في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثة أرباع قرن بالضبط، كانت العاصمة الألمانية برلين تشهد الساعات الأخيرة للحرب العالمية الثانية، التي شكلت طوال ستة أعوام كابوسا عالميا، تحطمت أثناءها عشرات الدول ومئات المدان، أما الضحايا فكانوا بعشرات الملايين، عاش البشر خلالها أشكالا مروعة من العنف التدميري المادي والبربرية الروحية والأخلاقية.
بعد قرابة عقد كامل، في العام 1954، تمكنت دار كُتبٍ أميركية من نشر كتاب "امرأة من برلين" (Eine Frau in Berlin)، الذي كشف تفاصيل الفظائع المروعة التي ارتكبها "المحررون" بحق المدنيين الألمان المستسلمين تماما.
فأسابيع برلين التي تلت لحظة انتهاء الحرب، كانت استعارة وتكثيفا وتعبيرا عن كل الجرائم التي مارسها مجموع المتحاربين من قبل، بحق بعضهم، وبحق مختلف البيئات المدنية.
لكن نشر الكتاب أيضا، والذي بقي الأكثر مبيعا لسنوات كثيرة، كان إشارة إلى نوع من تعافي الذات البشرية من آثار العار الذي لحقها طوال سنوات الحرب، وقدرتها على الجلوس ومواجهة الذات، نقدا وتنديدا بما جرى، ومحاولة بناء حياة ما أكثر بهاء وقابلية للاستيعاب والعيش سوية. وحيث أن بقاء الكاتبة مجهولة حتى الآن، كان استعارة على أن هذا العار إنما هو عمومي وإطلاقي، يمس كل البشر، فاعلين وضحايا.
فطوال قرابة خمسة عشر عاما، في النصف الثاني من الأربعينيات والخمسينات، عاشت الآدمية أبهى أوقاتها على الأطلاق. فحسب أغلبية واسعة من المراقبين والمؤرخين، كانت تلك الحقبة الأكثر ثراء في منتجاتها الثقافية والفنية، لأنها شهدت نوعا خاصا من السلام الاجتماعي والتنمية الاقتصادية الشاملة.
كورونا كشف الوقائع الرهيبة في راهن أحوال الاجتماع والسياسة العالمية، شبيهة بما كان يحدث أثناء الحروب العالمية الكبرى
فباستثناء الحربين الكورية والهندية الباكستانية، كانت القوى العالمية مستعدة لأن تخلق أكبر مساحة مشتركة فيما بينها، على أساس التوافقية والمصالح المشتركة، بالضبط كما كانت الكيانات النامية تعيش مرحلة انتعاشها في حقبة ما بعد الاستعمار، محاولة شق طريقها نحو الحداثة السياسية والاقتصادية، بعدما كانت القوى الاستعمارية قد تخلت عن أنماط الهيمنة الرعناء.
كان ذلك يجري، في وقت لم تكن الحرب الباردة قد بدأت فعليا، ولا كانت الأيديولوجيات الدينية قد شيدت ترساناتها العقائدية والسياسية العنيفة.
كانت التفاؤلية البشرية خلال تلك السنوات، كما سماها المؤرخ البريطاني إيريك هوبزباوم في كتابه التوثيقي عن القرن العشرين، ناتجة عما فعلته سنوات الحرب بالذات الجمعية للآدمية.
فنزعات القومية والفاشية والشمولية من طرف، وما قابلها من تحالف للقوى الاستعمارية والشيوعية الأيديولوجية من طرف آخر، فجرت براكين الذات البشرية المكبوتة، من طبائع الذات البشرية، الميالة للعنف التدميري دون أي رادع أخلاقي أو وجداني.
فالحرب كانت دلالة على أن مجموع القيم الأخلاقية والروحية والمدنية، التي راكمها البشر منذ عصر النهضة، وحتى طوال كل التاريخ المرصود، بما في ذلك شكل الأنظمة السياسية ونوعية الاقتصاديات الحديثة وتأثير أنماط التمدن، إنما هي بمجموعها أقل بكثير من قابلية البشر، وربما ميولهم الحتمية، لفعل تلك السلوكيات الشائنة. وكان العقد ونصف العقد الذي تلا الحرب، محاولة لتفنيد ما واجهته البشرية خلال سنوات الحرب، بالدموع والدماء والآلام.
♦♦♦
يلاقي العالم الراهن الكثير من ذلك، فمواجهة كورونا، وبالرغم من كونها ليست حربا تقليدية، من أسلحة وخنادق ودول متحاربة؛ إلا أنها تشكل تهديدا استثنائيا لكامل الاستقرار البشري، شبيه بما شهدته الأحوال أثناء الحرب العالمية الثانية.
فعشرات الدول أعلنت حالة الطوارئ، استدعت الاحتياط العسكري وأنزلت الجيوش إلى المجال العام، كذلك أوقفت مختلف مؤسساتها ونشاطاتها الاقتصادية والمدنية، هذا إلى جانب إغلاقها لمجالها الجغرافي وتراجعها عن التزاماتها التقليدية تجاه جيرانها، وحتى مجتمعاتها المحلية. وهو ما قد يهدد بحدوث أزمات اقتصادية وسياسية خانقة مستقبلا، وربما حروبا مستعرة، نتيجة لتلك الآثار والديناميكيات.
لكن كورونا كشف الوقائع الرهيبة في راهن أحوال الاجتماع والسياسة العالمية، شبيهة بما كان يحدث أثناء الحروب العالمية الكبرى.
فالعديد من دول العالم أثبتت أن طبيعة وهوية نُظمها السياسية لا تؤثر على عالمها الداخلي فحسب، بل تملك قابلة تأثير عالمية. فالصين، بدأت من فظاعة إنكارها الأولي للموضوع، وقمع المطلعين من أعضاء جهاز قطاعها الصحي، مرورا بامتناعها عن نقل معلومات شفافة للدول الأخرى، وليس انتهاء باستغلال ذلك في حرب اقتصادية عالمية وتصنيع مواد فاسدة وتصديرها للعالم استغلالا لحاجة هذه الدول الملحة لتلك المواد.
وهذا ما يكشف تفصيلا مهما في ذلك الاتجاه، هو التكلفة الباهظة للقوى العالمية التي قد تحقق تقدما علميا واقتصاديا، دون أن تكون دولة ذات هوية ديمقراطية وقيم عالمية، تحترم منظومة حقوق الإنسان أولا.
على نموذج الصين، يمكن أن تكون أية قوة سياسية راديكالية أخرى، الآن ومستقبلا، كالإسلاميين والقوميين، وحتى الوطنيين المحليين مثل نظام حكم البرازيل راهنا. تتمكن في لحظة ما من تطوير وتمتين قدراتها في مجال أو قطاع بذاته، دون أن تكون خاضعة وملتزمة لقيم ومعايير ومنجزات علم الاجتماع الإنساني، بالذات في القضايا الحقوقية والديمقراطية والحريات العامة وشفافية مؤسسات الدولة وتوازنها.
إيران وسوريا، وإلى حد ما تركيا وروسيا، أثبتت توجهات واضحة في ذلك الاتجاه. فهي أنظمة سياسية غير مبالية بمدى الفداحة التي قد تلحق مجتمعاتها الداخلية، في سبيل الحفاظ على مجموع مهابة السلطة مع استقرار واستمرار الهيمنة المطلقة، دون أي إمكانية للنقد والمحاسبة. وهي يمكن أن تطيح بكامل حاضر ومستقبل مجتمعاتها، ولا توقف أي من برامجها العسكرية والأمنية التي تمتن شموليتها. هي بالتالي، وحسب معطيات أحوال كورونا، إنما شديدة الخطورة على كامل محيطها الجيوسياسي، وبدرجة كبيرة على الأمن والاستقرار العالمي.
الصين، بدأت من فظاعة إنكارها الأولي للموضوع، مرورا بقمع المطلعين من أعضاء جهاز قطاعها الصحي، وامتناعها عن نقل معلومات شفافة للدول الأخرى
في هذا السياق، أثبت الشكل الأكثر عمقا للنيوليبرالية الاقتصادية والسياسية هشاشة واضحة أمام مثل هذه الأوضاع. لا لجهة ضعف الدولة وعدم قدرتها على تأمين مستوى عال من الأمان لمجموع مواطنيها فحسب، بل بشكل اقتصادها وشبكة تداخلها المعقدة مع الكل العالمي. فإما أن يستمر كل شيء كما هو عليه بالضبط، أو تكون البنية بكاملها قابلة للتحطم.
كذلك كشفت الأزمة فداحة سوء التوازن بين مختلف القطاعات في هذه الدول، اقتصاديا وسياسيا ومعرفيا. فأحياز من النشاط الإنساني، مثل الرياضة وعالم المصارف والموضة، قد تستحوذ وتدير وتتحكم بتريليونات الدولارات، وأن تكون محل جذب عمومي مطلق من مليارات المتابعين والموالين، دون أن يكون ثمة انشغال وانهمام بقطاعات أخرى شديدة الحيوية والتأثير على العموم الآدمي، مثل المعارف والسياسة والثقافة والفنون والصحة العامة والبنية التحتية.
♦♦♦
كما الحرب العالمية الثانية، فإن أحوال كورونا هي محاكمة قاسية للذات البشرية، وكاشف جريء للكثير من أشكال الاجتماع السياسي والاقتصادي والكياني العالمي.
صحيح أنه لا شيء في الأفق يوضح ما يمكن أن تحدثه من تحولات وتأثيرات مستقبلية، بالذات في اتجاه المزيد من التعاون والمحاسبة والردع المشترك، ربما لأن الأزمة ما تزال في أوائل مراحلها، ولا يمكن إحصاء حجم الضحايا والخسائر الحقيقية التي قد يدفعها العالم. لكن الأمل بتحقق ذلك سيبقى معقودا بشدة.
فمنذ الآن وحتى تلك الأوقات، سيتجرع البشر آلاما كثيرة، ليدركوا أن تعاونا عالميا أكبر صار من الضرورات المحلة، وأن تداخلا مجتمعيا وجغرافيا مثل الذي بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو أكبر من أية خطابات وأيديولوجيات سياسي وصراعية صلبة، وأن الأنظمة السياسية الشمولية والمروعة بقسوتها على مجتمعاتها الداخلية، مثل إيران وسوريا، إنما يتجاوز تأثير فداحتها أية حدود وطنية وهمية ومتخيلة، وأن شكل الاقتصاد السياسي الليبرالي أضعف بكثير مما يتصور نفسه، وأكثر هشاشة من أن يتمكن من حماية نفسه لوحده.
من الآن وحتى أن تتمكن فتاة أخرى من كتابة سيرة ذاتية عن هذه الأوضاع، شبيهة بمروية "امرأة من برلين" القاسية، والتي ربما تكون في باريس أو دمشق أو طوكيو أو نيويورك وربما في كينشاسا، أو أي بقعة أخرى، فالمرويات ستكون متشابهة إلى حد بعيد، من الآن وإلى ذلك الوقت، فإن الذات البشرية يجب أن تتعود على سماع الكثير من المرويات والأحداث والصور التي تقول بأن العالم البشري أقل بهاء وجمالا مما صنعته وتروجه أوهام عالم الصور المتدفقة بكثافة مروعة، وأن البشر إنما اخترعوا أوهامهم عن ذواتهم وواقعهم ومنجزاتهم المتخيلة، بالضبط مثلما اخترعوا أدوات التصوير ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أوهمتهم بمثل ذلك البهاء المتخيل.

