Healthcare workers prepare for the arrival of COVID-19 patients at the Hotel Melia Barcelona Sarria on April 2, 2020 in…
أطباء إسبان يتحضرون لوصول عدد من المصابين بفيروس كورونا إلى أحد الفنادق الذي تم تحويله لمستشفى

اجتاح فيروس كورونا (كوفيد-19) العالم في فترة وجيزة وتسبب في موت الآلاف. وتباينت درجة انتشار الفيروس وعدد ضحاياه بين الدول المختلفة، فعلى سبيل المثال توجهت العديد من دول العالم إلى تبني العزل الاجتماعي، وتبنى آخرون مبدأ "امكث في بيتك"، ووضع حجر صحي على كافة المجتمع، وسارع البعض إلى إغلاق المدارس، وأقر البعض عقار الملاريا الشهير، كلوروكين، أو أحد مشتقاته وهو الهيدروكسي كلوروكين كعلاج للمرض.

ووسط هذا الزخم كان من المنطق أن تختار الدول التي لم ينتشر فيها الفيروس بشدة ما بين عدة طرق تم اتباعها في الدول الأكثر إصابة به.

و"العقل" هنا يقول لنا إنه إذا أرادت دولة ما الانتصار على الفيروس فعليها أن تأخذ بتجارب الآخرين الناجحة بصورة كاملة لا أن تقتطع أجزاءً منها بدون أدلة دامغة أن هذا الاقتطاع لن يكون له تأثير سلبي.

أما "الجنون" في هذه الحالة فهو التمادي في تقليد أعمى لأسلوب أثبت فشله في عدة دول، ويذكرني ذلك بمقولة العالم الراحل ألبيرت أينشتين رحمه الله حينما قال إن تعريف الجنون هو أن تقوم بفعل نفس الشيء بنفس الطريقة ثم تنتظر نتيجة مختلفة.

وفي هذا السياق أذكر كيف اتجهت ايطاليا وتبعتها إسبانيا إلى تبني التجربة الصينية في "ووهان" وهي المدينة التي بدأ فيها الوباء وتمكنت الصين من الانتصار عليه بعدة وسائل.

مواجهة فيروس كورونا تحتاج لعقول معينة تنظر للأمر من عدة جوانب مجتمعية ودوائية

ولكن الكارثة هنا هو أن إيطاليا وإسبانيا لم تأخذا التجربة بصورة كاملة، وتم التركيز فقط على عملية أن يبقى الناس في بيوتهم، دون إقرار لاستخدام عقار كلوروكين الواعد والذي أقرته الصين بتاريخ 20 فبراير، وأقرته كوريا الجنوبية بتاريخ 12 مارس.

وكانت النتيجة المشؤومة أن انتشار المرض في إيطاليا وإسبانيا فاق كل التصورات ووصل إلى درجة الرعب.

وكان ذلك متوقعا لمن له درجة علمية تسمح له بفهم أسس جهاز المناعة البشري، فالإصرار على مكوث كل الناس في بيوتهم ـ وليس فقط المرضى والمخالطين لهم ـ أضاع أهم مبادئ المناعة البشرية وهو أن التعرض لكمية بسيطة من الفيروس بصورة يومية تجعل جهاز المناعة نشطا وقادرا على التخلص من الفيروس إذا تعرض له مرة أخرى.

ولنا أن نتصور الوضع بعد ذلك في إيطاليا وإسبانيا بعد منع المناعة الطبيعية للبشر، وفي نفس الوقت منع علاجهم بالعقار الوحيد الذي أثبت نتائج جيدة للغاية حتى الآن وهو عقار كلوروكين (أو مشتقاته مثل الهيدروسي كلوروكين).

وأعجب ما في الأمر هنا إصرار البعض على مبدأ "المكوث في المنزل" لكل الناس، بل والتمادي فيه بالرغم من نتائجه المخيفة، فقد وصل معدلات الموت من فيروس كورونا (كوفيد-19) في إيطاليا إلى 218 ووصل في إسبانيا إلى 214 وفاة لكل مليون مواطن.

وكأن لسان الحال هنا يقر مبدأً جنونيا أو انتحاريا وهو "اتبع أسلوب إيطاليا في مواجهة كورونا حتى لا تصبح مثلهم"، بدلا من التفكير البديهي في هذه الحالة وهو "لا تتبع خطوات إيطاليا في مواجهة الفيروس حتى لا تصبح مثلهم!".

وقد وقعت بعض الولايات الأميركية مثل نيويورك في هذا الخطأ التاريخي وزادت أعداد الوفيات كنتيجة لهذا المرض بصورة كبيرة والتي جعلت حاكم نيويورك يعترف بعد ذلك بأنه لو رجع به الزمان لربما اختار طريقة أخرى لمواجهة المرض غير إجبار الناس كلهم على المكوث في منازلهم.

وذكر حاكم نيويورك أن مكوث الأطفال مدة أكبر مع كبار السن لربما زاد من عدوى الآخرين وعقد المشكلة.

وبملاحظة معدل الحالات في ولاية نيويورك يتضح جليا أن ملاحظة حاكم نيويورك كانت صحيحة حيث أن عدد الحالات في نيويورك يوم 10 مارس 2020 أي يوم تم إغلاق جميع المدارس كان 173 حالة فقط ودون حالة وفاة واحدة. أما اليوم ـ أي بعد مرور بضع أسابيع فقط على غلق المدارس وجلوس الصغار مدة أطول مع كبار السن مما عرضهم للعدوى ـ فقد أصبح العدد في نيويورك 83 ألف حالة وأكثر من 2300 وفاة نتيجة للمرض. 

ولنقارن ذلك بولاية "أيداهو" وهي التي أعلنت بوضوح يوم 15 مارس أنها لن تغلق مدارس الولاية بسبب فيروس كورونا فهي اليوم تتمتع بواحد من أقل أعداد الوفاة في الولايات المتحدة (حوالي 9 أفراد فقط). 

وحتى لو كان عدد السكان في أيداهو (وهو حوالي 1.7 مليون نسمة) مثل عدد سكان نيويورك (قرابة العشرين مليون نسمة) فإن عدد الوفيات لم يكن ليتعدى المئة وفاة في هذه الفرضية (بالمقارنة بـ 1500 وفاة في نيويورك). ولا يعني ذلك أن إغلاق أو عدم إغلاق المدارس كان هو العامل الوحيد في هذا الفارق الإحصائي ولكن نستطيع أن نقول إنه عامل لا يمكن تجاهله أو إهماله أيضا.

والكارثة الحقيقية تكمن في أنه إذا خرج بعض الناس بعد فترة المكوث في المنازل وبدون أن يتعرضوا على الإطلاق للفيروس، فإن معدل الوفاة كنتيجة للفيروس قد يزداد عندهم بسبب نقص مناعتهم لهذا الفيروس.

 وقد يساعد استخدام عقار كلوريكين في أن يقلل من هذه الظاهرة المحتملة بعد خروج الناس من بيوتهم للحياة العادية.

ومن الملاحظات الهامة أيضا أن دولا مثل أستراليا وسنغافورا، والتي لم تجبر الناس على المكوث في المنازل، ولم تمنع المدارس بصورة متشنجة ـ لديها واحد من أقل معدلات الوفاة في مجتمعاتهم، فمعدل الوفاة نتيجة كورونا في أستراليا حوالي 1 في المليون نسمة، ومعدل الوفاة في سنغافورة هو حوالي 0.7 في المليون.

 ولنقارن هذه الأرقام على سبيل المثال بمعدلات الوفاة في إيطاليا ـ وهى التي تمادت في إجبار الناس على المكوث في منازلهم ـ وقد وصلت هذه المعدلات إلى حوالي 218 فرد لكل مليون نسمة في إيطاليا، أما في إسبانيا وهي التي حذت حذو إيطاليا ووصل معدل الوفيات فيها من مرض كورونا إلى 214 وفاة لكل مليون نسمة!

انتشار المرض في إيطاليا وإسبانيا فاق كل التصورات ووصل إلى درجة الرعب

أعتقد أن المقارنة هنا تتحدث عن نفسها!

وتأتي إنكلترا في موقع متوقع بين الحالتين فهي تلكأت في إقرار مبدأ مكوث كل أفراد الشعب في بيوتهم وهاجمتها لأجل ذلك العديد من الدول الأوروبية بسبب هذا التأخير.

وكانت النتيجة هي أن إنكلترا ـ وهي التي تركت فرصة أكبر قليلا من إيطاليا وإسبانيا لحدوث المناعة المكتسبة ـ وهي المناعة التي تأتي كما ذكرنا من التعرض للفيروس بكميات صغيرة، وبصورة متكررة ـ لديها اليوم معدلات وفاة 35 في المليون، وهي أقل بكثير من معدلات الوفاة في إيطاليا (218) وإسبانيا (214) اللتان سارعتا بإغلاق كل شيء، وإجبار الناس على الجلوس في بيوتهم، أي بمعنى آخر "منعوا المناعة الطبيعية" ضد الفيروس عند مواطنيهم.

ثم تأتي تجربة البرازيل تدعم هذا المنطق التحليلي فرئيس البرازيل والذي ضرب عرض الحائط بمحاولات فرض حظر قسري على كل فئات المجتمع وإبقائهم في منازلهم، تتمتع دولته اليوم بواحد من أقل معدلات الوفاة لكل مليون نسمة (1 في المليون فقط!).

وقد أوجز كبير علماء الأوبئة في السويد الأمر حينما قال، كما جاء في السي إن إن بالعربية، إن "الحجر الصحي سيضر أكثر مما ينفع في ظل فيروس كورونا".

والفارق بين هذه الدول يوضح أن مواجهة فيروس كورونا تحتاج لعقول معينة تنظر للأمر من عدة جوانب مجتمعية ودوائية، وتضع في اعتبارها كيف يعمل جهاز المناعة البشري بدلا من التقليد المتشنج والأعمى لتجارب فشلت فعليا عند الآخرين. 

وللحديث بقية!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.