Lithuanian groom Dainius and his bride Ramune pose for the photographer, wearing protective masks against the new coronavirus…
عروسان في زمن كورونا

في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثة أرباع قرن بالضبط، كانت العاصمة الألمانية برلين تشهد الساعات الأخيرة للحرب العالمية الثانية، التي شكلت طوال ستة أعوام كابوسا عالميا، تحطمت أثناءها عشرات الدول ومئات المدان، أما الضحايا فكانوا بعشرات الملايين، عاش البشر خلالها أشكالا مروعة من العنف التدميري المادي والبربرية الروحية والأخلاقية.

بعد قرابة عقد كامل، في العام 1954، تمكنت دار كُتبٍ أميركية من نشر كتاب "امرأة من برلين" (Eine Frau in Berlin)، الذي كشف تفاصيل الفظائع المروعة التي ارتكبها "المحررون" بحق المدنيين الألمان المستسلمين تماما. 

فأسابيع برلين التي تلت لحظة انتهاء الحرب، كانت استعارة وتكثيفا وتعبيرا عن كل الجرائم التي مارسها مجموع المتحاربين من قبل، بحق بعضهم، وبحق مختلف البيئات المدنية. 

لكن نشر الكتاب أيضا، والذي بقي الأكثر مبيعا لسنوات كثيرة، كان إشارة إلى نوع من تعافي الذات البشرية من آثار العار الذي لحقها طوال سنوات الحرب، وقدرتها على الجلوس ومواجهة الذات، نقدا وتنديدا بما جرى، ومحاولة بناء حياة ما أكثر بهاء وقابلية للاستيعاب والعيش سوية. وحيث أن بقاء الكاتبة مجهولة حتى الآن، كان استعارة على أن هذا العار إنما هو عمومي وإطلاقي، يمس كل البشر، فاعلين وضحايا.

فطوال قرابة خمسة عشر عاما، في النصف الثاني من الأربعينيات والخمسينات، عاشت الآدمية أبهى أوقاتها على الأطلاق. فحسب أغلبية واسعة من المراقبين والمؤرخين، كانت تلك الحقبة الأكثر ثراء في منتجاتها الثقافية والفنية، لأنها شهدت نوعا خاصا من السلام الاجتماعي والتنمية الاقتصادية الشاملة. 

كورونا كشف الوقائع الرهيبة في راهن أحوال الاجتماع والسياسة العالمية، شبيهة بما كان يحدث أثناء الحروب العالمية الكبرى

فباستثناء الحربين الكورية والهندية الباكستانية، كانت القوى العالمية مستعدة لأن تخلق أكبر مساحة مشتركة فيما بينها، على أساس التوافقية والمصالح المشتركة، بالضبط كما كانت الكيانات النامية تعيش مرحلة انتعاشها في حقبة ما بعد الاستعمار، محاولة شق طريقها نحو الحداثة السياسية والاقتصادية، بعدما كانت القوى الاستعمارية قد تخلت عن أنماط الهيمنة الرعناء. 

كان ذلك يجري، في وقت لم تكن الحرب الباردة قد بدأت فعليا، ولا كانت الأيديولوجيات الدينية قد شيدت ترساناتها العقائدية والسياسية العنيفة.

كانت التفاؤلية البشرية خلال تلك السنوات، كما سماها المؤرخ البريطاني إيريك هوبزباوم في كتابه التوثيقي عن القرن العشرين، ناتجة عما فعلته سنوات الحرب بالذات الجمعية للآدمية. 

Russian President Vladimir Putin attends a meeting with Gazprom CEO Alexei Miller at the Kremlin in Moscow on March 27, 2020. …
الكرملين في مواجهة ثنائية كورونا والطاقة
موسكو التي خططت لحرب أسعار بوجه الرياض، لم تأخذ بعين الاعتبار تأثير فيروس كورونا وتحوله إلى وباء عالمي مما أدى إلى أضرار ضخمة في الأسواق العالمية وخصوصا في قطاع الطاقة، حيث انخفض الطلب العالمي على النفط والغاز، ما أدى إلى سحق الأسعار في البورصات العالمية

فنزعات القومية والفاشية والشمولية من طرف، وما قابلها من تحالف للقوى الاستعمارية والشيوعية الأيديولوجية من طرف آخر، فجرت براكين الذات البشرية المكبوتة، من طبائع الذات البشرية، الميالة للعنف التدميري دون أي رادع أخلاقي أو وجداني. 

فالحرب كانت دلالة على أن مجموع القيم الأخلاقية والروحية والمدنية، التي راكمها البشر منذ عصر النهضة، وحتى طوال كل التاريخ المرصود، بما في ذلك شكل الأنظمة السياسية ونوعية الاقتصاديات الحديثة وتأثير أنماط التمدن، إنما هي بمجموعها أقل بكثير من قابلية البشر، وربما ميولهم الحتمية، لفعل تلك السلوكيات الشائنة. وكان العقد ونصف العقد الذي تلا الحرب، محاولة لتفنيد ما واجهته البشرية خلال سنوات الحرب، بالدموع والدماء والآلام.

♦♦♦

يلاقي العالم الراهن الكثير من ذلك، فمواجهة كورونا، وبالرغم من كونها ليست حربا تقليدية، من أسلحة وخنادق ودول متحاربة؛ إلا أنها تشكل تهديدا استثنائيا لكامل الاستقرار البشري، شبيه بما شهدته الأحوال أثناء الحرب العالمية الثانية. 

فعشرات الدول أعلنت حالة الطوارئ، استدعت الاحتياط العسكري وأنزلت الجيوش إلى المجال العام، كذلك أوقفت مختلف مؤسساتها ونشاطاتها الاقتصادية والمدنية، هذا إلى جانب إغلاقها لمجالها الجغرافي وتراجعها عن التزاماتها التقليدية تجاه جيرانها، وحتى مجتمعاتها المحلية. وهو ما قد يهدد بحدوث أزمات اقتصادية وسياسية خانقة مستقبلا، وربما حروبا مستعرة، نتيجة لتلك الآثار والديناميكيات.

 لكن كورونا كشف الوقائع الرهيبة في راهن أحوال الاجتماع والسياسة العالمية، شبيهة بما كان يحدث أثناء الحروب العالمية الكبرى.

فالعديد من دول العالم أثبتت أن طبيعة وهوية نُظمها السياسية لا تؤثر على عالمها الداخلي فحسب، بل تملك قابلة تأثير عالمية. فالصين، بدأت من فظاعة إنكارها الأولي للموضوع، وقمع المطلعين من أعضاء جهاز قطاعها الصحي، مرورا بامتناعها عن نقل معلومات شفافة للدول الأخرى، وليس انتهاء باستغلال ذلك في حرب اقتصادية عالمية وتصنيع مواد فاسدة وتصديرها للعالم استغلالا لحاجة هذه الدول الملحة لتلك المواد.

وهذا ما يكشف تفصيلا مهما في ذلك الاتجاه، هو التكلفة الباهظة للقوى العالمية التي قد تحقق تقدما علميا واقتصاديا، دون أن تكون دولة ذات هوية ديمقراطية وقيم عالمية، تحترم منظومة حقوق الإنسان أولا.

على نموذج الصين، يمكن أن تكون أية قوة سياسية راديكالية أخرى، الآن ومستقبلا، كالإسلاميين والقوميين، وحتى الوطنيين المحليين مثل نظام حكم البرازيل راهنا. تتمكن في لحظة ما من تطوير وتمتين قدراتها في مجال أو قطاع بذاته، دون أن تكون خاضعة وملتزمة لقيم ومعايير ومنجزات علم الاجتماع الإنساني، بالذات في القضايا الحقوقية والديمقراطية والحريات العامة وشفافية مؤسسات الدولة وتوازنها.

إيران وسوريا، وإلى حد ما تركيا وروسيا، أثبتت توجهات واضحة في ذلك الاتجاه. فهي أنظمة سياسية غير مبالية بمدى الفداحة التي قد تلحق مجتمعاتها الداخلية، في سبيل الحفاظ على مجموع مهابة السلطة مع استقرار واستمرار الهيمنة المطلقة، دون أي إمكانية للنقد والمحاسبة. وهي يمكن أن تطيح بكامل حاضر ومستقبل مجتمعاتها، ولا توقف أي من برامجها العسكرية والأمنية التي تمتن شموليتها. هي بالتالي، وحسب معطيات أحوال كورونا، إنما شديدة الخطورة على كامل محيطها الجيوسياسي، وبدرجة كبيرة على الأمن والاستقرار العالمي.

الصين، بدأت من فظاعة إنكارها الأولي للموضوع، مرورا بقمع المطلعين من أعضاء جهاز قطاعها الصحي، وامتناعها عن نقل معلومات شفافة للدول الأخرى

في هذا السياق، أثبت الشكل الأكثر عمقا للنيوليبرالية الاقتصادية والسياسية هشاشة واضحة أمام مثل هذه الأوضاع. لا لجهة ضعف الدولة وعدم قدرتها على تأمين مستوى عال من الأمان لمجموع مواطنيها فحسب، بل بشكل اقتصادها وشبكة تداخلها المعقدة مع الكل العالمي. فإما أن يستمر كل شيء كما هو عليه بالضبط، أو تكون البنية بكاملها قابلة للتحطم.

كذلك كشفت الأزمة فداحة سوء التوازن بين مختلف القطاعات في هذه الدول، اقتصاديا وسياسيا ومعرفيا. فأحياز من النشاط الإنساني، مثل الرياضة وعالم المصارف والموضة، قد تستحوذ وتدير وتتحكم بتريليونات الدولارات، وأن تكون محل جذب عمومي مطلق من مليارات المتابعين والموالين، دون أن يكون ثمة انشغال وانهمام بقطاعات أخرى شديدة الحيوية والتأثير على العموم الآدمي، مثل المعارف والسياسة والثقافة والفنون والصحة العامة والبنية التحتية.

♦♦♦

كما الحرب العالمية الثانية، فإن أحوال كورونا هي محاكمة قاسية للذات البشرية، وكاشف جريء للكثير من أشكال الاجتماع السياسي والاقتصادي والكياني العالمي.
صحيح أنه لا شيء في الأفق يوضح ما يمكن أن تحدثه من تحولات وتأثيرات مستقبلية، بالذات في اتجاه المزيد من التعاون والمحاسبة والردع المشترك، ربما لأن الأزمة ما تزال في أوائل مراحلها، ولا يمكن إحصاء حجم الضحايا والخسائر الحقيقية التي قد يدفعها العالم. لكن الأمل بتحقق ذلك سيبقى معقودا بشدة.

فمنذ الآن وحتى تلك الأوقات، سيتجرع البشر آلاما كثيرة، ليدركوا أن تعاونا عالميا أكبر صار من الضرورات المحلة، وأن تداخلا مجتمعيا وجغرافيا مثل الذي بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو أكبر من أية خطابات وأيديولوجيات سياسي وصراعية صلبة، وأن الأنظمة السياسية الشمولية والمروعة بقسوتها على مجتمعاتها الداخلية، مثل إيران وسوريا، إنما يتجاوز تأثير فداحتها أية حدود وطنية وهمية ومتخيلة، وأن شكل الاقتصاد السياسي الليبرالي أضعف بكثير مما يتصور نفسه، وأكثر هشاشة من أن يتمكن من حماية نفسه لوحده.

من الآن وحتى أن تتمكن فتاة أخرى من كتابة سيرة ذاتية عن هذه الأوضاع، شبيهة بمروية "امرأة من برلين" القاسية، والتي ربما تكون في باريس أو دمشق أو طوكيو أو نيويورك وربما في كينشاسا، أو أي بقعة أخرى، فالمرويات ستكون متشابهة إلى حد بعيد، من الآن وإلى ذلك الوقت، فإن الذات البشرية يجب أن تتعود على سماع الكثير من المرويات والأحداث والصور التي تقول بأن العالم البشري أقل بهاء وجمالا مما صنعته وتروجه أوهام عالم الصور المتدفقة بكثافة مروعة، وأن البشر إنما اخترعوا أوهامهم عن ذواتهم وواقعهم ومنجزاتهم المتخيلة، بالضبط مثلما اخترعوا أدوات التصوير ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أوهمتهم بمثل ذلك البهاء المتخيل.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.