A Lebanese fisherman fixes his fishing net after the authorities allowed them to work with protective measures against the…
صياد أسماك يجهز شبكته بعد السماح السلطات اللبنانية للصيادين بالعمل

استكمل فيروس كورونا ما بدأته الهزة التي أصابت لبنان منذ ظهور مفاعيل الأزمة الاقتصادية. حصل ذلك على وقع زلزالين متصلان، الثورة الاحتجاجية في 17 أكتوبر وإعلان رئيس الحكومة، عمليا، إفلاس الدولة اللبنانية. وهذه النتيجة الطبيعية لنمط الحكم الفاسد والمتوحش الذي ساد في السنوات الأخيرة.

فما هي خصوصيات الوضع الاجتماعي والاقتصادي؟

لم نعتد في لبنان إثارة موضوع الضرائب التصاعدية، التدبير الأساسي للحد من اللامساواة، إلا فيما ندر. فالضرائب في لبنان موحدة للجميع تقريبا، ناهيك عن التهرب الضريبي. في الوقت التي تذهب فيه دول العالم الأول، إلى المزيد من "المساواتية"، تغرق بلادنا أكثر فأكثر في أنواع اللامساواة والتمييز، بحيث صار لدينا طبقة من الذين لا يمسون (untouchable)، الذين يمكنهم ممارسة أي مخالفة أو جريمة دون محاسبة.

للأوروبيين حساسية شديدة تجاه "اللامساوة" أو كل ما يتسبب بالمزيد من الفروقات. كل ما يساهم بتفاقمها في المجتمع يثير الاشمئزاز أكثر فأكثر. فالاتجاه العام يمضي نحو عالم أكثر حرية وأكثر عدلا وإنصافا.

بحسب أحد أعداد مجلة العلوم الإنسانية، تم إنجاز الكثير من "تسوية" الفروقات، إذا أمكن القول، في النصف الثاني من القرن العشرين. ففي مايو 1968 كان الكادر يجني أربع مرات أكثر من العامل. وفي العام 1984 أصبح يجني 2،7 أكثر. ووصل في النصف الأول من الألفية إلى 2،5 مرة فقط. 

في لبنان تضخمت أعداد المتضررين من تعطل الحياة العامة تماما، وسيتضخم طابور العاطلين عن العمل

ينتقل البحث عن اللامساواة إلى مواضع أخرى، على مستوى النوع والعمر والصحة ومكان السكن والمدرسية. تحولت النظرة إلى أنواع اللامساواة في عيني السوسيولوجيين، ولم يعد الحديث يتم عن "فقر" بل عن "أنواع ودرجات الفقر". 

الفقر لا يتعلق بالمدخول بل بشروط الحياة وبالشروط الذاتية، أي كيف ينظر الشخص إلى نفسه، فقد لا يكون فقيرا بمعايير معينة (مسكنه معقول ويعمل ويؤمن مدرسة لأطفاله) ومع ذلك يجد نفسه فقيرا عندما يقارن حياته بما يعرض أمامه! وليس أدل على ذلك من حركة السترات الصفراء في فرنسا دولة الرعاية بامتياز.

ويجد توماس بيكتي أن التغير الأساسي الذي حصل في فرنسا في القرن العشرين هو اختفاء أصحاب الدخل المرتفع أو الملاكين ذوو البطالة. ومرت فرنسا في مطلع القرن العشرين، من مجتمع تأتي المداخيل المرتفعة فيه من الرأسمال، إلى الوقت الراهن حيث المداخيل المرتفعة تأتي من العمل. 

ولم يكن هذا نتيجة تطور طبيعي بل بسبب أزمات بداية القرن ومنها أزمة 1929 الاقتصادية والحربين العالميتين. فبعد أن ظلت الأسعار ثابتة من العام 1815 وحتى العام 1914. تغيرت بين العام 1914 والعام 1950 فتضاعفت 100 مرة. مع هذا التضخم القوي خسر أصحاب الرساميل عمليا كل شيء.

ماذا عن لبنان؟ في محاضرة بعنوان "الحد من اللامساواة" في ندوة بيت المستقبل: "المسألة الاجتماعية في زمن التقشف"، انطلق الباحث الاقتصادي كمال حمدان في مداخلته من سؤال: هل أفلس البلد؟ مؤكدا أن الدول لا تفلس. ما يحصل هو تحولات تطرأ على البنية الاجتماعية ووضع الموجودات وعلى قطاع العمل؛ فيهتز القطاع الخاص وتنشأ معالم مرحلة اجتماعية جديدة. لبنان يقع في خضمها الآن وستنطوي على تبدلات اجتماعية عميقة مع معاناة حادة.

على مستوى الماكرو اقتصاد يحصل انخفاض في الإنتاج المحلي من 10 إلى 15 في المئة. ينتج عنه انخفاض حاد في إيرادات الدولة. بدأ ذلك منذ الربع الأخير من العام 2019، مع الأزمة النقدية. للمرة الأولى في لبنان صار للدولار أكثر من سعر (سعر صرف رسمي وسعر نصف رسمي وسعر السوق). وفي المقارنة مع أعوام الثمانينيات حين ارتفع سعر الدولار 1000 مرة (من 3 ليرات إلى 3000 ليرة) لم تحصل مثل هذه الأزمة. إذ كان وضع المصارف متينا مع سيولة تبلغ 90 في المئة. أما الأن فلديها 7 في المئة سيولة فقط لأنها وضعت أموالها في مصرف لبنان و"تبخرت".

تحول الاقتصاد منذ 1995 إلى اقتصاد من النمط الريعي عنوانه العريض: الزواج بين المصارف وأركان الدولة. المصارف لديها المال والدولة عاجزة، أعطونا المال مقابل سندات خزينة ويوروبوند. وكي تحمي الدولة المصارف، تكرمت عليها بالأموال، عبر مصرف لبنان، على شكل هندسات مالية. في سلسلة حلقات جهنمية للدورة المالية حيث يسرق جزء منها في كل مرة.

انعكس كل ذلك على الوضع الاجتماعي، على خلفية مترسخة للامساواة. فهناك تفاوت هائل في الدخل واستقطاب كبير في توزيع الثروة: 1 في المئة من السكان يملكون ما بين 40 و45 في المئة من الثروة. الباقي يتوزع على حوالي 3 ملايين مودع.

في 1960 كان 4 في المئة من السكان يملكون ثلث الدخل، وكنا نتحدث عن اللامساواة. الآن 1 في المئة يملكون ربع الدخل. قبل الحرب كانت جميع الأجور تشكل 40 في المئة من الناتج المحلي، ومع السياسات المتعاقبة أصبحت الآن 25 في المئة من الناتج. وأكثر ما تظهر اللاعدالة عند الأجراء، الذين يشكلون 55 أو 60 في المئة من مجموع العاملين (ربعهم قطاع عام والباقي قطاع خاص). حصل القطاع العام ما بين 1996 و2008 و2017 على 3 تصحيحات للأجور. القطاع الخاص لم يحصل على التصحيح الثالث.

هناك 2400 أجير في وضع مخيف إذا عاينا حاجاتهم (ما بين غذاء وصحة وتربية وكهرباء وماء وهاتف ومنزل..). بينما بنية الأجور للفئة المسجلة في الضمان (ويقدر عدد المكتومين بـ 70 ـ 75 في المئة من الأجور المصرح عنها)، تتراوح ما بين 1 مليون ونصف المليون إلى مليون و800 ألف ليرة شهريا. بالتالي فإن الوضع الاقتصادي لهؤلاء هش جدا.

بيّن المسح الذي أجراه البنك الدولي عام 2018، أن نسبة البطالة في الأعمال غير النظامية (informal) أكثر من 50 في المئة من العاملين الذين لا ضمان لديهم وغير مسجلين في المالية، ولا نعرف كيف يعيشون دون مساعدات على أي مستوى. وهذا ما يضعف فكرة الدولة نفسها، التي صرفت منذ التسعينيات وحتى الآن: 240 مليار، صرف منها كاستثمار في المرافق العامة ما بين 7 إلى 8 في المئة. الباقي صرف كخدمة دين وكهرباء، والمحاصصة والفساد التي استهلكت أكثر من 50 في المئة منها.

تطور وضع النسق الاقتصادي في لبنان معتمدا على تهجير الشباب، أي تصدير الموارد البشرية والاكتفاء بالمفاعيل المالية الناتجة. يهاجرون ويرسلون المال إلى المصارف في لبنان. كما اعتمد على الصادرات من خدمات وترفيه وصحة. لكن التحويلات توقفت في العام 2019.

من مؤشرات انعدام العدالة: احتكار ما بين 4 إلى 5 آلاف مؤسسة ما بين 70 إلى 80 في المئة من الاقتصاد. بينما 92 في المئة من بين 200 ألف مؤسسة لديها أقل من 5 عمال. و100 ألف مؤسسة هي مؤسسات فردية (one man show). كل ذلك ينعكس على اللاعدالة الاجتماعية.

لم نعتد في لبنان إثارة موضوع الضرائب التصاعدية، التدبير الأساسي للحد من اللامساواة، إلا فيما ندر

أمام أزمة كورونا، بدأت الدول تتخذ التدابير اللازمة لمساعدة الاقتصاد من ناحية ولمساعدة الأسر الأكثر احتياجا والتي توقفت عن العمل بسبب الوباء.

في لبنان تضخمت أعداد المتضررين من تعطل الحياة العامة تماما، وسيتضخم طابور العاطلين عن العمل. كيف سيعيش هؤلاء وكيف سيؤمنون تكاليف الغذاء والدواء والطاقة وإيجار المنزل وغيرها من الفواتير المضاعفة التي يدفعها اللبناني؟

هل ما تقترحه الدولة اللبنانية من مبلغ مقطوع سيفي بالحاجة؟ وهل سيصل إلى المحتاجين الفعليين؟ أم إلى المحاسيب في دولة الزبائنية.؟

لفت نظري ما سجله بيكتي من أن تضييق شقة اللامساواة بين المداخيل لم تتم إلا عبر العنف في القرن العشرين، وليس بواسطة التصويت الانتخابي الوادع.

وفي هذا السياق قد تنجح الثورة، ما بعد كورونا، بتحقيق ما جاء في مقال باسكال ضاهر حول الديون البغيضة التي راكمتها الحكومات المتعاقبة على لبنان: "إنّ الديون تمثل الحكومة وليس الدولة التي تعني الأرض وليس الكيان الحكومي المحدد. وهذه الديون البغيضة يتم التعاقد عليها واستخدامها في أغراض يعرف المُقرض أنها تخالف احتياجات ومصالح الأمة، ومن صورها الزيادة في ثروات القابضين على النظام في البلد المعني، مقابل الزيادة المطردة في نسبة الفقر في هذا البلد. حينها يكون هذا الدين غير ملزم للأمة بل هو دين مترتب على النظام، أي هو دين شخصي تعاقد عليه الحاكم ليس إلاّ".

أمام الثورة مهمة تحرير لبنان ممن صادروا سيادته وسرقوا ثرواته، مع فرض نظام ضريبي عادل ليؤمن شيئا من العدالة الاجتماعية.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.