An Iraqi health worker sprays disinfecting liquid in the streets of the centre of the southern city of Basra on March 25, 2020,…

وضع فيروس كورونا والأزمة العالمية التي تمخضت عن انتشاره الصين على طاولة الاهتمام العالمي، نقدا وإطراءً، بسبب طريقة تعاطيها مع الفيروس. في أوساط عربية كثيرة، بدا أن أحاسيس الإطراء هي المهيمنة، وتمحورت حول ما اعتبر أداءً استثنائيا صينيا في مكافحة الفيروس ومحاصرته مثل عمليات التعقيم والعزل الواسعة التي شملت كل شيء تقريبا في مدينة ووهان مركز الوباء وبناء مستشفى كامل خلال بضعة أيام مخصص لإيواء المصابين بالفيروس وتفان عالٍ لكادر طبي في علاج المصابين، وصولا إلى السيطرة على الفيروس ومن ثم مد الصين يد العون للبلدان الأخرى التي انتشر فيها الفيروس.

عبر هذا كله، ظهرت الصين بوصفها النموذج المُفتقد عربيا: بلد يواجه مصاعب جمة بينها تشكيك وتآمر غربي مفترض ضده. لكنه يتعالى على جراحه بالاعتماد على نفسه، ليقف على قدميه وينتصر، بعد كفاح طويل وشاق، على هذه الصعاب. من خلال هذا، يُقدم البلد نموذجا مخلصا على الكفاءة المؤسساتية والتنظيم العالي والحس الإنساني تظهر حصيلتها النهائية في إنجاز كبير وواضح وملموس. 

هذه هي باختصار السردية الصينية في مواجهة فيروس كورونا التي تلقى رواجا عربيا واسعا. كمعظم السرديات الشائعة عن الجماعات، تدور هذه السردية في أغلبها حول الذات وليس حول الواقع، فمهمتها هي الدفاع عن الذات وتمجيدها ضد آخرين متحاملين عليها ويستهدفونها دوما بدون وجه حق، بدل فهم الواقع على نحو موضوعي ومكانة هذه الذات في هذا الواقع وتأثيرها الحقيقي فيه.

على المدى البعيد، يؤدي إصرار السلطة على رفض الانفتاح السياسي ومقاومة التحول الديمقراطي إلى صدامات شديدة بين المجتمع والسلطة

الإطراء العربي الواسع على الأداء الصيني لا يتصل كثيرا بالواقع، وعلى الأخص واقع فيروس كورونا، وإنما يتصل بتضامن أيديولوجي ونفسي عربي طويل الأمد مع الصين، لأن هذه الأخيرة، عبر سرديتها للذات، تتشابه مع سردية المظلومية العربية للذات ناقصا الفشل الذي وقعت في شراكه الذاتُ العربية وأفلتت منه الصين. 

في المخيلة السردية العربية عن الذات، نجحت الصين تاريخيا فيما فشل فيه العرب رغم تشابه الظروف، إذ استطاعت أن تنهض من ركام الفشل الاقتصادي والشلل الأيديولوجي لتبني نموذجا اقتصاديا وتكنولوجيا مبهرا تتحدى عبره هيمنة الغرب على العالم وتجبره على الاعتراف بها شريكة مهمة في رسم السياسات والتوجهات الكبرى التي تقود العالم في مجالات الاقتصاد والسياسة والمعرفة. 

الأهم عربيا، في النموذج الصيني، هو هذا الانتصار المفترض على الغرب، والقدرة على التعامل معه بندية حقيقية لم يستطع تحقيقها ذات يوم العرب الحالمون بانتصار وندية عربيتين شبيهتين إزاء "خصمهم التاريخي" المتمثل بالغرب. 

الصين إذن تنتقم للعرب من خصمهم العنيد والقوي الذي هزمهم مرارا وترغم هذا الخصم على الإقرار بقوتها واحترام وقائع هذه القوة. إنه التماهي النفسي العربي مع انتصارات الآخرين المتخيلة ضد خصم متخيل أيضا.

كحال السرديات المريحة التي تصنع ذواتا مظلومة وتتمترس حول الثنائية المعتادة بلوم الآخر على الظلم وإعفاء الذات عن المسؤولية، تشكل حقائق الواقع، بدون اجتزاء أو انتقاء، تحديا مقلقا للرصانة المفترضة في هذه السرديات. فتتبع الحقائق الكثيرة المتعلقة بكورونا منذ بدئها الصيني حتى لحظتنا الحالية عندما أصبح الفيروس وباءً عالميا عابرا للحدود وهازما للحكومات ومخيفا للشعوب يرفع عن السردية الصينية، بالتعاطف العربي معها، صفة النبل البريء الذي تحاول أن تتقمصه. 

لو تصرفت الصين، كدولة، بمسؤولية أخلاقية وشفافية مؤسساتية، لما شهد العالم على الأغلب هذه الأزمة الكبرى، بكل ما تعنيه من قلق مريع وموت كثيف وعناء متواصل يعلن عن نفسه عبر شلل الحياة العامة واقتراب منظومات صحية وطنية من الانهيار وتراجع الاقتصاد العالمي. 

تصرفت الدولة الصينية إزاء الفيروس بالحس الاستبدادي الذي يطبع الأنظمة القمعية حيث ينتصر الاعتداد الوطني المزيف على الإقرار بالوقائع السيئة المناقضة لهذا الاعتداد. كانت السمعة أهم من الحقيقة ومن هنا كان الإنكار الصيني المبكر للوقائع المقلقة بخصوص انتشار الفيروس ومعاقبتها الشجعان القليلين الذين كشفوا هذه الوقائع، ثم تزييفها الحقائق المتعلقة بالفيروس عبر تقديمها معلومات مضللة للمجتمع الدولي بخصوصه إلى حد ادعائها أن الفيروس لا ينتقل بين البشر!

في آخر المطاف، لعبَ ضغط الرأي العام الصيني والدولي والانتشار الواسع للفيروس داخل الصين وخارجها بالضد من التأكيدات الرسمية المبكرة الصينية دورا أساسيا في إقناع الدولة الصينية بضرورة ابتلاع قلق السمعة لصالح الإقرار بمرارة الواقع. 

لو تصرفت الصين، كدولة، بمسؤولية أخلاقية وشفافية مؤسساتية، لما شهد العالم على الأغلب هذه الأزمة الكبرى

منذ لحظة الإقرار تلك، تغير السلوك الصيني إيجابا في التعاطي مع الفيروس. لكنه كان إقرارا متأخرا على نحو فادح. أضاعت الصين على نفسها والعالم نحو شهرين ثمينين كلفا الجميع، صينيين وغيرهم، كثيرا جدا إنسانيا واقتصاديا. على الأغلب كان بالإمكان تجنب هذه الأزمة العالمية والخسارات والمرتبطة بها لو أقرت الصين بالحقائق مبكرا وتصرفت بمسؤولية إزاءها. ساهم أيضا التقاعس الأوروبي، خصوصا الإيطالي منه، والأميركي، فيما بعد، في التعاطي الجدي مع ظهور الحالات المبكرة للإصابات بالفيروس في صناعة هذه الأزمة.

تنطوي قصة "النجاح" الصيني على توليفة نادرة وغريبة بين منح حريات اقتصادية واجتماعية للمجتمع وحرمانه من الحريات السياسية والمأسسة القانونية لها. نتيجة هذه التوليفة المصطنعة هي ما نشهده اليوم، فالصين عملاق اقتصادي بآفاق واعدة هائلة يديرها استبداد سياسي أناني وقصير النظر. 

بمستطاع هذه التوليفة أن تنجح مؤقتا، إذ يمكن للاستبداد السياسي، عبر الاستقرار الأمني ومركزية القرار فيه، أن يوفر أجواءً مناسبة لتطبيق سياسات تحرير الاقتصاد وتنويع موارده، كما حدث في بلدان آسيوية وأميركية لاتينية ليس لها إرث ديمقراطي عريق. 

لكن على المدى البعيد، يؤدي إصرار السلطة على رفض الانفتاح السياسي ومقاومة التحول الديمقراطي التدريجي، بما يشترطه الاثنان من استقلال المؤسسات وشفافية صناعة القرار، إلى صدامات واحتقانات شديدة بين المجتمع والسلطة. 

فيروس كورونا مثال صغير على مثل هذه الاصطدامات التي ستزداد بمرور الزمن إذا ظل النظام السياسي الصيني مغلقا من دون تحديث ديمقراطي جاد.

عراقيا، يتمحور الإعجاب بالصين حول نجاحها الاقتصادي وتحديها السياسي المضمر للغرب. لم يكن هذا الإعجاب الشعبي بعيدا عن الثقة السياسية الساذجة التي أظهرتها الحكومة العراقية في سبتمبر 2019 عندما زار الصين وفدا رسميا عراقيا كبيرا برئاسة رئيس الوزراء حينها عادل عبد المهدي لعقد اتفاق عراقي ـ صيني ضخم، ما يزال غير واضح المعالم. 

تمحور الاتفاق المفترض حول استعداد الصين إعادة تأهيل البنية التحتية العراقية في مجالات كثيرة كالمواصلات والطاقة والتعليم والاتصالات والصحة وغيرها مقابل إعطاء العراق للصين نفطا، نحو مليون برميل يوميا كما أشيع واسعا، على مدى أعوام طويلة مقبلة تصل إلى عشرين عاما. 

احتفى كثيرون في العراق، خصوصا حلفاء إيران، بهذه الصفقة الضخمة والمجزية واعتبروها بديلا مناسبا عن الاعتماد على أميركا "الشرهة" و"المُستغلة" التي تُضمر شرا بالعراق بعكس الصين "المتفانية" صاحبة النوايا والسلوك الطيب نحو الدول الضعيفة والمحتاجة! 

عبر هذا التخريج الأيديولوجي الانتقائي لصفقة كبرى تعوزها الشفافية، لم تمر بالمؤسسات العراقية المختصة ولم يطلع عليها الرأي العام العراقي، أصبحت الصين، في المخيال الأيديولوجي للكثيرين، منقذا للعراق من المخالب الأميركية.

فيروس كورونا مثال صغير على الاصطدامات التي ستزداد بمرور الزمن إذا ظل النظام السياسي الصيني مغلقا من دون تحديث ديمقراطي 

في آخر المطاف، أطاحت احتجاجات أكتوبر العراقية بالصفقة الصينية والحكومة التي عقدتها. مع ذلك تحولت هذه الصفقة، بعد فشلها في أن تتحول إلى واقع اقتصادي، إلى استثمار أيديولوجي فج لمجاميع سياسية وشعبية مناهضة للاحتجاج اعتبرت عقد هذه الصفقة، بما تعنيه من خسارة أميركا للعراق لصالح الصين، السبب الرئيسي الذي دفع أمريكا إلى إشعال الاحتجاجات في العراق من أجل إفشالها!

على الأكثر، ماتت الصفقة الصينية ـ العراقية إذ يبدو أن الأحداث العراقية تجاوزتها، لكن خطر العقلية السياسية التي دفعت العراق إلى الدخول في مثل هذه الصفقات المريبة ما زال حاضرا. 

إنها العقلية التي تستسهل اتخاذ قرارات مصيرية يمتد أثرها لأجيال مقبلة، من دون تمحيص كاف أو اعتبار للشفافية الإدارية والرقابة المؤسساتية والشعبية التي يقوم عليها أي نظام ديمقراطي. 

إذا كانت تجربة فيروس كورونا مثالا صينيا على نوعية الخسارات الكبرى التي يتكبدها المجتمع والعالم عند غياب استقلال المؤسسات وشفافية صناعة القرار، فإن قبول العراق الدخول في صفقة كبرى مع الصين بذات الغياب في الاستقلال والشفافية، يعني أن الانقياد السهل وراء الإغراء الخادع الذي يمثله النموذج الصيني يُعد خطرا حقيقيا يعيق بناء تجربة دولة مؤسسات رصينة، ليس فقط في العراق، بل في العالم العربي أيضا.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.