Medical staff carry a patient infected with the novel coronavirus (Covid-19) in an emergency vehicle at the Saint-Jean train…
فريق طبي ينقل مريضا بفيروس كورونا في بوردو في فرنسا

قال الشاعر المهجري الكبير إيليا أبو ماضي ذات يوم:
إذا ألقى الزمان عليك شرا                  وصار العيش في دنياك مرا
فلا تجزع لحالك بل تذكر                   كم أمضيت في الخيرات عمرا
    
أمام جائحة مثيرة للذعر مثل كورونا، انقسم الناس إلى صنفين، سألخص معالمهما عبر نموذجين من البشر صادفتهما شخصيا. النموذج الأول هو شخص فارع الطول، متين البنيان، قابلته وزوجتي على "مسافة أمان اجتماعي" كافية ونحن نتسوق بعض الأغذية في سوبرماركت غير مزدحم. كان الرجل يضع كمامة لم أر مثيلا لها في حياتي سوى في أفلام الخيال العلمي، كمامة تشعرك بأنها مزيج من جهاز غطس تحت الماء وجهاز تنفس لرائد فضاء، ربما ذكرت بتوم هاردي في شخصية الشرير في فيلم باتمان "الفارس الأسود ينهض". 

كان الرجل يدفع عربة تسوق محملة بكميات ضخمة من المواد الغذائية والمعلبات والمحارم الورقية، محاولا تجنب الدنو من أحد رغم اتساع ممرات السوبرماركت وخلوها نسبيا من الزبائن. رمقنا حين مررنا بجانبه على مسافة واسعة بنظرة يملؤها التوجس والرعب، لأننا لم نكن نلبس كمامتين، بما أننا لم نعان من آثارٍ للمرض تجعلنا نعمد لوقاية الآخرين. عدنا أدراجنا لالتقاط غرض نسينا تناوله، بحيث واجهنا بمحض الصدفة ذلك الرجل العملاق. ارتاع وارتعد، رغم وجود مترين يفصلاننا عن بعضنا، وحاول الفرار منا، فاصطدمت عربته برفوف البضائع المكدسة في السوبرماركت بحيث كاد أن يوقعها، وغمغم متمتما بكلام غير مفهوم وهو يولي هاربا كأن "كورونا" تجسد له في كيانينا.  إذا كان رعب الرجل ذي الكمامة العجيبة من الفيروس بهذا القدر، أتساءل لماذا لم يلتزم بمبدأ "خليك بالبيت"؟

النموذج النقيض لذلك الرجل ذي الكمامة العجيبة هو جارتنا التي تبلغ السبعين من العمر، والتي تخشى على حياتها من فيروس كورونا لأسباب صحية متعددة، وتحرص حرصا مبالغا على عدم الاحتكاك بأحد من الجيران، وبالأخص أطفالهم الذين دأبت في السابق على رعايتهم. 

حيرتنا النظريات الصادرة عن أطباء وجامعات ومراكز بحث ذات شهرة عالمية

بعد بحث دؤوب، عثرت جارتنا المسيحية الورعة ذات يوم في إحدى الصيدليات على قناعين لها ولابنتها، وتكبدت ثمناً غالياً لهما بالرغم من دخلها المحدود. سألتها عندما صادفتها بعد أيام في الرواق لماذا لا ترتدي قناعاً طالما هي خائفة من الفيروس. أجابتني بكل بساطة إنها تبرعت بالقناعين للمستشفى الذي يعمل فيه جارنا الطبيب، لأن الأطباء والممرضات هناك لا بد أن يكونوا بحاجة للقناعين أكثر منها ومن ابنتها اللتين لم يداهمهما المرض بعد. 

موقف نبيل جمدني وجعل الدمع يترقرق في عينيَّ. لم يدفع الخوف من الموت جارتي المسنة إلى السلوك الأناني، بل جعلها تقدم مصلحة البشر على مصلحتها الخاصة، وتفعل خيرا لوجه الله دون أن تؤثر السلامة الشخصية. ذكرتني جارتنا بالمثل الشعبي الشائع: "يللي يخاف من العفريت، يطلع له". والعفريت ـ كما يبدو لي ـ لا يطلع لفاعلي الخير، بل لأولئك الأنانيين، الحريصين على ذواتهم وحسب.

من الطبيعي أن ينقسم العالم في أوقات الأزمات إلى فئات متباينة، بل متناقضة، إن لم نقل متناحرة. بعض الناس يسلم قدريا بالكارثة على مبدأ "لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا". بعضهم الآخر يحلل علميا أسباب الكارثة، سواء كانت فعلا إرهابيا أم وباءً انتشر كجائحة وخلف آلاف الضحايا. 

بعض الناس يهرع لشراء الفائض عن حاجته ليكدسه في قبو أو مستودع دون أن يفكر بحاجة الآخرين. بعضهم الآخر يصل به الجشع لأن يحتكر بضائع مطلوبة ويتاجر بها بأنانية ودناءة، متجاهلا كل عرف أخلاقي ـ وهؤلاء استحقوا فعلا أن تطالهم يد القانون وتعاقبهم على ما اقترفوا. أخيرا، هناك قسم لا يستهان به من الناس يفسر كل ما يجري انطلاقا من "نظرية المؤامرة".

دعونا نتذكر كم من النظريات ظهر عند مصرع الرئيس الأسبق جون كينيدي، وكم من النظريات تردد عند مصرع الأميرة ديانا، وكم من النظريات شاع بعد هجوم 11 سبتمبر الإرهابي. في العام 2020، ها نحن نشهد ظاهرة غير مسبوقة خلال ما يزيد عن قرن من الزمان، هي ظاهرة جائحة كورونا، التي كانت بؤرتها مدينة ووهان الصينية، ثم انتشرت في العالم بأسره، مخضعة العالم بأسره إلى تبعات كارثة اقتصادية مخيفة، وناشرة الخوف في الدول المتقدمة والنامية معا.

حيرتنا النظريات الصادرة عن أطباء وجامعات ومراكز بحث ذات شهرة عالمية. لا أحد بإمكانه الجزم إذا كانت كل المعلومات المتداولة بغزارة على شبكات التواصل الاجتماعي صحيحة أم مختلقة. حين يعلن تقرير عن اكتشاف علاج ناجع في أوله أنه صادر عن "ستانفورد" أو "جونز هوبكنز" أو "وزارة الصحة الفرنسية" أو "شركة روش"، نصغي بكل جوارحنا دون تدقيق، متعلقين بأهداب الأمل في النجاة بأرواحنا. 

لكن الغريب في الأمر أن أصحاب النظريات المختلفة، يتصادمون مع بعضهم ليحبطوننا مرةً تلو الأخرى! هذا يؤكد نجاعة علاج مكتشف، وذاك يشير إلى احتمال وجود آثار جانبية مؤذية للقلب والكبد. هذا يدعو إلى استخدام بخار الماء لقتل الفيروس، وذاك يحذر من خطر الأكياس المائية في الرئة. هذا يحظر استخدام دواء معين، وذاك يروج له. 

هذا يفتي باختراع لقاح على الخريف القادم، وذاك يؤكد أن الأمر يحتاج إلى 18 شهرا. هذا يزعم أن الفيروس نجم عن أكل مزيج من الخفاش والثعبان (وربما التهام آكل النمل الحرشوفي أيضا)، وذاك يؤكد أنه نجم عن خطأ مخبري خلال تجارب على الفيروسات أو نتيجة هرب خفاش من مختبر بالقرب من السوق المشؤوم في ووهان. 

إحدى أغرب نظريات تفسير جائحة كورونا في العالم هي نظرية شخص بريطاني يدعى ديفيد آيك، وقد أطلق عليها للتوضيح اسم سلسلة أفلام "ألعاب الجوع".

رغم شهرة ديفيد آيك في بريطانيا كصاحب نظريات مؤامرة متعددة، وبالرغم من كونه ألف 21 كتابا، صنع 10 أفلام تسجيلية، وحاضر لمدة عشر ساعات متواصلة في ملعب ويمبلي، فإن الصالح يختلط بالطالح في كلامه، ويمتزج العلم بالوهم. دون شك، يتمتع ديفيد آيك بكاريزما وقدرة على الإقناع، لكن خياله الجامح ينفي خطر الفيروس إلا على نسبة محدودة من البشر ممن يعانون من نقص المناعة. 

يرى آيك ـ وتلك فكرة معقولة ومقبولة ـ أن واجب الحكومات القيام بعزل نسبة ضئيلة من المهددين بخطر الموت ومعالجتهم، بينما يُترك 80 في المئة من الباقين يقاومون أعراضا معتدلة لا تختلف عن أعراض الأنفلونزا. يتحدث آيك عن جماعة سرية تشكل 1 في المئة فقط من سكان العالم تضخم أسطورة الجائحة وتستغلها لتتحكم خفيةً بغالبية البشر، مستخدمة قوى الأمن والجيش والإعلام لإخضاعهم. تهدف تلك النخبة الشريرة إلى تدمير النظام الاقتصادي القائم واستبداله بنظام جديد. لا يعفي الرجل من اتهاماته منظمة الصحة العالمية وإن كان يصبها على بعض العائلات الثرية الساعية ـ حسب رأيه ـ لفرض سيطرة "الذكاء الاصطناعي" على العالم وإدارته بديكتاتورية على طريقة الأنظمة الشمولية.

"لا داء بلا دواء،" ومهما طال الزمن لا بد أن يكتشف مصل يقي الإنسان من كورونا

لدي شغف بالروايات والأفلام المشوقة التي تعتمد على نظرية المؤامرة. أحب تلك الأفلام التي تثير الخيال وتجعل المتفرج يجلس متشوقا على حافة مقعده، فضلا عن أفلام الخيال العلمي بما تتضمنه من إسقاطات رمزية. 

أستمتع بقراءة روايات دان براون، صاحب "شيفرة دافنشي"، وبالأخص روايته "الجحيم" التي تحكي عن محاولة متعمدة لنشر وباء يفني الملايين ـ ربما انطلاقا من "نظرية مالتوس" البريطانية ـ وذلك بهدف تقليص عدد سكان العالم كي تكفي نخبة من الأحياء موارده الطبيعية. 

لكن التشويق الذي يمتعنا ويحرض خيالنا بمؤامرات متنوعة للسيطرة على العالم سياسيا واقتصاديا، كما في أفلام جيمس بوند، لا يلغي حقيقة تلك الفيديوهات المثيرة للاشمئزاز التي شاهدناها تصور التهام حيوانات حية، والأسواق التي تبيع مأكولات مقرفة لا بد أن تسبب ألف علة، إضافة إلى المصانع الضخمة في العالم الغربي التي يشاع قيامها بطحن الحيوانات والطيور بجلدها وعظمها وريشها وأحشائها لتصنيع أغذية معلبة ومحفوظة.

رغم حجم الكارثة التي تعصف بالعالم في 2020، تاركة آثارا اقتصادية واجتماعية مريعة، علينا أن نتعامل مع الوباء بواقعية وشفافية ومصداقية، مؤمنين أنه "لا داء بلا دواء،" وأنه مهما طال الزمن لا بد أن يكتشف مصل يقي الإنسان من كورونا، ولنتذكر ثانية أبيات قصيدة إيليا أبو ماضي:
وإن ضاقت عليك الأرض يوما                 وبتَّ تئن من دنياك قهرا
فرب الكون ما أبكاك إلا                       لتعلم أن بعد العسر يسرا

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.