A medical staff gets out from a tent of a testing point for the COVID-19 coronavirus in central Moscow on May 2, 2020. - Russia…
نتيجة غياب إحصائيات رسمية روسية عن ضحايا كورونا من الكوادر الطبية، قامت مجموعة من الأطباء بكتابة لائحة تذكارية للزملاء الذين سقطوا كانت تضم 113 اسما في أوائل شهر مايو الماضي

تسابقت دول العالم في تقديم الشكر "للجيش الأبيض" الذي واجه وباء كورونا في ظروف بالغة الصعوبة، من أبرزها أعدادهم القليلة مقارنة بانتشار الوباء وعدد المصابين، ما جعلهم يعملون بدون توقف. إضافة إلى النقص في معدات الحماية الفردية، فانتشرت صورهم وكدمات زرقاء وقروح تغطي وجوههم بسبب ارتداء الأقنعة لفترات طويلة، أو وهم يرتدون أكياس قمامة بديلا عن وسائل الحماية الشخصية، أو ينامون جلوسا من الإرهاق.

ترافق عملهم هذا مع ارتفاع مخاطر العدوى، فقد أعلن المجلس الدولي للتمريض عن اعتقاده أن 90 ألفا على الأقل من العاملين في مجال الرعاية الصحية في العالم أصيبوا بكوفيد-19، ومن المبكّر إحصاء العدد النهائي للوفيات لكن من المؤكد أنه كبير جدا، ولكل ذلك فقد ارتفع شعار يحيا "الجيش الأبيض" بمختلف اللغات وأضيء برج إيفل وإمباير ستيت باللون الأبيض تكريما لهم.

ولكن هذا التكريم لم يشمل جميع الدول. فالصين التي تستّرت في البداية على انتشار الوباء، أصبح أطباؤها مصدر قلق لها لأنهم قادرون على كشف خداعها، فعندما حذّر الطبيب لي وين ليانغ الصينيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مرض جديد غامض، استدعته الشرطة في الثالث من شهر يناير مع سبعة آخرين وطلبت منهم "التوقف عن نشر أخبار كاذبة عبر الإنترنت تضعف بشدة النظام الاجتماعي". بعد شهر توفي هذا الطبيب مصابا بفيروس كورونا، فأصبح بمثابة بطل قومي لأنه واجه المسؤولين الذين حاولوا التكتم على المرض مما أعطى وفاته طابعا سياسيا، وكتب أحد زملائه على مواقع التواصل الاجتماعي "إنه البطل الذي دفع حياته مقابل التحذير من المرض".

لا يوجد تفسير لما يتعرض له "الجيش الأبيض" من مضايقات واستدعاءات واعتقالات في مصر والصين وروسيا إلا أن هذه الدول تحاول إخفاء شيء ما

كما قال طبيب يدعى بينغ زيونغ يعمل في مستشفى تابع لجامعة ووهان لصحيفة التايمز البريطانية، إن نحو ألف من الطواقم الطبية قد أصيبوا بعدوى كورونا وأن السلطات حاولت التضييق عليهم رغم عملهم المتواصل لـ 12 ساعة في كل مناوبة، كانوا خلالها يحاولون الامتناع عن الأكل والشراب حتى لا يذهبوا إلى دورة المياه وينزعوا ثيابهم فيلتقطون العدوى. ووصف كيف بكى عندما شاهد مرضى يستنجدون لدخول المشفى ليتم إبعادهم، "كانوا ينتحبون أمام المشفى وجثا بعضهم على ركبتيه يتوسل لأدخلهم المستشفى لكنني لم أستطع فعل شيء فجميع الأسرّة مشغولة". وتابع أن 40 من أفراد فريقه التقطوا العدوى، لكن الوضع كان أسوأ في مشفى آخر في المدينة حيث أصيب ثلثي العاملين بالعناية المشددة، ومن الطبيعي أن يحاول الحكم الشمولي في الصين ألا تخرج هذه الصور المأساوية للعالم.

وعندما وصل المرض إلى مصر تبيّن أنها لا تملك هذا الفائض من المستلزمات الطبية الذي أوحت بوجوده عندما أرسلت مساعدات طبية للصين وإيطاليا وأميركا، والتي يبدو أن إرسالها كان مجرد استعراض إعلامي سمح لعضو مجلس الشعب مصطفى بكري بالقول: "قائد مصر ينقذ البشرية ويتابع أحوال الدول المنكوبة". فقد أدّى نقص وسائل الحماية الفردية إلى وفاة 33 طبيب وإصابة 372 آخرين كما قال إبراهيم الزيات عضو مجلس نقابة الأطباء المصريين، وأضاف أنه تم إجراء مسحة لخمسين طبيبا في مشفى الزهراء الجامعي في القاهرة أظهرت النتائج إيجابية 35 منهم، مما يدل على درجة الانتشار الواسع للمرض في الوسط الطبي.

وقالت نقابة الأطباء إن وزارة الصحة هي المسؤولة عن ذلك نتيجة تقاعسها وإهمالها في حماية الكادر الطبي، واحتجاجا على ذلك وبعد وفاة طبيب عمره 32 عاما بفيروس كورونا، نشر أطباء على حسابهم على فيسبوك استقالاتهم من مستشفيات حكومية، مطالبين "بتوفير وسائل الحماية الفردية وتطبيق تدابير أفضل للسيطرة على العدوى وإيقاف التهديدات الإدارية والأمنية".

رد السلطات المصرية كان سريعا، وعلى شكل اللغة التي تتقنها، حيث ألقت السلطات المصرية القبض على ثلاثة أطباء على الأقل ووجهت لهم اتهامات "بنشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والانضمام إلى تنظيم إرهابي" حسب وكالة رويترز.

وردا على خطوة الحكومة، أطلق رواد التواصل الاجتماعي هاشتاغ التضامن مع أطباء مصر، الذي أصبح خلال ساعات الأكثر تداولا، وقال أطباء ومحامون وناشطون لنفس الوكالة إن هناك حملة واسعة النطاق لفرض رقابة على التغطية الإعلامية لتفشي المرض.

وأخبر ناشط أخفى هويته وكالة رويترز أن وزارة الصحة أصدرت مذكّرة حذّرت فيها المستشفيات في محافظة البحيرة والعاملين في قطاع الرعاية الصحية بأنهم سيتعرضون إلى مساءلة قانونية إذا سرّبوا معلومات عن فيروس كورونا، وقال أطباء في ثلاث محافظات أخرى بأنهم شاهدوا تحذيرات مماثلة، وصرّح طبيب من محافظة الدقهلية طلب عدم نشر اسمه أن لجنة الشؤون القانونية التابعة لوزارة الصحة استجوبته بسبب اتهامه الوزارة على فيسبوك بعدم الشفافية، وأضاف أن الدولة تريد تخفيض عدد الوفيات، ووجّهت وسائل إعلام حكومية اتهامات لمن يشكك بمعلومات الحكومة بأن لهم علاقة بجماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

وربما يكون حظ أطباء مصر والصين أفضل من زملائهم في روسيا، فبين 24 إبريل و2 مايو الماضيين أقدمت طبيبتان على "الانتحار" بإلقاء نفسيهما من الطابق الخامس في مستشفيين مختلفين وتوفيّتا على الفور، بينما حاول طبيب ثالث الانتحار بإلقاء نفسه من الطابق الأول بمستشفى آخر فأصيب بعدة كسور في الجمجمة. في الواقع من المستبعد إقدام طبيب شاب عمره 37 سنة على إلقاء نفسه من الطابق الأول بقصد الانتحار، أو أن تحدث كسور عديدة في الجمجمة نتيجة سقوطه من الطابق الأول، مما يثير الشكوك حول ملابسات مقتل هؤلاء الأطباء.

نتيجة غياب إحصائيات رسمية روسية عن ضحايا كورونا من الكوادر الطبية، قامت مجموعة من الأطباء بكتابة لائحة تذكارية للزملاء الذين سقطوا كانت تضم 113 اسما في أوائل شهر مايو الماضي

ومما زاد من تلك الشكوك أن السلطات طلبت من أقارب الطبيب وزملائه ألا يأتوا على ذكر الحادث. وهناك أدلة على أن الأطباء الثلاثة كانوا في صراع مع إدارة المستشفيات بشأن الاستجابة لفيروس كورونا، وكان الطبيب الأخير قد أحيل للتحقيق بعد أن نشر مقطع فيديو مع زميله يشكو فيه نقص معدات الحماية في المستشفيات، فتم اتهامه بنشر أخبار كاذبة. وكتب أوليفر كارول تحقيقا في صحيفة الإندبندنت البريطانية قال فيه إنه بدل أن تتحدث عناوين الصحف عن الازدياد الكبير للإصابات في روسيا كانت العناوين حول سقوط أطباء من النوافذ!

تجدر الإشارة هنا، إلى أن "انتحار" الشخصيات المعارضة في روسيا عبر القفز من شرفات المباني أمر تكرر في السنوات الماضية، وطال عددا من الصحفيين والمعارضين السياسيين للنظام الروسي، وهو ما طرح تساؤلات كثيرة عن حقيقة عمليات الانتحار هذه.

ونتيجة غياب إحصائيات رسمية روسية عن ضحايا كورونا من الكوادر الطبية، قامت مجموعة من الأطباء بكتابة لائحة تذكارية للزملاء الذين سقطوا كانت تضم 113 اسما في أوائل شهر مايو الماضي، ولا بد أن يكون هذا العدد قد ارتفع خلال الشهر الأخير الذي شهد ذروة انتشار كورونا في روسيا حتى قارب عدد الإصابات النصف مليون. ورغم هذا العدد الهائل من الإصابات فإن أعداد الوفيات المعلن عنها رسميا كان ستة آلاف فقط في نسبة منخفضة إلى أقل من واحد على عشرة من معدل الوفيات في إيطاليا أو السويد، وواحد على خمسة من معدل الوفيات بأميركا رغم أن تلك البلدان أكثر تطورا من روسيا في النواحي الطبية بما يوحي بعدم دقّة تلك الأرقام.

لا يوجد تفسير لما يتعرض له "الجيش الأبيض" من مضايقات واستدعاءات واعتقالات في مصر والصين وروسيا إلا أن هذه الدول تحاول إخفاء شيء ما؛ ربما الأعداد الحقيقية للإصابات أو الوفيات أو عدم جاهزية القطاع الصحي، بما يختلف عن الصورة الوردية التي ينقلها الإعلام، ففي هذا النوع من الأنظمة الشفافية محظورة وتشكّل خطرا على الأمن القومي خصوصا لأن التقصير لا يحصل في هذه البلدان! فالإقرار بالتقصير سيضرّ بصورة الزعيم الذي اختصر الدولة بشخصه.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.