتى الآن أظهرت الفحوصات على نائب الرئيس مايك بينس أنه لم يصب بالفيروس، ولكن هذا يمكن أن يتغير في الأيام القليلة المقبلة، نظريا على الأقل. وفي هذه الحالة (فقدان الأهلية للرئيس ونائبه) يعني انتقال السلطة إلى رئيسة مجلس النواب حاليا، الديمقراطية نانسي بيلوسي. 

مرض الرئيس ترامب طرح الأسئلة الدستورية حول خط خلافة الرئيس التي تطرح كل مرة يصاب فيها رئيس بالمرض ويعالج في المستشفى

ولكن الدستور لا يتطرق إلى آلية نقل السلطة إلى رئيس مجلس النواب كما أن انتقال السلطة إلى رئيس مجلس النواب لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة. ووفقا لقانون خلافة الرئيس الذي أقر في 1947 تنتقل السلطة في حال عجز نائب الرئيس عن القيام بصلاحياته إلى رئيس مجلس النواب، ويأتي بعد رئيس مجلس النواب في الخلافة الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ، وبعده وزير الخارجية، وبعده وزير المالية. ولا أحد يعلم ما الذي يمكن أن يحدث إذا رفض مثلا نائب الرئيس بينس نقل السلطات إلى نانسي بيلوسي؟ أو إذا تحداها الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ الجمهوري تشارلز غراسلي، أو وزير الخارجية مايك بومبيو؟ صحيح أن هذه مسائل نظرية الآن، ولكن هناك اجتهادات قانونية عديدة تشكك بدستورية تسمية أعضاء في الكونغرس في خط خلافة الرئيس.

الدستور وقانون خلافة الرئيس يفترضان أن قادة البلاد سوف يقومون بواجباتهم السياسية انطلاقا من واجباتهم الدستورية وحسهم الوطني وحسن نواياهم وحرصا منهم على استمرارية الشرعية وصيانة استقرار البلاد. ولكن هل يمكن افتراض أي انتقال للسلطة في هذا الوقت الحرج الذي تشهد فيه البلاد استقطابات سياسية خطيرة أن يتم بهدوء ودون نزاعات جدية؟ هذه أسئلة نظرية وافتراضية، وحتى الآن لا تبدو واردة أو ماثلة أمامنا، ولكنها غير مستحيلة، لأنها المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يتم فيها مناقشة مسألة انتقال السلطات الرئاسية خلال جائحة خطيرة اجتاحت البيت الأبيض وأصابت الرئيس وكبار مساعديه، ويمكن أن تصيب مسؤولين آخرين قبل شهر من الانتخابات. 

ولتفادي مثل هذه السيناريوهات الداكنة والخطيرة على مستقبل البلاد، وضمان إجراء الانتخابات في موعدها، من الضروري أن يبقى الرئيس ترامب في الحجر الصحي لضمان شفائه، وألا يصاب كلا من نائب الرئيس مايك بينس، والمرشح الديمقراطي جوزف بايدن بفيروس كورونا.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.