Syrians demonstrate on October 25, 2019 in the rebel-held city of Idlib in northwestern Syria in support of Lebanon's massive…
تظاهرة في إدلب تطالب لدعم مطالب اللبنانيين والعراقيين بدولة مدنية

لم تعد جائحة كورونا (كوفيد-19) مجرد فيروس يهدد حياتنا ويختبر الأنظمة الصحيّة في دول العالم، وإنما بات فرصة لإعادة تقييم النظريات والأفكار التي تحكم عالمنا. ويختصر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الموضوع بقوله: "إن هذا الوباء يفرض على الجميع تحديا فكريا".

السجالات الآن تبحث تقييم الطروحات الفكرية التي كنا نعتقد بأننا قد تجاوزنا النقاش بشأنها مع نهاية القرن الماضي. وتحاول الصحافة استطلاع آراء كبار الفلاسفة والمفكرين بشأن مستقبل العالم والأفكار التي تحكمه، إذ نشرت مجلة الدوحة القطرية حوارات مع ثلاثة أهم مفكرين معاصرين، هم كل من فرنسيس فوكوياما، وألان تورين، وإدغار موران. فيما اهتمَّ مدونون في صفحات التواصل الاجتماعي بطروحات هابرماس، ونعوم تشومسكي، وسلافوي جيجيك، وقد نشر آرائهم وطروحاتهم الكاتب والصحفي العراقي علي حسين في صفحته على فيسبوك.

جميع الآراء والنقاشات تدور حول مستقبل الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والعولمة والفاعلين في النظام العالمي، ويبدو أن المفكرين العرب غير معنيين بهذه النقاشات، فهم منشغلون بتركيب وتفسير نظريات المؤامرة. وبدلا من التفكير بمستقبلهم فضَّلوا الرجوع إلى ما يُجِدونه فعليا، ألا وهو الترويج للنموذج النظام السلطوي والشمولي في تعاملهِ مع جائحة كورونا، والشماتة بالأنظمة الديمقراطية واعتبار الجائحة عقوبة ربانية.

الأولوية يجب أن تكون لقضايا العدالة الاجتماعية، وليس للشعارات والأيديولوجيا. وهنا تحديدا ستكون نقطة الافتراق عن حركات الإسلام السياسي التقليدية

وبما أن المنطقة العربية لا تريد مغادرة السجال بشأن مستقل الإسلام السياسي، فيبدو أن استحضار أطروحة ما بعد الإسلاموية، التي طُرحَت للنقاش بعد أحداث "الربيع العربي"، ربما هي الوحيدة التي تستحق التفكير بها، والعودة إلى مناقشة مستقبلها في العالم العربي بعد الانتهاء من وباء كورونا، الذي ستكون نتيجة الحرب معه لصالح التطور العلمي.

يعد أهم من طرح مفهوم "ما بعد الإسلاموية" الباحث الفرنسي أولفييه روا، والباحث الأميركي ذو الأصول الإيرانية آصف بيات. وحاول الأخير تأصيل هذا المفهوم بيان أسسه وركائزه. وتشير ما بعد الإسلاموية عند بيات إلى عملية مركّبة تسعى للانقطاع عن الحزمة الأيديولوجية الإسلاموية التي تختزل المشروع السياسي الإسلامي في إقامة دولة دينية تطبق حكم الشريعة، فهي تدعو إلى قطيعة خطابية أو ذرائعية من هذا النموذج الإسلاموي. وتطرح بديلا عنه يتبنى الالتزام بمشروع ديني مغاير وأكثر استيعابا يستمر فيه الإسلام كدين وكمكوّن للمجال العام.

تؤكّد "ما بعد الإسلاموية" على دمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحريّة، والإسلام والتحرر. إنها محاولة لتجاوز الإسلامية من خلال بناء مجتمع تقي صالح في إطار دولة مدنية غير دينية. وحسب بيات، فإن أبرز تمثلاتها هو القدرة على "صهر الدين بالحريات الشخصية، وتحقيق التوافق بين الإسلام والحداثة وقيم الديمقراطية".

وتُعبّر "ما بعد الإسلاموية" عن الحالة السياسية والاجتماعية التي أعقبت مرحلة التجريب واستنزفت فيها جاذبية وطاقة ومصادر شرعية الإسلاموية، حتى بين من كانوا مؤيديها المتحمسين، مشروعا واعيا لتأطير مفاهيم، ولوضع استراتيجية لبناء منطق ونماذج، متجاوزة المجالات التي أخفقت فيها الإسلاموية فكريا وسياسيا واجتماعيا.

"ما بعد الإسلاموية" هي محاولة لتجاوز الإسلامية من خلال بناء مجتمع تقي صالح في إطار دولة مدنية غير دينية

وبهذا المعنى فهي ـ أي ما بعد الإسلاموية ـ ليست علمانية أو معادية للإسلام أو غير إسلامية. وإنما تمثل سعيا نحو دمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر. "إنها محاولة لقلب المبادئ المؤسّسة للإسلامويّة رأسا على عقب من خلال التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، ووضع التعدُّدية محل سلطوية الصوت الواحد، والتاريخية بدلا عن النصوص، والمستقبل بدلا عن التاريخ".

ويمكن اختزال أطروحة ما بعد الإسلاموية بتجاوز مواقف وطروحات الإسلام السياسي التي تتعارض مع منطق الدولة الحديثة، وترفض التصالح مع واقعها المعاصر. وكذلك تجاوز التعاطي الانتقائي مع الديمقراطية واعتبارها أداة للوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيه. والأهم من ذلك، مغادرة طروحات التيار الإسلاموي الإحيائي المنشغل بأزمة الهوية والدعوة إلى أسلمة الدولة والمجتمع.

إذن، التفكير ومقاربة ما بعد الإسلاموية يجب أن يكون من منظور تصارع نموذجَين في التعامل مع واقع المجتمعات الإسلامية؛ الأول يفكر ويدعو إلى استعادة الخلافة الإسلامية بنموذجها المعاصر الذي قدمه تنظيم "داعش" الإرهابي. أما الثاني فهو يحاول التأسيس والدعوة لنظرة واقعية مع الدولة الحديثة والديمقراطية بمبانيها الفكرية والمؤسساتية.

إذا كان الغرب منشغلا بعالم ما بعد كورونا، ويناقش فلاسفته ومفكريه السياسات الناجعة في مواجهة هذا الوباء والعودة إلى تقييم هيمنة الاقتصاد الرأسمالي، فإننا كعرب لا نزال متأثرين لا فاعلين في نظام العولمة. وأنظمتنا تتعامل بطريقة (الوصاية الأبوية) على مجتمع تفترض بأنه غير مدرك لمصلحته. فإذن علينا الانشغال والتفكير العملي بمستقبل حركات الإسلام السياسي، لأنها إما تحاول أن تفرض نموذجها على المجتمع والدولة، أو تحاول الأنظمة الحاكمة التي تتنافس معها على الحكم تسويقها على أنها خطر يهدد الاستقرار والتنمية!

تؤكّد "ما بعد الإسلاموية" على دمج التدين بالحقوق، والإيمان والحريّة، والإسلام والتحرر

ما بعد الإسلاموية هي تعبير عن الحركات الإسلامية التي تعبّر عن جيل جديد يؤمن بالاعتدال ويتمسك به طريقا لممارسة العمل السياسي. ويعتقد الأولوية يجب أن تكون لقضايا العدالة الاجتماعية، وليس للشعارات والأيديولوجيا. وهنا تحديدا ستكون نقطة الافتراق عن حركات الإسلام السياسي التقليدية. ولعلَّ هذا النقاش والاختبار الحقيقي لأطروحة "ما بعد الإسلامية" قد يتصدّر سجالاتنا الفكرية في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.

إذ تشكل أطروحة ما بعد الإسلاموية تمهيدا يحدد الخارطة الفكرية للحركات السياسية الإسلامية في تعاطيها مع مفاهيم الدولة والنظام الديمقراطي، وقد تشكل المحور الرئيس في نقاشات الفكر السياسي الإسلامي من خلال تأسيس نظري يرتكز على حسم إشكاليات التداخل بين المسألة السياسية والدينية، بعيدا عن المباني العقائدية التي باتت تتحول إلى أيديولوجيات جامدة لا تتلاءم مع الواقع. وهنا يقول أولفييه روا "ليست المسألة بمعرفة ما يمكن تعلمه من الماضي، بقدر ما هي معرفة كيف يعاد بناء الإسلام على أيدي المسلمين".

ختاما، الغرب لم يناقش أفكار ونظريات لم يكن لها تطبيق على أرض الواقع، فالفيروسات قد تتشابه مع الأفكار والنظريات السياسية، فكلاهما لا يمكنهما العيش والاستمرار في الفضاء العام إلا من خلال التماهي مع كائن حي، فإذا كان الفيروس طفيليا لا يمكنه العيش إلا باقترانه بجسم حي، كذلك الأفكار لا يمكن تقييمها وبيان معيارية صوابها من خطائها إلا بتفاعلها مع حياة المجتمعات والشعوب.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.