The Sovran family stands outside their front door shining flashlights towards their nearest hospital during the first night of …
عائلة تحمل مصابيح يدوية لتوجه تحية للعاملين في مستشفى قريب في ميتشغان

لم يبلغ الوباء ذروته بعد، والتوقعات أن الأسابيع المقبلة سوف تكون صعبة في الولايات المتحدة، رغم الطاقات الواسعة المتوفرة لمواجهة المستجدات، ورغم الإمكانيات المالية الفائقة، والتي جرى للتوّ وضع البعض منها موضع التنفيذ، بشكل ضخ نقدي غير مسبوق للمواطنين والشركات من أجل التخفيف من وطأة الخسارة في الدخل والعائدة إلى الانقطاع غير المتوقع عن العمل. 

وإذا كان ثمة تقصير قد وقع في المراحل السابقة، فإن كافة السلطات في الولايات المتحدة، من الحكومة الاتحادية وحاكميات الولايات إلى مجالس المقاطعات والبلديات تندفع اليوم للأداء الناجع.

على أن قوة الولايات المتحدة وثروتها لن تعفيها من المرتقب: عشرات الآلاف من الموتى، واستنزاف خطير للاقتصاد لا سبيل اليوم لتصور شكله ومداه وأثره على الحياة اليومية في المستقبل المنظور.

قد لا تكون الولايات المتحدة، بحكم نظامها السياسي القائم على لامركزية إدارية راسخة على مدى المكان وعمق الزمان، وبحكم البنية الذهنية لمواطنيها ومجتمعاتها، والتي تنطلق من تثمين الحرية واعتراض على أية ممارسة سلطوية، أفضل نماذج النجاح في التصدي للوباء. 

فالصين مثلا، بما لحكومتها المركزية من سلطة شمولية دون ضابط من المجتمع، قد تمكنت من فرض قيود على الحركة يبدو أنها ساهمت، في حال صدقت الرواية الإعلامية القادمة من الصين، في احتواء الوباء وتجاوز ما يشكله من خطر داهم.

النجاح (النسبي) في الصين وألمانيا، مقابل الفشل في إيران وإيطاليا ينقض مقولة أن السلطوية هي شرط لمواجهة الوباء

على أن السلطوية ليست معيار النجاح. والدليل يأتي من إيران، حيث يضاهي ما لنظام "الجمهورية الإسلامية" من السطوة الشمولية ما لدى "الجمهورية الشعبية" في الصين. فقد فشلت إيران في التعامل مع تفشي الوباء، رغم استدعائها كافة الأساليب السلطوية في محاولة للتحكم بالواقع والصورة.

بل يمكن مقارنة الصين، الناجحة نسبيا، وإيران الفاشلة في التصدي للوباء، بألمانيا، إذ هي بدورها ناجحة نسبيا، وإيطاليا الفاشلة كذلك بمواجهة التفشي وعواقبه. فالمشترك بين الصين وإيران هو السلطوية القائمة على هيبة الحاكم، فيما المشترك بين ألمانيا وإيطاليا هو النظام التمثيلي المبني على سيادة المواطن.

النجاح (النسبي) في الصين وألمانيا، مقابل الفشل في إيران وإيطاليا ينقض مقولة أن السلطوية هي شرط لمواجهة الوباء. المشترك بين الصين وألمانيا هو متانة النظم العلمية والصحية فيهما، واطمئنان المواطن إلى سلامة القرار الحكومي، سواء كان ذلك في إطار التسليم بأبوية الدولة كما هو في الصين، أو في سياق ثقة المواطن بالسياسيين الذين فوّضهم التعبير عن مصلحته، كما في ألمانيا.

وقد تكون الولايات المتحدة، موضوعيا، في صدارة الدول من حيث استتباب النظم الصحية والعلمية المتطورة فيها، وإن على تفاوت من حيث إمكانية الاستفادة العامة منها، غير أنها، دون شك، تعاني منذ عقود من انفصام في التوجهات الاجتماعية، ومنذ سنوات من استفحال في المناكفات السياسية، ما شتّت ولا يزال فرص التحرك الفوري للتصدي لخطر الوباء.

أي أن الولايات المتحدة لن تقدم للعالم الحالة المثلى في مواجهة المرض القاتل، بل سوف تدفع ثمنا باهظا لما هي عليه بطبعها، وما فاقمته نتيجة لما هي عليه من بلبلة سياسية وفكرية.

ولكن، في حين أن الولايات المتحدة تشكل اليوم الحالة الثالثة في توالي تربّع الموقع الأول عالميا لتفشي المرض، بعد الصين ثم أوروبا، فإنها مؤهلة بامتياز للخروج من مصابها، وإن بلغت خساراتها مئة ألف أو مئتي ألف من سكانها، وهي رغم الألم على استعداد للسير قدما في مسار نهوض سوف يستغرق قدرا من الزمن قد يطول، ولكنه مفعم برجاء الوصول إلى خاتمة طيبة، انطلاقا من مقوماتها الذاتية وطاقاتها المتحققة.

ليس هذا هو حال معظم الدول في سائر أنحاء العالم، حيث عديدها لا يزال اليوم في حالة نكران إزاء الطبيعة العالمية لهذا الوباء، القادم لا محالة، الفاتك لا محالة، والذي من شأنه أن يقوّض البنى الهشة في الدول والمجتمعات التي تفتقد الكافي منها ابتداءً.

قد يتأخر التفشي في قارة ما أو منطقة ما. يوم استفحل "عارض فقدان المناعة المكتسب" (الإيدز أو السيدا) في الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية في الثمانينيات، استتب الاطمئنان الواهم في أوساط عدة بأنه مرض حضارتهم وسلوكهم وفسوقهم. ولكن، فيما تمكنت هذه الدول من استيعاب الكارثة التي شكلها ذاك المرض، وإيجاد العقارات الكفيلة بضبطه، فإن أفريقيا في التسعينيات والأعوام التي تلتها شهدت تفشيا قاتلا له جعل من أهلها أكثر ضحاياه.

يوم تدور الأيام، وتقع الواقعة في ديارهم، لهم أن يتوقعوا بأن أهل الإحسان في الولايات المتحدة سوف يمدون لهم يد الإخاء

وليس ما يشير إلى أن الأحوال القادمة سوف تأتي على خلاف ذاك النسق. لا أفريقيا بمأمن من الوباء، ولا الهند، ولا الدول العربية والإسلامية، وإن أوحت الأرقام الحالية بأن هذه المجتمعات قد تجنبت التفشي.

أدنى المطلوب هنا قد يكون بالإضافة إلى الحيطة والحذر والاستعداد لأسوأ الاحتمالات، الإقرار بضعف الإنسان، والإنسانية جمعاء، أمام النوائب غير المحسوبة.

ولا شك أن الدين يشكل للعديدين ملاذا لطلب السكينة والطمأنينة إزاء ما هو خارج القدرة الإنسانية. بل إذا كان الإسلام، بلام الجنس، هو إقرار الإنسان الواعي لوجوده بضعفه وعجزه وقلّته، فإن الإيمان، مجددا بلام الجنس بما ينطبق على كافة الأديان، هو الاطمئنان إلى أنه للإنسان مكانة ومقام في هذا الوجود، رغم الضعف والعجز والقلة. نص الحديث الذي تنقله أمهات كتب الإسلام، بلام العهد هنا، بعد ذكره لتراتبية الإسلام والإيمان، يورد الإحسان كدرجة عليا تفوقهما. النص يعرّف هذه الكلمات اصطلاحيا. ولكن الإحسان، وفق الحقيقة السابقة للاصطلاح، يفيد إفاضة الإنسان بالخير لأخيه، خاطرا وقولا وفعلا.

على مواقع التواصل الاجتماعي العربية، كم غير ضئيل من عبارات الخشية من المَصاب والرجاء الصالح لكل مُصاب. على أن الكثير، ربما الغالب، من التعليقات، لا يمت إلى الإحسان بصلة، بل ينحدر إلى قاع الشماتة، ويستدعي للإمعان بالطعن النصوص المقدسة، لغرض التشفي بحال الولايات المتحدة، وتمني الشر والموت لأهلها، واعتبار معاناتها قصاصا استحقته لإجرام منسوب إليها.

على الشماتين الاجتهاد للتوفيق بين مزاعمهم المختلفة. هل الوباء فعل من أفعال الشرّ الذي تمتهنه الولايات المتحدة، أي هل هي الفاعلة، أم هل هو قصاص رباني لما هي عليه من شر، فتكون عندئذ مفعولا به؟ بعضهم يرى أنه هذا وذاك، إذ "انقلب السحر على الساحر"، مع استفاضة في التنظير والمحاضرات التي تخفّض من جلال معبودهم، وتجعل منه وسيلة للثأر من هذا الخصم الذي طمروه بأوهامهم لتبرير بغضهم وضغائنهم.

في هذا الواقع اليوم تكرار لتجربة سابقة. في أغسطس 2005، ضرب مدينة نيو أولينز في جنوبي الولايات المتحدة إعصار "كاترينا"، فتسبب بدمار واسع النطاق وفتك بحياة قرابة الألفين من السكان. معظم ضحايا الإعصار كانوا من الفقراء والمعدومين في ضواحي المدينة، من القاطنين في المساكن الهزيلة والمآوي العامة والعاجزين عن الإخلاء الذي دعت إليه السلطات.

"براءة" هؤلاء المساكين من "جرائم" حكومة بلادهم لم تشفع لهم، ولم تمنع العديد من أصحاب الشعارات الإسلامية من التغني بشفاء صدورهم للقصاص الذي نالته الولايات المتحدة لغزوها بلاد المسلمين، على قاعدة بأن الإله، إذ يستجدون نقمته وغضبه ويدعونه لقهر أعدائهم بكرة وأصيلا، "يمهل ولا يهمل".

أمام أهل الخير من العرب والمسلمين أحد سبيلين، إما الشماتة والتشفي، أو التعاطف ورجاء الخير

أشهر قليلة فصلت بين إعصار نيو أولينز في الولايات المتحدة وزلزال مظفر أباد في باكستان في أكتوبر 2005. ما يقارب من التسعين ألف من السكان، أي أكثر من خمسة وأربعين ضعفا عدد ضحايا "كاترينا"، جلّهم من المسلمين، لاقوا حتفهم نتيجة لهذا الزلزال، بالإضافة إلى أعداد لا تحصى من الجرحى وأضرار هائلة في الممتلكات.

هذه الواقعة المؤلمة لا تنسجم مع الرواية الأهوائية لحرب مع الغرب الكافر يجنّد لها الإسلاميون إلههم، لذلك فهم أهملوها وقلما يأتون على ذكرها. وقلّما يأتون على ذكر فعل الإحسان، والذي لا يتبجح به فاعلوه كذلك، إذ توجهت طوافات الولايات المتحدة وجنودها من أفغانستان إلى المناطق المنكوبة للإغاثة والإنقاذ.

تجنيد الآلهة ليس حكرا على بعض المسلمين. في بعض الأوساط المحافظة المسيحية المتدينة في الولايات المتحدة من يحاول الربط بين ما لا يروق له من الأحوال والسلوك، ولا سيما المثلية، وبين غضب الرب، مجددا دون اعتبار لبراءة الضحايا مما يرونه موضوع اتهام.

على أن التفشي المتوقع للوباء في المحيطين العربي والإسلامي يتطلب التمعن بالعبرة من توالي الإعصار والزلزال قبل عقد ونيّف. فالوباء اليوم يؤذي الولايات المتحدة، وأهلها لا يطلبون مطلبا من أحد. وأمام أهل الخير من العرب والمسلمين أحد سبيلين، إما الشماتة والتشفي، أو التعاطف ورجاء الخير. لهم أن يفعلوا كما يطيب لهم. ومهما فعلوا اليوم، يوم تدور الأيام، وتقع الواقعة في ديارهم، لهم أن يتوقعوا بأن أهل الإحسان في الولايات المتحدة، كما فعلوا بأمسهم دون ضوضاء، سوف يمدون لهم يد الإخاء.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!