Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu arrives for a speech at his Jerusalem office on March 14, 2020, regarding the new…
نجح رهان نتانياهو على كورونا، فتحت شعار الحاجة لحكومة وحدة وطنية، لمواجهة الكارثة الوبائية التي تطل برأسها

"ما عجزت عنه صناديق الاقتراع جاء به فيروس كورونا"... هذا هو لسان حال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي يقترب وفقا لمختلف التقارير والتقديرات الإسرائيلية من تشكيل حكومته الخامسة، "حكومة الطوارئ"، الأسبوع المقبل على أبعد تقدير.

الانتخابات المبكرة الثالثة، التي جرت في الثاني من الشهر الجاري، مكّنت الليكود من تصدر قوائم الأحزاب المتنافسة، وأعطت معسكر اليمين و"الحريديم" أقل قليلا من نصف مقاعد الكنيست (58 من أصل 120 مقعدا)، لكن هذه النتائج جاءت بمثابة "نصرٍ بطعم الهزيمة"، فتبكير الانتخابات ثلاث مرات في أقل من عام، لم يمكّن نتانياهو من تشكيل حكومة أقلية يمينية، كما أن إصرار معسكر يمين الوسط ممثلا بكتلة أزرق ـ أبيض على رفض الانضواء تحت راية "ملك إسرائيل"، عطّل محاولات تشكيل وحدة وطنية مرات عديدة، إلى أن جاء "المدَد" أو "طوق النجاة" للزعيم الذي اشتهر بإجادته فنون "البقاء والنجاة"، وهذه المرة، من فيروس ضئيل، كانت بمثابة الناخب الكبير لبنيامين نتانياهو.

من راقب سلوك نتانياهو بعد الانتخابات الأخيرة مباشرة، وهي بالمناسبة التأمت مع بدء دخول الفيروس إلى إسرائيل، أدرك أن الرجل اتخذ قراره بتحويل التحدي إلى فرصة، والاستثمار في الفيروس، فعمد إلى إشاعة "خطاب الكارثة المحدقة"، مبالغا ومهولا في حجم الأخطار والتهديدات التي يشكلها الوباء اللعين... كان واضحا أن نتانياهو يستثمر الوقت لإطلاق مفاعيل الخوف والهلع، وتركها لتقضم يوما بعد آخر، مفاعيل "التكليف" الذي حظي به منافسه بيني غانتس لتشكيل الحكومة الجديدة.

"قنبلة كورونا" انفجرت في حضن "أزرق ـ أبيض"، الائتلاف الوحيد الذي كان مرشحا لإخراج نتانياهو من مسرح السياسة

في البدء، بدا الأمر ضربا من "الرهان اليائس"، ذلك أن خصمه بيني غانتس جاءته الفرصة التي طالما انتظرها وحلم بها، حتى وإن واتته على "طبق القائمة العربية المشتركة"... لكن غانتس، المعروف بقلة خبرته، وضعف شخصيته، وتردده في اتخاذ القرارات الكبرى، بدد الفرصة تماما، وخضع مجددا لابتزاز الأصوات اليمينية والحريدية الأكثر تطرفا، والتي تعالت على وقع القلق والتوتر من جائحة كورونا... كان غانتس يفقد فرصته في إخراج نتانياهو من حلبة السياسة، مخيبا آمال ورهانات أكثر من مليون ناخب إسرائيلي منحوه الثقة لطي صفحة نتانياهو من تاريخهم.

لقد نجح رهان نتانياهو على كورونا، فتحت شعار الحاجة لحكومة وحدة وطنية، لمواجهة الكارثة الوبائية التي تطل برأسها، قدم غانتس "وحدة حزبه وكتلته" قربانا على مذبح "الطوارئ"... قبل بحكومة وحدة بزعامة نتانياهو، واشتملت الصفقة على تشكيل حكومة تناوب، يتولى الأخير رئاستها للأشهر الثمانية عشرة الأولى، على أن يستكمل غانتس ولايتها القانونية البالغة أربع سنوات.

ومن ضمن مندرجات الصفقة يتولى غانتس رئاسة الكنسيت لفترة انتقالية قصيرة، خلفا ليولي أدلشتاين (الليكود) الذي عمل جاهدا للبقاء في موقعه بعد الانتخابات، وسعى في تعطيل عمل المحكمة العليا لمنع التصويت على اختيار رئيس جديد للكنيست... 

لكن غانتس لن يبقى طويلا في موقعه على رأس السلطة التشريعية، إذ تقتضي الصفقة ذاتها، توليه حقيبة الخارجية في الحكومة المقبلة، على أن تعود رئاسة الكنيست لليكود مجددا، وإن بشخص رجل آخر غير أدلشتين... كما تقتضي الصفقة تولي رئيس الأركان السابق غابي أشكينازي حقيبة "سيادية" في حكومة الطوارئ، ربما تكون حقيبة الدفاع.

"قنبلة كورونا" انفجرت في حضن "أزرق ـ أبيض"، الائتلاف الوحيد الذي كان مرشحا لإخراج نتانياهو من مسرح السياسة، فقرار غانتس شرخ الائتلاف إلى نصفين، متساويين تقريبا، حزب "مناعة إسرائيل" بزعامة غانتس بخمسة عشر أو ستة عشر مقعدا، وحزبا "يش عتيد" و"تيليم" بزعامة يئير لبيد وموشيه يعلون ببقية المقاعد الثلاثة والثلاثين التي حصل عليها ائتلاف أزرق ـ أبيض.

القائمة العربية المشتركة، التي حلّت ثالثة في الانتخابات الأخيرة، لم تكن بمنأى عن شظايا "قنبلة كورونا"، فالقائمة (15 مقعدا) التي رشّحت غانتس لتشكيل الحكومة، كرها بنتانياهو لا حبا به، فقدت فرصتين نادرتين: فرصة إسقاط نتانياهو أولا، وفرصة تزعم المعارضة في الكنيست حال تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة ثانيا، فبعد انشقاق أزرق ـ أبيض، ستنتقل زعامة المعارضة إلى الكتلة المشكلة من "يش عتيد" و"تيلم"، بكل ما يوفره هذا الموقع، من إمكانيات للاطلاع على، والمشاركة في، صياغة السياسات الأمنية والعامة، واتخاذ بعض القرارات الكبرى.

"قنبلة كورونا" ضربت في مقتل أيضا، بقايا معسكر اليسار في إسرائيل... زعيمة جيشر، أحد الأحزاب الثلاثة التي خاضت الانتخابات الأخيرة في قائمة واحدة، أورلي ليفي، سليلة العائلة الليكودية تاريخيا، غردت مبكرا خارج سرب الحزبين الآخرين: العمل وميريتس، عندما رفضت تشكيل حكومة معتمدة على "الصوت العربي"، وفضلت عليها حكومة يمينية أو حكومة وحدة وطنية بزعامة أي من نتانياهو أو غانتس... أما التحالف بين العمل وميريتس، فقد تلقى صدمة كبرى عندما عبّر الحزبان عن نيتهما الانفصال أحدهما عن الآخر، وسط معلومات ترجح سعي حزب العمل بزعامة عمير بيريتس للانضمام لحكومة الطوارئ برئاسة نتانياهو.

القائمة العربية المشتركة، التي حلّت ثالثة في الانتخابات الأخيرة، لم تكن بمنأى عن شظايا "قنبلة كورونا"

أفيغدور ليبرمان، الرجل الذي لعب حزبه "إسرائيل بيتنا" دور بيضة القبان في المعادلة السياسية والحزبية الإسرائيلية، وحظي لهذا السبب، ولبعض الوقت بلقب "صانع ملوك إسرائيل" فلن تعود لكتلته الصغيرة (7 مقاعد) قيمتها بعد أن ضمن نتانياهو حكومة طوارئ مدعومة بغالبية 74 ـ 75 معقدا.

إذا، لم يكن فيروس كورونا "الناخب الأكبر" لصالح نتانياهو على رأس حكومة خامسة فقط، بل كان بمثابة "القنبلة" التي "فككت" الخريطة السياسية/الحزبية الإسرائيلية، وأعادت تركيبها من جديد... نجح رهان نتانياهو على الاستثمار في الفيروس، وسقطت رهانات غانتس، ومن خلفه معسكر بأكمله، على طي صفحة نتانياهو في التاريخ السياسي الإسرائيلي المعاصر.

الفيروس، كاشف العورات، كما وصفناه في مقالة سابقة، كشف كثيرا من عورات النظام الحزبي في إسرائيل، وأقام الدليل على "سيولة" و"انتهازية" الحياة الحزبية فيها، فظاهرة التقافز من فوق الخطوط السياسية والأيديولوجية للأحزاب، ظاهرة قديمة في إسرائيل، على أنها تبدو أكثر تفاقما في أزمتنا الراهنة، بعد أن بات الانزياح نحو اليمين، سمة منهجية عامة تميز الأحزاب جميعها، وبصورة لم تُبق في أقصى يسار الخريطة الحزبية الإسرائيلية، سوى حزب واحد فقط (ميريتس)، وبعدد من المقاعد يقل عن عدد أصابع اليد الواحدة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.