Staff members wearing face masks are seen at the Leishenshan Hospital, a makeshift hospital for treating patients with the…
الوباء جرى التكتم عليه رسميا من قِبَل الحكومة الصينية، بل وأكثر من ذلك، تهديد الطبيب الذي حذّر منه في مراحل انتشاره الأولى بالعقاب؛ إن لم يصمت، ثم قمع كل من يفتح فمه في هذا الموضوع

استطاع الفيروس الصيني/ كورونا أن يشن حربا كونية/ عالمية على العالم كله، بل استطاع أن يفعل بالعالم ما لم تستطع الحرب الكونية/ العالمية أن تفعله؛ ولن تستطيع. استطاعت القوة الوبائية لهذا الفيروس سريع الانتشار أن تستثير كوامن رُهاب جماعي عالمي تسبّب في تعطيب العالم كله على نحو غير مسبوق. إنه رهاب عام (وهو ـ في الواقع الحيّ ـ رعب حقيقي يجد مصاديقه في مئات الألوف من الضحايا) أصبح يخترق كل الحدود الطبيعية وغير الطبيعية، محدثا ما يشبه الشلل الكامل في جسد العالم الحيّ، ومنذرا ـ في الوقت نفسه ـ بكثير الدمار المادي والمعنوي الذي لم تتضح معالمه حتى الآن.

ثمة دمار ماثل للعيان الآن، نرى ملامحه الأولية في هذا الشلل الذي يضرب عصبَ الحياة لهذا العالم أجمع، وبالأخص، يضرب في العصب المتحكم في الأعضاء الحيوية المنتجة في هذا العالم (دول العالم المتحضر). وأيضا، ثمة دمار هائل / كوارث كبرى/ وربما حروب مُسبّبة به على نحو صريح أو غير صريح، يتوقعها كثير من المراقبين/ المحللين، أولئك المتوجسين مما ستؤول إليه المتتاليات الحتمية لمثل هذا الإعصار الفيروسي المدمر الذي وضع العالم كله على حافة الموت؛ من حيث هو "موت" بطيء يُلغي ـ بقوة الرعب ـ كل تفاصيل الحياة، كل معاني الحياة في تمظهرها المعتاد/ الطبيعي.

لنترك ما يكتبه المتفائلون والمتشائمون عن سيناريوهات المستقبل القريب والبعيد، لنترك المتوقع أيا كان، ولنقارب الآثار المدمرة الواقعية التي أحدثها هذا الفيروس الصيني/ كورونا حتى الآن. لِنُعاين الكارثة من خلال هذه اللحظة، وحينئذ؛ سندرك حجم جناية هذا الفيروس؛ لأن أبسط ما نراه ـ ويراه الجميع ـ هو أن الحياة في مجراها الطبيعي توقفت، انطبعت الحياة ذاتها بطابع الموت، ليس في مدينة ما، ولا في منطقة ما، ولا في دولة ما، وإنما في معظم دول العالم، بل في قلب العالم، في مصدر حيويته المادية والمعنوية على وجه الخصوص.

مقاومة ومعاقبة النموذج الصيني، مسؤولية الجميع. فهي وإن كانت مسؤولية العالم الأول، فهي أيضا مسؤولية كل دول العالم

ليس سهلا، ولا طبيعيا، أن تُغلق المدن الكبرى المتوهجة بالحياة منذ قرون أبوابها على سكانها، ويظللها الصمت المرعب؛ فتبدو وكأنها خاوية على عروشها إلى أبد الآبدين، ليس سهلا أن تخلو الساحات والمتنزهات والمطاعم والمقاهي والشواطئ من الناس إلا بضعة أفراد كالأشباح العابرة في البيت المهجور، ليس سهلا أن يتوقف نبض الوعي بتوقف التعليم، وبإغلاق الجامعات والمكتبات لأبوابها، ليس سهلا أن تُعلّق الجوامع/ المساجد، والكنائس، والمعابد الكبرى، ومنابر الاحتفال الديني التي تصل النسبي بالمطلق...إلخ كل نشاطاتها، وبالكامل، إلى أجل غير مسمى؛ وكأن المستقبل معلق في فضاء المجهول.

بل ليس سهلا أن تجد نفسك ملزما بالابتعاد حتى عن أقرب الأقربين منك، عن روحك النابضة في أجساد الآخرين، ليس سهلا أن يكون ممنوعا عليك معانقة والديك، واحتضان أولادك، وتقبيل أطفالك، وأن تنعزل بذاتك داخل أسرتك الصغيرة، ثم تنعزل بأسرتك الصغيرة داخل بيتك الصغير عن كل الأقارب والمعارف والأحباب، وكأن ثمة حربا معلنة من الجميع على الجميع؛ من حيث كون الجميع خطرا على الجميع.

إنها حياة كاملة تتوقف على حافة العذاب والقهر والألم والخوف والتوجّس حَدّ الاختناق. والأشد ألما أن هذه الحياة المنكوبة، هذه الحياة المخنوقة، ليست حياة فرد أو حياة عائلة أو حتى حياة شعب، بل هي حياة البشر جميعا على هذا الكوكب الذي بات منكوبا بفعل فيروس صيني؛ حتى أصبحنا اليوم ولا مناطق آمنة، ولا مهرب لهارب، ولا أفق ترتاده الآمال في مثل هذه الأحوال.

An Iraqi health worker sprays disinfecting liquid in the streets of the centre of the southern city of Basra on March 25, 2020,…
عن كورونا والصين والإعجاب العربي بها
إذا كانت تجربة فيروس كورونا مثالا صينيا على نوعية الخسارات الكبرى التي يتكبدها المجتمع والعالم عند غياب استقلال المؤسسات وشفافية صناعة القرار، فإن قبول العراق الدخول في صفقة كبرى مع الصين بذات الغياب في الاستقلال والشفافية، يعني أن الانقياد السهل وراء الإغراء الخادع الذي يمثله النموذج الصيني

وإذا كانت هذه ملامح الكارثة في تفاصيل الحيوات الفردية، فالكارثة فيما وراء ذلك أطول أمدا، وأبعد أثرا، أقصد: الكارثة التي بدأت تطال أهم الاقتصاديات العالمية، فإنها أكبر، وتداعياتها أخطر. اليوم، نجد الشركات والمؤسسات الكبرى بدأت تدخل في نفق المعاناة، والمستثمرين الصغار باتوا على خط نار الإفلاس، والقطاعات المهمة التي لها علاقة بالسفر والسياحة باتت تعاني شبح الكساد الكامل، وملايين العاملين بدأوا يدخلون في قوائم العاطلين. 

ومن وراء كل ذلك، ستتفجّر انهيارات اقتصادية متبوعة باضطرابات، وربما ـ وهو مظنة الاحتمال القوي ـ تحدث مجاعات في كثير من دول العالم، ومَنْ لا تقتحمه المجاعة حتى لا يجد ما يسد به رمقه، فغلاء الأسعار ـ بفعل انهيار الاقتصاديات المنتجة ـ حتمي، ما يعني أن الطبقة الدنيا ومن الطبقة الوسطى، وما دونها، كلها ستعاني ـ بشكل مباشر ـ ويلات الفقر لسنوات...إلخ.

والأنكى من كل ذلك، أن كل يوم يمر يَعِدُ بأسوأ مما يعد به أمسه القريب، وكأنها حرب بدأت؛ ولا أحد يعرف كيف ولا متى ستنتهي. يحدث كل هذا، بينما الصين التي أشعلت نار هذه الحرب، بينما الصين التي هي السبب الأول لكل هذه الكوارث، ولكل هذه الآلام المتضاعفة، ولكل هذا الواقع الأليم، ولكل هذه المخاوف المرعبة التي تتوعد العالم كله بما لم يسبق له أن رآه، تنفض عنها غبار الكارثة، وتُطفئ آخر الحرائق، وتعيد عجلة الحياة إلى سابق عهدها.

مقاومة النموذج الصيني لا بد وأن تكون على كل المستويات، وفي كل الميادين، وعلى امتداد اللحظة، وإلى أجل غير مسمى

بعيدا عن كل نظريات المؤامرة التي ترى في هذا الفيروس الصيني مؤامرة صينية مخطط لها مسبقا، لنبقَ في حدود الثابت اليقيني، فما حدث يقينا يكفي لإدانة الصين وأخذها بجريرة تداعيات هذه الكارثة، إذ لا خلاف على أن الوباء نشأ وبدأ في الصين تحديدا، وسواء نتج عن أسواق اللحوم الرّطبة في ووهان أو عن خطأ في معامل/ مختبرات للفيروسات، فالسبب في كلا الحالين هو الإهمال الصيني، وضعف إجراءات السلامة؛ على الرغم من وجود سوابق وبائية في الصين نفسها؛ كادت أن تتطور لمثل هذه الوباء الحالي.

ثم إن الوباء جرى التكتم عليه رسميا من قِبَل الحكومة الصينية، بل وأكثر من ذلك، تهديد الطبيب الذي حذّر منه في مراحل انتشاره الأولى بالعقاب؛ إن لم يصمت، ثم قمع كل من يفتح فمه في هذا الموضوع. وحتى بعد الاعتراف بوجود الوباء، لم تتخذ الصين الإجراءات اللازمة التي كان من شأنها أن تحد كثيرا من تداعيات هذا الوباء، فهي لم تُحذّر دول العالم منه، ولم تطلعهم على خطورته، ولم توقف رحلاتها الدولية؛ إلا بعد أسابيع من انتشار الوباء دوليا.

إذن، هناك أكثر من جريمة في هذا السياق (مرتبطة بالإهمال اللاّمسؤول على أقل تقدير). هناك ثلاث جرائم متتالية، مترابطة؛ على الأقل. فلو أن الصين منعت مثل هذه الأسواق، وجرّمت تناول مثل هذه الأطعمة المعروفة بكونها بؤرا وبائية، أو لو أنها راقبت الاحتياطات الوقائية في المعامل، ووضعت لذلك اشتراطات صارمة؛ لما ظهر هذا الفيروس أصلا، ثم لو أنها تعاملت معه في مراحل ظهوره الأولى بمنطق الدولة المسؤولة (وليس الدولة الشمولية ذات الطابع السري)؛ لأمكن تدارك الأمر، ومحاصرة الوباء؛ حتى قبل أن يخرج من مدينته الأولى. ولو منعت الصين السفر الدولي مبكرا، وحذّرت العالم منه؛ لما أصبحت كثير من دول العالم المتقدم تعاني منه أشد ما تكون المعاناة، وكأنها معه تحت وطأة أكثر الحروب دمارا.

هذا إهمال متتابع له طابع الإصرار وتعمّد الإضرار، ولا يمكن وضعه في خانة البراءة بحال. فهو وإن لم يكن ـ في حقيقته! ـ تعمّدَ إضرار، فهو تصرّف يتضمّن معنى التعمد والإصرار، ويتحقق هذا المعنى بالنظر إلى حجم الضرر الذي بات يضارع أضرار الحروب الكونية؛ هذا إن لم يتفوّق عليها في بعض المجالات.

انظر إلى ما فعله هذا الوباء بإيطاليا، أو إسبانيا، أو ما فعله بالولايات المتحدة؛ فضلا عن بقية الدول المتضررة ضررا بالغا، أو التي في طريقها للدخول في جحيم المعاناة. تأمّل، لو أن الصين شَنّت حربا عسكرية عليهم؛ لم يصل حجم الضرر الذي يمكن أن تُحْدِثه إلى بعض ما هو واقع الآن. هذا على مستوى الضرر المادي المباشر، أما التداعيات الصحية والمعنوية، وما يتعلق بها من متغيرات جذرية في طبيعة الحياة، فهذه يصعب حصرها وتحديد مستويات الدمار فيها.

هذا إهمال متتابع له طابع الإصرار وتعمّد الإضرار، ولا يمكن وضعه في خانة البراءة بحال

لكل هذا، لا يجوز ـ بأي حال، وتحت أي مبرر ـ أن يتعامل العالم مع الصين عام 2021؛ كما كان يتعامل معها عام 2019، لا يجوز أبدا أن تخرج الصين من هذا الوباء كما دخلت؛ فضلا عن أن تخرج بمكاسب فارقة (متعلقة بموازين القوى، وحسابات الاقتصاد)؛ كما هو المتوقع الذي بدأت ملامحه في التحقق الآن.

يجب التصدي للنفوذ الصيني وللنموذج الصيني بقوة، وبتكاتف دولي واسع النطاق. من غير المعقول، كما أنه من غير المقبول، أن تتسبب السياسات الصينية الخرقاء، واللإّنسانية، بكل هذا الدمار الكوني، وأن يُنْشِب فيروسها اللعينُ أنيابَه في شرايين العالم المتقدم وأوْرِدَتِه، فضلا عن بقية العالم، ثم لا يفعل هذا العالم المُعْتدَى عليه شيئا تجاه المسؤول الأول عن كل هذا الدمار المستطير!

مقاومة ومعاقبة النموذج الصيني، مسؤولية الجميع. فهي وإن كانت مسؤولية العالم الأول ـ بحكم ما يمتلكه من نفوذ/ قوة/ قيادة عالمية ـ، فهي أيضا مسؤولية كل دول العالم، بل وكل شعوب العالم؛ حتى إن المسؤولية لتقع على عاتق كل فرد بما يستطيع.

وحيث إن مقاومة ومعاقبة الصين/ النموذج الصيني هي مسؤولية دول ومؤسسات وأفراد، فالمقاومة والمعاقبة لا بد وأن تكون على كل المستويات، وفي كل الميادين، وعلى امتداد اللحظة، وإلى أجل غير مسمى؛ حتى يتمكن العالم من تحطيم هذا النموذج، أو على الأقل، محاصرته وتعقيمه (من العقم)، ومنعه من التناسل: التمدد سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا، ولا سيما التمدد الثقافي (ترويج النموذج) حيث هو التمدّد الذي يحمل في طياته ما هو أعظم خطرا من هذا الفيروس.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.