Lithuanian groom Dainius and his bride Ramune pose for the photographer, wearing protective masks against the new coronavirus…
عروسان في زمن كورونا

في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثة أرباع قرن بالضبط، كانت العاصمة الألمانية برلين تشهد الساعات الأخيرة للحرب العالمية الثانية، التي شكلت طوال ستة أعوام كابوسا عالميا، تحطمت أثناءها عشرات الدول ومئات المدان، أما الضحايا فكانوا بعشرات الملايين، عاش البشر خلالها أشكالا مروعة من العنف التدميري المادي والبربرية الروحية والأخلاقية.

بعد قرابة عقد كامل، في العام 1954، تمكنت دار كُتبٍ أميركية من نشر كتاب "امرأة من برلين" (Eine Frau in Berlin)، الذي كشف تفاصيل الفظائع المروعة التي ارتكبها "المحررون" بحق المدنيين الألمان المستسلمين تماما. 

فأسابيع برلين التي تلت لحظة انتهاء الحرب، كانت استعارة وتكثيفا وتعبيرا عن كل الجرائم التي مارسها مجموع المتحاربين من قبل، بحق بعضهم، وبحق مختلف البيئات المدنية. 

لكن نشر الكتاب أيضا، والذي بقي الأكثر مبيعا لسنوات كثيرة، كان إشارة إلى نوع من تعافي الذات البشرية من آثار العار الذي لحقها طوال سنوات الحرب، وقدرتها على الجلوس ومواجهة الذات، نقدا وتنديدا بما جرى، ومحاولة بناء حياة ما أكثر بهاء وقابلية للاستيعاب والعيش سوية. وحيث أن بقاء الكاتبة مجهولة حتى الآن، كان استعارة على أن هذا العار إنما هو عمومي وإطلاقي، يمس كل البشر، فاعلين وضحايا.

فطوال قرابة خمسة عشر عاما، في النصف الثاني من الأربعينيات والخمسينات، عاشت الآدمية أبهى أوقاتها على الأطلاق. فحسب أغلبية واسعة من المراقبين والمؤرخين، كانت تلك الحقبة الأكثر ثراء في منتجاتها الثقافية والفنية، لأنها شهدت نوعا خاصا من السلام الاجتماعي والتنمية الاقتصادية الشاملة. 

كورونا كشف الوقائع الرهيبة في راهن أحوال الاجتماع والسياسة العالمية، شبيهة بما كان يحدث أثناء الحروب العالمية الكبرى

فباستثناء الحربين الكورية والهندية الباكستانية، كانت القوى العالمية مستعدة لأن تخلق أكبر مساحة مشتركة فيما بينها، على أساس التوافقية والمصالح المشتركة، بالضبط كما كانت الكيانات النامية تعيش مرحلة انتعاشها في حقبة ما بعد الاستعمار، محاولة شق طريقها نحو الحداثة السياسية والاقتصادية، بعدما كانت القوى الاستعمارية قد تخلت عن أنماط الهيمنة الرعناء. 

كان ذلك يجري، في وقت لم تكن الحرب الباردة قد بدأت فعليا، ولا كانت الأيديولوجيات الدينية قد شيدت ترساناتها العقائدية والسياسية العنيفة.

كانت التفاؤلية البشرية خلال تلك السنوات، كما سماها المؤرخ البريطاني إيريك هوبزباوم في كتابه التوثيقي عن القرن العشرين، ناتجة عما فعلته سنوات الحرب بالذات الجمعية للآدمية. 

Russian President Vladimir Putin attends a meeting with Gazprom CEO Alexei Miller at the Kremlin in Moscow on March 27, 2020. …
الكرملين في مواجهة ثنائية كورونا والطاقة
موسكو التي خططت لحرب أسعار بوجه الرياض، لم تأخذ بعين الاعتبار تأثير فيروس كورونا وتحوله إلى وباء عالمي مما أدى إلى أضرار ضخمة في الأسواق العالمية وخصوصا في قطاع الطاقة، حيث انخفض الطلب العالمي على النفط والغاز، ما أدى إلى سحق الأسعار في البورصات العالمية

فنزعات القومية والفاشية والشمولية من طرف، وما قابلها من تحالف للقوى الاستعمارية والشيوعية الأيديولوجية من طرف آخر، فجرت براكين الذات البشرية المكبوتة، من طبائع الذات البشرية، الميالة للعنف التدميري دون أي رادع أخلاقي أو وجداني. 

فالحرب كانت دلالة على أن مجموع القيم الأخلاقية والروحية والمدنية، التي راكمها البشر منذ عصر النهضة، وحتى طوال كل التاريخ المرصود، بما في ذلك شكل الأنظمة السياسية ونوعية الاقتصاديات الحديثة وتأثير أنماط التمدن، إنما هي بمجموعها أقل بكثير من قابلية البشر، وربما ميولهم الحتمية، لفعل تلك السلوكيات الشائنة. وكان العقد ونصف العقد الذي تلا الحرب، محاولة لتفنيد ما واجهته البشرية خلال سنوات الحرب، بالدموع والدماء والآلام.

♦♦♦

يلاقي العالم الراهن الكثير من ذلك، فمواجهة كورونا، وبالرغم من كونها ليست حربا تقليدية، من أسلحة وخنادق ودول متحاربة؛ إلا أنها تشكل تهديدا استثنائيا لكامل الاستقرار البشري، شبيه بما شهدته الأحوال أثناء الحرب العالمية الثانية. 

فعشرات الدول أعلنت حالة الطوارئ، استدعت الاحتياط العسكري وأنزلت الجيوش إلى المجال العام، كذلك أوقفت مختلف مؤسساتها ونشاطاتها الاقتصادية والمدنية، هذا إلى جانب إغلاقها لمجالها الجغرافي وتراجعها عن التزاماتها التقليدية تجاه جيرانها، وحتى مجتمعاتها المحلية. وهو ما قد يهدد بحدوث أزمات اقتصادية وسياسية خانقة مستقبلا، وربما حروبا مستعرة، نتيجة لتلك الآثار والديناميكيات.

 لكن كورونا كشف الوقائع الرهيبة في راهن أحوال الاجتماع والسياسة العالمية، شبيهة بما كان يحدث أثناء الحروب العالمية الكبرى.

فالعديد من دول العالم أثبتت أن طبيعة وهوية نُظمها السياسية لا تؤثر على عالمها الداخلي فحسب، بل تملك قابلة تأثير عالمية. فالصين، بدأت من فظاعة إنكارها الأولي للموضوع، وقمع المطلعين من أعضاء جهاز قطاعها الصحي، مرورا بامتناعها عن نقل معلومات شفافة للدول الأخرى، وليس انتهاء باستغلال ذلك في حرب اقتصادية عالمية وتصنيع مواد فاسدة وتصديرها للعالم استغلالا لحاجة هذه الدول الملحة لتلك المواد.

وهذا ما يكشف تفصيلا مهما في ذلك الاتجاه، هو التكلفة الباهظة للقوى العالمية التي قد تحقق تقدما علميا واقتصاديا، دون أن تكون دولة ذات هوية ديمقراطية وقيم عالمية، تحترم منظومة حقوق الإنسان أولا.

على نموذج الصين، يمكن أن تكون أية قوة سياسية راديكالية أخرى، الآن ومستقبلا، كالإسلاميين والقوميين، وحتى الوطنيين المحليين مثل نظام حكم البرازيل راهنا. تتمكن في لحظة ما من تطوير وتمتين قدراتها في مجال أو قطاع بذاته، دون أن تكون خاضعة وملتزمة لقيم ومعايير ومنجزات علم الاجتماع الإنساني، بالذات في القضايا الحقوقية والديمقراطية والحريات العامة وشفافية مؤسسات الدولة وتوازنها.

إيران وسوريا، وإلى حد ما تركيا وروسيا، أثبتت توجهات واضحة في ذلك الاتجاه. فهي أنظمة سياسية غير مبالية بمدى الفداحة التي قد تلحق مجتمعاتها الداخلية، في سبيل الحفاظ على مجموع مهابة السلطة مع استقرار واستمرار الهيمنة المطلقة، دون أي إمكانية للنقد والمحاسبة. وهي يمكن أن تطيح بكامل حاضر ومستقبل مجتمعاتها، ولا توقف أي من برامجها العسكرية والأمنية التي تمتن شموليتها. هي بالتالي، وحسب معطيات أحوال كورونا، إنما شديدة الخطورة على كامل محيطها الجيوسياسي، وبدرجة كبيرة على الأمن والاستقرار العالمي.

الصين، بدأت من فظاعة إنكارها الأولي للموضوع، مرورا بقمع المطلعين من أعضاء جهاز قطاعها الصحي، وامتناعها عن نقل معلومات شفافة للدول الأخرى

في هذا السياق، أثبت الشكل الأكثر عمقا للنيوليبرالية الاقتصادية والسياسية هشاشة واضحة أمام مثل هذه الأوضاع. لا لجهة ضعف الدولة وعدم قدرتها على تأمين مستوى عال من الأمان لمجموع مواطنيها فحسب، بل بشكل اقتصادها وشبكة تداخلها المعقدة مع الكل العالمي. فإما أن يستمر كل شيء كما هو عليه بالضبط، أو تكون البنية بكاملها قابلة للتحطم.

كذلك كشفت الأزمة فداحة سوء التوازن بين مختلف القطاعات في هذه الدول، اقتصاديا وسياسيا ومعرفيا. فأحياز من النشاط الإنساني، مثل الرياضة وعالم المصارف والموضة، قد تستحوذ وتدير وتتحكم بتريليونات الدولارات، وأن تكون محل جذب عمومي مطلق من مليارات المتابعين والموالين، دون أن يكون ثمة انشغال وانهمام بقطاعات أخرى شديدة الحيوية والتأثير على العموم الآدمي، مثل المعارف والسياسة والثقافة والفنون والصحة العامة والبنية التحتية.

♦♦♦

كما الحرب العالمية الثانية، فإن أحوال كورونا هي محاكمة قاسية للذات البشرية، وكاشف جريء للكثير من أشكال الاجتماع السياسي والاقتصادي والكياني العالمي.
صحيح أنه لا شيء في الأفق يوضح ما يمكن أن تحدثه من تحولات وتأثيرات مستقبلية، بالذات في اتجاه المزيد من التعاون والمحاسبة والردع المشترك، ربما لأن الأزمة ما تزال في أوائل مراحلها، ولا يمكن إحصاء حجم الضحايا والخسائر الحقيقية التي قد يدفعها العالم. لكن الأمل بتحقق ذلك سيبقى معقودا بشدة.

فمنذ الآن وحتى تلك الأوقات، سيتجرع البشر آلاما كثيرة، ليدركوا أن تعاونا عالميا أكبر صار من الضرورات المحلة، وأن تداخلا مجتمعيا وجغرافيا مثل الذي بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو أكبر من أية خطابات وأيديولوجيات سياسي وصراعية صلبة، وأن الأنظمة السياسية الشمولية والمروعة بقسوتها على مجتمعاتها الداخلية، مثل إيران وسوريا، إنما يتجاوز تأثير فداحتها أية حدود وطنية وهمية ومتخيلة، وأن شكل الاقتصاد السياسي الليبرالي أضعف بكثير مما يتصور نفسه، وأكثر هشاشة من أن يتمكن من حماية نفسه لوحده.

من الآن وحتى أن تتمكن فتاة أخرى من كتابة سيرة ذاتية عن هذه الأوضاع، شبيهة بمروية "امرأة من برلين" القاسية، والتي ربما تكون في باريس أو دمشق أو طوكيو أو نيويورك وربما في كينشاسا، أو أي بقعة أخرى، فالمرويات ستكون متشابهة إلى حد بعيد، من الآن وإلى ذلك الوقت، فإن الذات البشرية يجب أن تتعود على سماع الكثير من المرويات والأحداث والصور التي تقول بأن العالم البشري أقل بهاء وجمالا مما صنعته وتروجه أوهام عالم الصور المتدفقة بكثافة مروعة، وأن البشر إنما اخترعوا أوهامهم عن ذواتهم وواقعهم ومنجزاتهم المتخيلة، بالضبط مثلما اخترعوا أدوات التصوير ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أوهمتهم بمثل ذلك البهاء المتخيل.

A woman holds up her hands as she carries an "I can't breathe" sign during protest against the death in Minneapolis police…

أميركا تحترق. الشرارة اندلعت يوم الاثنين من مدينة منيابوليس، بولاية مينيسوتا، في وسط البلاد ووصلت نيرانها وجمرها إلى 75 مدينة، من نيويورك في الشمال إلى ميامي في الجنوب، من فيلادلفيا في الشرق إلى لوس أنجلس في الغرب. 

صباح الأحد استيقظ ملايين الأميركيين وهم يراقبون الحرائق التي التهمت مئات المحلات التجارية والمباني الحكومية وسيارات الشرطة ويشمّون روائح دخانها، بعد ليلة رابعة من المواجهات بين المتظاهرين ورجال الشرطة وعناصر الحرس الوطني الذي انتشر في 12 ولاية، وبعد فرض حظر التجول في أكثر من 20 مدينة.  

خلال مواجهات ليلة السبت ـ الأحد اختلط دخان الحرائق بدخان الغاز المسيل للدموع، على خلفية إطلاق رجال الشرطة للرصاص المطاطي ضد المتظاهرين، بما في ذلك المتظاهرين السلميين، الذين لم يمتثلوا لأوامر حظر التجول. التظاهرات في بداية الأسبوع كانت سلمية على الرغم من مشاعر الغضب العارم الذي عبّر عنه المتظاهرون. ولكن مع اقتراب الأسبوع من نهايته، اندست في التظاهرات عناصر متطرفة قامت بحرق الأماكن العامة والخاصة ومارست النهب، وقال شهود عيان ومسؤولون محليون إن معظمها من العنصريين البيض الذين يريدون الإساءة إلى الأميركيين من أصل أفريقي واستفزاز مواجهات عنصرية مع قوات الأمن، وهذا ما أكدته تقارير صحفية، وتحليلات الخبراء.  

بعض الخبراء أشاروا إلى احتمال ضلوع أيد خفية خارجية تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتأليب الأميركيين ضد بعضهم البعض كما فعلت روسيا في انتخابات 2016. في المقابل ركز الرئيس دونالد ترامب والمسؤولون في البيت الأبيض اتهاماتهم ضد اليساريين وتحديدا جماعةAntifa  المتطرفة والمناوئة للفاشية. مستشار الأمن القومي روبرت أوبرايان قال يوم الأحد إن هذه الجماعة مسؤولة عن أعمال العنف، بينما قال الرئيس ترامب إنه يعتزم تصنيف Antifa تنظيما إرهابيا داخليا، مع أنه لا يملك مثل هذه الصلاحيات.

رجل اسمه جورج فلويد

 يوم الإثنين، صعق الملايين من الأميركيين، ولاحقا الملايين في العالم وهم يشاهدون شرطيا أبيض اسمه ديريك تشوفن يضع ركبته اليسرى وثقل جسده على رقبة جورج فلويد، الأسود، والبالغ من العمر 46 سنة، والذي كان مكبل اليدين وممدا على الطريق قرب سيارة الشرطة بعد أن رماه تشوفن وثلاثة شرطيين آخرين على الأرض.

وكان فلويد قد اعتقل بعد الاشتباه باستخدامه لعملة مزورة. وأظهرت مختلف أشرطة الفيديو التي التقطها عدد من المارة أن فلويد لم يقاوم الشرطة، ولم يكن مسلحا. وعلى مدى ثماني دقائق، بدت وكأنها أبدية بطيئة، كان الشرطي تشوفن يضغط فيها بركبته المدعومة بثقل جسده على عنق فلويد الذي كان يصرخ ويردد بصوت مبحوح "لا أستطيع التنفس"، "لا أستطيع التنفس". ولكن مناشداته لم تصل إلى أذني الرجل الذي كان يحرمه من أنفاسه الاخيرة. كما لم تنفع مناشدات ومطالب وصراخ الناس الذين كانوا يراقبون الجريمة بهلع للشرطي تشوفن وزملائه المتواطئين معه بوقف إعدامهم البطيء لجورج فلويد. 

ولدت الولايات  المتحدة بخطيئة أصلية لم تستطع حتى الآن محوها كليا. مؤسسة العبودية كانت القضية المحورية التي أخفق مؤسسو الجمهورية الأميركية في حلها قبل إعلان الاستقلال من بريطانيا

خلال هذه الدقائق الطويلة، وضع الشرطي تشوفن يده في الجيبة اليسرى لسرواله ليؤكد لامبالاته بما يرتكبه، بينما كان ينظر بوجه بارد وغير منفعل إلى الفتاة الشابة التي كانت تسجل على هاتفها النقال وقائع اغتيال رهيب. وقبل أن يموت بصمت، وبعد أن أدرك أنه سيغادر هذه الدنيا، لجأ جورج فلويد إلى المكان الآمن الوحيد الذي كان يوفر له الدفء والحنان والعزاء في حياته، إلى أمه التي سبقته إلى المنية بثمانية عشر شهرا قائلا "أمي، أمي هذه نهايتي". 

صرخة "لا أستطيع التنفس"، تتردد في الولايات المتحدة منذ سنوات. "لا أستطيع التنفس" كانت آخر كلمات إريك غارنر، الأميركي من أصل أفريقي الذي اعتقله بعنف عدد من رجال الشرطة في نيويورك في 2014 للاشتباه ببيعه للسجائر بشكل غير شرعي، كان من بينهم الشرطي دانيال بانتاليو الذي لفّ ذراعه حول عنق غارنر لقطع نفسه، بعد أن رماه مع عدد من زملائه أرضا. وخلال دقائق، وبعد صراخه المستمر "لا أستطيع التنفس"، لفظ غارنر أنفاسه الأخيرة، بينما كان المارة يسجلون موته القاسي على هواتفهم النقالة. 

Protesters rally against the death in Minneapolis police custody of George Floyd, in Portland, Oregon, U.S. May 31, 2020…
متظاهرتان في مينيابوليس، المدينة التي قتل فيها جورج فلويد، خلال تظاهرات تطالب بالعدالة له، وقد رفعت إحدى المتظاهرات شعار: "ماذا لو كان ابنك؟"

صرخة غارنر، تحولت إلى شعار للتظاهرات التي عمت البلاد بعد مقتله. وعلى الرغم من فظاعة الجريمة العلنية إلا أن الشرطي بانتاليو لم يواجه القضاء. جورج فلويد، هو أميركي أسود آخر يقتل على أيدي الشرطة أو على أيدي عنصريين يؤمنون بتفوق العرق الأبيض. 

خلال شهر فبراير قام رجلين أبيضين، أب وابنه، بتعقب شاب أسود اسمه أحمد أربري، كان يمارس رياضة الركض وأردياه قتيلا لأنه قاومهما عندما حاولا اعتقاله بتهمة السرقة، وهي تهمة لا أساس لها. بقيت الجريمة طي الكتمان لأشهر قبل الكشف قبل أسابيع عن وجود شريط سجل الاغتيال، ما أدى إلى اعتقال الرجلين. 

خلال السنوات الماضية قتل عشرات الشباب السود في مثل هذه الظروف. وفي أعقاب كل جريمة، كانت المظاهرات والاحتجاجات تنظم في مختلف أنحاء البلاد، وكانت الانتقادات والاتهامات توجه للشرطة، والأهم من ذلك الانتقادات ودعوات إصلاح النظام الجنائي في البلاد بتقاليده وممارساته التمييزية ضد الشباب السود. هذه الجرائم أدت إلى ولادة منظمة "حياة السود مسألة هامة" (Black Lives Matter)، لتسليط الاهتمام على هذه الظاهرة المشينة وللضغط من أجل إصلاح النظام الجنائي، ولمعالجة الظروف المعيشية الصعبة للعديد من الشباب السود.

طاعون وركود وفوضى وغياب قيادي

أميركا تحترق. أميركا اليوم تعيش أسوأ لحظاتها هذا القرن. هجمات سبتمبر سنة 2001 شنها إرهابيون من الخارج. حرائق اليوم هي من صنع محلي، والغضب الساطع الذي يقف خلفها عمره 400 سنة، وهو عمر مؤسسة العبودية، وسياسات التمييز العنصري المنظم ضد الأميركيين من أصل افريقي ومضاعفاتها التي تطال مختلف أوجه حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والإسكانية وغيرها.

أميركا تحترق. ما نراه من جمر ورماد ودخان يحدث على خلفية أسوأ كارثة صحية تواجه البلاد منذ قرن. حتى الآن قضت جائحة كورونا على أكثر من 105,000 أميركي، وهو أعلى رقم لضحايا الجائحة في العالم، بينما وصل عدد الأميركيين المصابين بأعراض الفيروس إلى أكثر من 1.8 مليون أميركي. أكثرية ضحايا الجائحة هم من الأقليات وتحديدا الأميركيين من أصل أفريقي.

أميركا تحترق. ألسنة النار التي تلتهم الممتلكات العامة والخاصة تزيد من تفاقم أسوأ كارثة اقتصادية تعصف بالبلاد منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، بعد أن انضم إلى جيش العاطلين عن العمل 40 مليون أميركي خلال أقل من ثلاثة أشهر. 

في الأشهر الماضية برزت ظاهرة توزيع المواد الغذائية الإغاثية لعدد كبير من الأميركيين الذين وجدوا أنفسهم للمرة الأولى في حياتهم غير قادرين على أن يوفروا لأنفسم ولعائلاتهم الغذاء. صفوف طويلة من السيارات تنتظر لساعات طويلة ومهينة للحصول على صندوق يتضمن مواد غذائية أساسية ومعلبات وحليب وخبز. هذه الصفوف ذكرت الأميركيين المطلعين على تاريخ بلادهم بطوابير الفقراء والمحتاجين خلال ثلاثينيات القرن الماضي الذين كانوا يأمون "مطابخ الحساء" من أجل وجبة مجانية.

جميع المؤشرات تبين أن المستقبل المنظور للولايات المتحدة قاتم: سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وصحيا.

الحقوق المكتوبة لم تحرر المستعبدين وتجعلهم مواطنين متساوين، خاصة وأن الوعود التي أعطيت للعبيد السابقين مثل توزيع الأراضي عليهم وتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم وغيرها لم تنفذ

أميركا تحترق. تضافر جائحة كورونا، مع الأزمة الاقتصادية الخانقة، والاضطرابات والتظاهرات الاحتجاجية ضد عنف الشرطة ضد الشباب السود، يكتسب خطورة غير معهودة، بسبب غياب قيادة أميركية مركزية حكيمة أو عقلانية يمكن أن تقود البلاد من الصحراء القاحلة التي تمر بها الآن إلى واحة واعدة في المستقبل، كما فعل الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت الذي أنقذ البلاد من كوارث طبيعية وأزمة اقتصادية قاتلة وحرب عالمية لا مثيل لوحشيتها. الرئيس ترامب صب الزيت على النيران. فقد وجه انتقادات غير مبررة لرئيس بلدية منيابوليس واتهمه بالضعف لأنه لم يقمع التظاهرات بالقوة، وتبجح بأنه أبلغ حاكم ولاية مينيسوتا بأنه مستعد لإرسال الجيش الأميركي إلى الولاية، على الرغم من وجود قانون فدرالي يمنع نشر القوات الأميركية المسلحة (باستثناء الحرس الوطني لحفظ الأمن الداخلي)، إلا بعد موافقة الكونغرس المسبقة. وكعادته لجأ ترامب إلى شبكة تويتر لنشر تهديداته ضد المتظاهرين الذين وصفهم بـ "قطاع الطرق" التي كان من بينها نبش عبارة عنصرية تعود إلى سنة 1967 أدلى بها قائد الشرطة في مدينة ميامي آنذاك وهي: "عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار".  

شبكة تويتر اضطرت إلى وصف تغريدة ترامب بأنها تحرض على العنف. لاحقا ادعى ترامب أنه لم يكن يعلم بالأصل العنصري للعبارة، ولكن لم يصدقه أحد. وبعد وصول التظاهرات إلى حديقة لافاييت قبالة البيت الأبيض وبعد مناوشات عنيفة بين الشرطة السرية التي تحرس البيت الأبيض والمتظاهرين، أثنى ترامب على قسوة الشرطة السرية تجاه المتظاهرين وغرّد باعتزاز أنه لو اقترب المتظاهرون من السور الحديدي المحيط بالبيت الأبيض "سوف يتم استقبالهم من قبل الكلاب الوحشية، وأكثر الأسلحة خطورة". 

مرة أخرى نبش ترامب من حقبة النضال من أجل الحقوق المدنية في ستينيات القرن الماضي صورة الكلاب التي كانت فرق الشرطة في جنوب البلاد تستخدمها ضد المتظاهرين من سود وبيض الذين كانوا يطالبون بإلغاء الممارسات التمييزية ضد الأميركيين من أصل أفريقي. هذا هو رئيس الولايات المتحدة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة.

الخطيئة الأصلية

ولدت الولايات  المتحدة بخطيئة أصلية لم تستطع حتى الآن محوها كليا. مؤسسة العبودية كانت القضية المحورية التي أخفق مؤسسو الجمهورية الأميركية في حلها قبل إعلان الاستقلال من بريطانيا. الخلافات بين ممثلي الولايات الثلاثة عشرة الأصلية حول مستقبل الرق كانت جذرية، وكان يمكن أن تقف عقبة بوجه الاستقلال لأن بعض الولايات الأساسية مثل فيرجينيا وغيرها من الولايات الجنوبية الزراعية، كانت تعتمد اقتصاديا على عمل المستعبدين لإنتاج القطن والتبغ. ولذلك ارتأى المؤسسون، تأجيل مواجهة هذه الخطيئة الأصلية بصدق إلى مرحلة لاحقة. 

وهكذا ولدت الجمهورية الأميركية بعد حرب تحرير من الاستعمار البريطاني ووفقا لإعلان استقلال يبدأ بجملة ثورية في تاريخ الفكر السياسي الغربي، وتعتبر أشهر وربما أجمل جملة في اللغة الإنكليزية: "نحن نرى أن هذه الحقائق بديهية، أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأنهم وهبوا من خالقهم حقوقا غير قابلة للتصرف، وأن من بين هذه الحقوق حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة". 

كاتب هذه الكلمات هو توماس جيفرسون أحد أهم المؤسسين والرئيس الثالث للولايات المتحدة. جيفرسون كان مفكرا وسياسيا بالغ الذكاء والاطلاع، وذو ثقافة واسعة وكان شخصية معقدة وغنية بالتناقضات والمفارقات الصارخة. الرجل الذي أكد أن جميع البشر خلقوا متساوين، كان يملك مئات العبيد. منزله الجميل الذي صممه بنفسه في جنوب ولاية فيرجينيا والمعروف باسم Monticello وهي كلمة إيطالية تعني "الجبل الصغير" بناه عبيده من أشجار الجبل الصغير وصنعوا الطوب من ترابه. هذا التناقض الذي جسّده جيفرسون يفسر الهوة بين المثالية الأميركية الموجودة في إعلان الاستقلال ونص الدستور وغيره من الوثائق المحورية للولايات المتحدة، وبين التجربة التاريخية لأميركا، وخاصة آفة العبودية. 

Man yells at police during a protest against the death in Minneapolis police custody of African-American man George Floyd, in…
متظاهرون في فيرغسون على خلفية مقتل جورج فلويد على يد الشرطة، يرفعون شعار "لا عدل... لا سلام"

ثمن الإخفاق في مواجهة الخطيئة الأصلية لحظة ولادة الجمهورية أدخل البلاد في 1861 في أتون حرب أهلية رهيبة أدت إلى مقتل 750 ألف جندي، وتدمير مدن بأكملها. ولا تزال الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة تعيش في ظل أهم وأبشع وأوجع تجربة في تاريخها، لأن الحرب لم تحل جميع الأسباب التي أدت إليها.

تم تحرير الرق رسميا وفقا للتعديل الثالث عشر للدستور الذي أقر في 1865. التعديل الرابع عشر للدستور منح الجنسية الأميركية لكل شخص ولد في الولايات المتحدة، وضمن التعديل الخامس عشر حق التصويت لكل أميركي بغض النظر عن خلفيته العرقية. 

ولكن هذه الحقوق المكتوبة لم تحرر المستعبدين وتجعلهم مواطنين متساوين، خاصة وأن الوعود التي أعطيت للعبيد السابقين مثل توزيع الأراضي عليهم وتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم وغيرها لم تنفذ. ومع ذلك شهدت السنوات القليلة التي تلت الحرب، والتي سميت بحقبة إعادة البناء في ظل الحزب الجمهوري (حزب الرئيسين أبراهام لينكولن ويوليسيس غرانت) انتخاب ممثلين عن السود لمجلسي النواب والشيوخ، وتغييرات جدية في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للسود في الولايات الجنوبية من بينها حماية حقوقهم المدنية من قبل الحكومة الفدرالية.

لا تزال أميركا تتأرجح حتى اليوم بين مثاليتها وخطيئتها الأصلية

ولكن بعد انتهاء هذه الحقبة مع نهاية ولايتي الرئيس يوليسيس غرانت في 1877، عاد أسياد العهد البائد من الديموقراطيين الذين يؤمنون بتفوق العنصر الأبيض إلى مراكز السلطة في الولايات الجنوبية، أحيانا خلال انتخابات كان المتطرفون خلالها يقومون بترهيب السود ومنعهم من التصويت. وبعد انتهاء حقبة الرئيس غرانت في 1877 انسحبت القوات الفدرالية من الجنوب، وسيطر العنصريون البيض على المجالس التشريعية لهذه الولايات وبدأوا بتشريع القوانين التمييزية ضد المواطنين السود، والتي فصلت الأميركيين السود عن البيض في مختلف الحقول والخدمات.

هذه القوانين التمييزية ضد السود بقيت سارية المفعول حتى ستينيات القرن الماضي، حين ألغاها الرئيس ليندون جونسون. في 1865، أسس عدد من الجنود الجنوبيون السابقون تنظيما عنصريا سريا سموه كوكلاكس كلان، سرعان ما حولوه إلى ميليشيا عسكرية مارست الإرهاب والعنف ضد السود في الولايات الجنوبية لعقود طويلة. 

أبشع أنواع الإرهاب كانت عمليات شنق وحرق السود الذين كانوا يتهمون دون أي أدلة بارتكاب جرائم قتل أو اغتصاب. وكانت جرائم الشنق تتم على أيدي مجموعات من العنصريين البيض، الذين كانوا يعلقون رجلا أو أكثر على أغصان أشجار كبيرة، وأحيانا كثيرة يحرقون جثثهم في مناسبات ترفيهية كان يشارك فيها السكان المحليون. 

ووفقا لمنظمات الحقوق المدنية تم شنق 4,084 أميركي من أصل أفريقي ظلما بين سنتي 1877 و1950 في الولايات الجنوبية. هذا التقليد الرهيب حولته مغنية البلوز والجاز الرائعة بيلي هوليداي إلى ترنيمة شبه مقدسة لتخليد معاناة وعذاب السود بعنوان "الثمار الغريبة" غنت فيها عن "الأشجار الجنوبية التي تحمل الثمار الغريبة، والدماء على أوراقها، والدماء على جذورها، حيث الأجساد السوداء تتأرجح في النسيم الجنوبي.

ولا تزال أميركا تتأرجح حتى اليوم بين مثاليتها وخطيئتها الأصلية.