FILE PHOTO: A shopper passes near a self-distancing queue outside Trader Joe's, as they limited the amount of shoppers allowed…

قالت صحيفة نيويورك تايمز إن هناك خطة وضعتها الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة لمكافحة فيروس كورونا مؤرخة في 13 مارس 2020 انطلقت من أن الوباء سيستمر 18 شهرا أو أكثر، وقد يشمل موجات متعددة وقد يحدث نقصا في المعدات والمستلزمات التشخيصية والطبية. 

في الوقت عينه تقريبا ذكر تقرير نشرته صحيفة الغارديان أن مسؤولين في وكالة الصحة العامة البريطانية توقّعوا أن يستمر وباء كورونا لسنة على الأقل وأن يصيب 80 في المئة من البريطانيين، واختصر بوريس جونسون قبل إصابته بفيروس كورونا هذه التوقعات بالقول إن "هذه أسوأ كارثة صحية خلال هذا الجيل، ولا بد لي من أتشارك معكم بالحقيقة، المزيد من العائلات سيفقدون أحبتهم قبل وقتهم".

خط سير وباء كورونا المفزع في إيطاليا كان السبب الرئيسي للتشاؤم الذي خيّم على العالم الغربي، خصوصا بعد أن تبعتها إسبانيا وبعد ظهور مؤشّرات على أن فرنسا وبريطانيا تسيران على نفس الطريق. فإيطاليا تشترك مع دول الغرب في أرضية جينية وحضارية وظروف مناخية واحدة ومن الطبيعي أن يتكرر ما يحدث فيها عند مثيلاتها، بينما أخذ كورونا مسارا أقل خبثا في شرق آسيا، ربما لأن المجتمعات هناك مختلفة جينيا أو لأنها أكثر انضباطا والتزاما بالتعليمات من المجتمعات الغربية أو لأن الفيروس قد تعرّض في إيطاليا لطفرة زادت من شراسته.

الإغلاق الاقتصادي الشامل لأمد طويل ليس حلّا ولا يضمن منع العدوى

ولتجنّب السيناريو الإيطالي حاولت الحكومات الغربية تأجيل دخول المرض لبلادها عبر إغلاق حدودها وإبطاء سرعة ازدياد عدد المرضى باتجاه الذروة وتخفيف حدّة هذه الذروة قدر الإمكان، حتى يكون النظام الصحي في وضع أفضل لمواجهته. فتكرار النموذج الإيطالي في بلد بحجم الولايات المتحدة الأميركية سيعني على أقل تقدير وقوع عشرات آلاف الوفيات ودخول مئات آلاف المرضى للمستشفيات. ولذلك تركّزت الجهود الأميركية على عزل السكان في منازلهم لعدة أسابيع بحيث لا تؤدي موجة الوباء الحالية سوى إلى إصابة نسبة محدودة منهم حتى تتمكن المؤسسات الصحية من تقديم الخدمات المطلوبة لهم.

وفي حال نجاح هذا الأسلوب ستتم حماية أغلبية السكان من الإصابة بهذا الفيروس ولكنهم سيبقون غير محصّنين ضده، ومن المرجّح حينها أن يتابع الفيروس جولته داخل الولايات المتحدة وخارجها ليعود في هجمة جديدة يتوقعها بعض العلماء في خريف عام 2020 والتي ستستمر حسب رأيهم حتى بداية صيف 2021. واستمرار إجراءات العزل والحجر وإغلاق الشركات والمدارس ووسائل المواصلات والمطاعم والفنادق والأسواق وإيقاف النشاطات بجميع أشكالها حتى ذلك التاريخ سيهدد بانهيار اقتصادي شامل.

فالنظام الاقتصادي في الدول الغربية يعتمد بشكل رئيسي على القطاع الخاص. في الولايات المتحدة مثلا 15.3 في المئة فقط من اليد العاملة تعمل في مؤسسات تابعة للحكومة، بينما يتوزع الباقي على شركات القطاع الخاص نصفهم يعمل في مشاريع صغيرة، وإغلاق البلد لهذه الفترة الطويلة سيؤدي لفقدان أغلبية هؤلاء لعملهم، لأن هذه المشاريع ستعجز عن سداد القروض التي موّلتها وستتعرض للإفلاس، وبالتالي سيفقد العاملون فيها وظائفهم ولن يعود بإمكانهم سداد أقساط المنازل التي اشتروها وهكذا في سلسلة انهيار اقتصادي ليس لها نهاية، وقد بدأت بوادره من الأسبوع الأول الذي تلا قرار الإغلاق حين تقدّم 3.3 مليون أميركي بطلب إعانة بطالة من الحكومة وهو رقم قياسي لا سابقة له.

وحتى اللقاح الذي يعلّق العالم آماله عليه لإنقاذه من فيروس كورونا من الصعب أن يكون جاهزا قبل خريف العام المقبل وهذا يجعل احتمال استمرار إغلاق المدارس ودور الحضانة حتى نهاية العام الدراسي 2020 ـ 2021 واردا مما سيكون له آثارا سلبية واسعة، إذ حتى لو تمّت الاستعانة بتقنيات التعليم عن بعد، فإن الصحّة النفسية والتطور الروحي والحركي السليم للأطفال يتطلب التواصل والتفاعل ضمن مجتمع طفلي تؤمّنه المدرسة، كما أن عمل أغلب الأميركيين مرتبط بهذه المدارس التي توفّر أماكن آمنة لأبنائهم خلال ساعات عملهم. 

إضافة إلى كل ذلك، فإن هذا النوع من الحياة الجافّة التي يفرضها العزل الصحي، الخالية من النشاطات الاجتماعية والرياضية والفنية المترافق مع توقف السياحة والسفر ومنع اختلاط الناس مع بعضهم في زحمة الشوارع ومراكز التسوق وتبادل الزيارات الاجتماعية بين الأهل والمعارف من الصعب تحمّلها صحيا ونفسيا لفترات طويلة.

بينما في المقابل في مدينة ووهان الصينية التي تعرّضت مع كامل إقليمها للحصار من الحكومة المركزية وترك سكانها في مواجهة الفيروس ليتفشّى فيها وينهي دورته، فقد عاد الناجون من سكانها بعد شهرين من الحصار لممارسة حياتهم الطبيعية لأنهم أصبحوا محصّنين من الفيروس. 

This picture taken on March 23, 2020 shows Palestinian Muslim men prostrate in prayer as Israeli security forces watch near the…
الفلسطينيون يريدون التعاون مع إسرائيل لمكافحة كورو
يخلّف فيروس كورونا المتفشّي وقعا كبيرا على حياة الإسرائيليين الشخصية والعامة، ولكن درجة تأثيره على الفلسطينيين المقيمين بجوارهم في الضفة الغربية وغزة لا تزال حتى الآن أخفّ.في خضم هذه الأزمة الطبية، تم إجراء استطلاع استثنائي للرأي في هذه المناطق، فأعطى لمحةً عن المواقف والتصرفات المتغيرة فيها وكشف عن بعض الجوانب الإيجابية المفاجئة

كما انتشر فيروس كورونا في إقليم لومبارديا الإيطالي بذات الدرجة ربما نتيجة التأخر في تطبيق العزل؛ وخلال أسابيع سيتجاوز هذا الإقليم مشكلة الوباء دفعة واحدة، وسيصبح أغلب سكانه محصّنين من الفيروس بعد شفائهم منه وبعد وصولهم إلى ما أصطلح على تسميته "مناعة القطيع"، إذ أن إصابة 60 حتى 70 في المئة من مجتمع ما بأحد الأمراض الفيروسية تعطي هذا المجتمع حماية من هجمة وبائية جديدة بهذا الفيروس، أي سيكون بإمكان شمال إيطاليا قريبا العودة إلى الحياة الطبيعية وممارسة كافة أشكال النشاط الاقتصادي والسياحي والرياضي والفني فلم يعد لدى سكانه ما يخشونه.

ولكن الأولوية في الأنظمة الديمقراطية هي إنقاذ الأرواح مهما كان ثمن ذلك باهظا على المستوى الاقتصادي، ولا تستطيع هذه الحكومات السماح بتكرار ما حدث في ووهان ولمبارديا في بلادها، ولذلك قامت بانتهاج سياسة العزل والحجر والإغلاق الشامل. 

اللقاح الذي يعلّق العالم آماله عليه لإنقاذه من فيروس كورونا من الصعب أن يكون جاهزا قبل خريف العام المقبل

ولكن الفترة الطويلة التي سيستغرقها هذا الوباء حتى يبدأ بالتراجع دفعت بعض الأصوات للقول بأن الإغلاق الاقتصادي الشامل لأمد طويل ليس حلّا ولا يضمن منع العدوى، وهو بالإضافة إلى تهديده بتدمير الاقتصاد وخفض مستوى معيشة السكان، فإنه قد يسبب أمراضا عضوية ونفسية واجتماعية لا تقل خطورة عن كورونا نفسه.

ولذلك بدأ البحث عن بعض الحلول المعقولة التي تخفف من انتشار المرض دون تدمير الاقتصاد والتي يمكن البدء بتطبيقها بشكل سريع بعد بضعة أسابيع مع بداية فصل الصيف، والتي قد تتضمن عودة الشباب وكل من تم شفاءه من كورونا وكل من لديه مخاطر منخفضة من مضاعفاتها للعمل، مع استمرار إجراءات الوقاية المطلوبة في هذا الوباء من ناحية النظافة والابتعاد لمسافة كافية عن الآخرين، بحيث تقتصر إجراءات العزل فقط على الأشخاص الأكثر عرضة لمضاعفات المرض، حتى تعود الحياة بشكل أقرب ما يكون إلى الطبيعي.

كما قدّمت الولايات المتحدة حتى الآن نموذجا لافتا في التعامل الاستراتيجي الشامل والشفّاف في مواجهتها لوباء كورونا، وكما ينتظر العالم من علمائها وأطبائها إيجاد علاج للمضاعفات الخطرة لهذا الفيروس قبل الشتاء المقبل، وإيجاد لقاح يقضي عليه قبل الشتاء الذي يليه، فإن الآمال اليوم معقودة عليها وعلى حلفائها في دول الغرب لإيجاد طريقة يتحقق فيها التوازن بين أنجح السبل لمواجهة وباء كورونا على المستوى الصحّي مع دفع أقل ثمن اقتصادي مقابل تحقيق لذلك.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.