Syrian civilians and activists wave pre-Baath Syrian flags, now used by the Syrian opposition, during an anti-regime…
سوريون يرفعون شعار "عاشت سوريا ويسقط الأسد" ردا على شعار "سوريا الأسد" الذي كرسه نظام البعث

بالضبط كما تعيش مجتمعات منطقتنا حاضرها وتتطلع إلى مستقبلها بعسرٍ بالغ، فإنها على الدوام، أو على الأقل طوال قرن "الحداثة" الأخير، كانت كثيرة العناد والصلابة والخطابية في قراءة ووعي تاريخها. أو بقول يملك حصافة كافية، كانت تلك العلاقة القلقة لمجتمعاتنا مع تاريخها الاجتماعي والسياسي، عتبة أولية وتأسيسية، ودائمة التأثير، لشكل علاقتها مع حاضرها ومستقبلها.

بالضبط أيضا، كما أن مختلف أشكال حاضر هذه المجتمعات محتكر بيد طبقة من الشمولية السياسية والعسكرية والاقتصادية، تملك فيه هذه القوى المتحالفة سلطة تحديد أحوال حاضر ومصائر الكيانات والمجتمعات، كان إنتاج وتفعيل "التاريخ" و"المخيلة الجمعية" و"الحقيقة العمومية" لهذه المجتمعات مُحتكرا بيد طبقة نخبوية شديدة المركزية، مرتبطة عضويا ونفعيا وأيديولوجيا بالسلطة السياسية الشمولية نفسها، أو على الأقل كان ثمة تناغم ما بين المستويين من الإنتاج.

كانت "الحكاية الكبرى" عن التاريخ في دول ومجتمعات منطقتنا، والتي تحولت عبر أجهزة الإعلام والدعاية ومؤسسات التربية وخطاب القوى السلطوية والنخب الرديفة لها إلى "السردية العمومية"، كانت قد تشكلت من تلاقي ثلاثة مقولات/أحاجي تأسيسية، تقول ببساطة: كانت لشعوبنا وكياناتهم القديمة تاريخ من "المجد العظيم" في الزمن الذي مضى، عاشت مجتمعاتها التكوينية، بمختلف تقسيماتها الدينية والطائفية والمناطقية والعرقية، عاشت على مدى التاريخ بوئام لا مثيل له، لكنها كانت على الدوام مستهدفة من قِبل القوى العالمية، التي ما وفرت جهدا لتقويض كياناتنا وخلق الصراعات بين مجتمعاتنا الداخلية.

طوال هذا القرن، بقيت السلطة في مختلف تجاربنا هوياتية وعصوبية، أكثر مما كانت تعاقدية وتمثيلية وإدارية

تلك "الحكاية الكبرى"، التي أنتج منها وعنها أعداد لا تُحصى من الأمثلة والاستعارات، كانت العمود الفقري لإنتاج الهوية الكيانية والشخصية السياسية والمخيلة الجمعية للأغلبية العظمى من أبناء منطقتنا ومواثيق دولهم وخطابات مؤسساتهم الرسمية. وتكررت بشكل متطابق في النماذج التركية والعربية والفارسية والكردية، وإن بنسب متفاوتة. ومثل صلابتها وثقتها بنفسها، كانت أداة لإنتاج أشكال من الثقة بالنفس والاعتداد بالهوية، ولو وهمية ومتخيلة، مثلما هي الحكاية الكبرى نفسها، منتجة ورغبوية، أكثر بكثير مما هي "حقيقة".

حدث ذلك بفعل عوامل عديدة ومركبة. منها عدم استقلال المجال المعرفي/ التأريخي عن نظيريه السياسي، وهيمنة هذا الأخير على الاقتصاد، الذي بقي بدوره بعيدا عن إنتاج المعرفة/التأريخ ومؤسساته. 

فوق ذلك، كانت الأنظمة السياسية في هذه المنطقة تنتمي إلى نماذج شديدة السلطانية، تستمد شرعيتها من خطابات وأيديولوجيات ومخيلات عامة، لا من تمثيل وقبول عمومي، لذا كان التحكم بإنتاج التاريخ من أهم أولوياتها، وما سمحت قط بأية استقلالية أو حرية للتأريخ.

♦♦♦

طوال قرن الحداثة هذا أيضا، وفي مختلف بقاع العالم، كانت تنمو أنماطا من المؤرخين والمعرفيين بالتأريخ، مختلفون تماما عن النماذج التقليدية في بلدانهم. 

هؤلاء المؤرخون الجدد، كانوا يجهدون لاجتراح ما هو معاكس لأفعال المؤرخين في تجارب منطقتنا، عن تاريخ كياناتهم ومجتمعاتهم، وأنتجوا بكثافة ما كانوا يعتبرونه "الرواية البديلة" لما صار مكرسا بفعل التعميم السلطوي. رواية مليئة بالشك ومعتدة بالمتابعة والتدقيق، ولا تفترض سلطة أو مهابة لأي شيء، بما في ذلك مقدسات الجماعات وأمن الكيانات. رواية كانوا يعتبرونها سلطانة نفسها، تملك مشروعية تامة لقول ما تصل إليه من نتائج معرفية عن التاريخ، أيا كانت.

لم يكن الرواة والمؤرخون الجدد يرون في ذلك "خيانة" لحياد واستقلال المعرفة بالتاريخ. بل على العكس تماما، كانوا يعتبرون ذلك تحقيقا وتكريسا لسلطة المعرفة وسماتها تلك. فالرواية التاريخية التقليدية تملك كل أدوات وديناميكيات القوة والهيمنة، على النقيض من السرديات المهمشة والمطمرة والمكبوتة، التي تحتاج إلى جهد معرفي ووفاء وجداني وولاء روحي، لتعيد تساويا وتوازنا مع السردية السلطوية المهيمنة.

نبش هؤلاء المؤرخون الجدد في ماضي كياناتهم. سبروا "حقائق" تشكلها، وأساطير خلقتها، وأوهام ذاكرتها الجمعية وقصصها عن نفسها وعن العالم، محصوا في أفعال سلطاتهم، وكشفوا جرائمها ومختلف آليات وتاريخ العنف فيها، وجهوا أصابع الاتهام إلى المقدسات من المرويات، وعارضوا السلطات التي كانت تسعى لإخفاء أية وثيقة أو دلالة بدعوى الأمن العام/ القومي، وهتكوا الأشياء التي كانت تُعتبر سرا جماعيا مُتوافق على السكوت عليه، وأولا كشفوا أنماط السيطرة والكراهية والتعنيف المتبادل التي غطت شكل العلاقة بين الجماعات الأهلية في مناطقهم ودولهم، في تاريخهم البعيد والقريب.

كان ثمة شغف كبير يسيطر عليهم، مبني على ولائهم الداخلي والعميق لما اعتبروه ودا وانتماء وواجبا أخلاقيا تجاه الأطراف الأضعف في مسيرة التاريخ، المهزومين غالبا، المهمشين والمقموعين، مجتمعيا وثقافيا وعرقيا وأهليا وسياسيا، داخليا وخارجيا، الذين يُستطاع عبر سرد مرويتهم ورؤاهم ومشاهدتهم، خلق توازن ما مع رواية الأقوياء المهيمنين.

تنتمي الأنظمة السياسية في هذه المنطقة إلى نماذج شديدة السلطانية، لذا كان التحكم بإنتاج التاريخ من أهم أولوياتها، وما سمحت قط بأية استقلالية أو حرية للتأريخ

لم تشهد دولنا ومنطقتنا تجارب شبيهة بتلك، خلا التجربة الإسرائيلية الثرية، مع موجة مؤرخي عقد الثمانينيات، من أمثال المؤرخين بني موريس وإيلان بابيه وشلومو ساند، الذين ناظرهم في الأدب عاموس عوز وياعيل دايان، ومن جمع بين التاريخ والسياسية والصحافة، أمثال جدعون ليفي وإبراهيم يشوع. 

شكل هؤلاء تيارا للتأريخ المعاصر، شديد التشكيك في الرواية العمومية، ومتلهف على الدوام للنبش وإعادة التحميص بما هو مسكوت عنه، أو ما صار يُعتبر بمعنى أو آخر "بداهة تاريخية" ما، غير جديرة بالمراجعة.

صحيح أن تجارب منطقتنا شهدت بعض المحاولات الشجاعة في ذلك الاتجاه، كما فعل اسماعيل بيشكجي في تركيا وناصر بوربيرار في إيران وأحمد بيضون في لبنان، لكنها وإلى جانب بعض التجارب الأخرى القريبة منها، بقيت محاولات فردية، غير قادرة على التحول إلى تيار أو نموذج لما يجب أن يكون عليه التأريخ، وطبعا لم تستطع أن تؤسس أو تستند على مركز بحثي أو مؤسسة معرفية، تنتج التأريخ باستقلالية واحتراف، مثلما تُنتج المؤسسات الإنتاجية أي شيء آخر ذا قيمة.

♦♦♦

طوال هذا القرن أيضا، بقيت السلطة في مختلف تجاربنا هوياتية وعصوبية، أكثر مما كانت تعاقدية وتمثيلية وإدارية، دون أن تنتج هي ومجتمعاتها أشياء ذي قيمة مضافة، فتضخم اهتمامها واعتدادها بالتاريخ، كمنبع وحيد للـ"المجد" و"الشرعية"، ولو المتخيلة. ولأجل كل ذلك، فإنها اعتبرت هذا التأريخ وطريقة إنتاجه أداة تصارع حيوية للغاية، لفرض هيمنة القوى سياسية المجتمعات الداخلية، أو لهيمنة جماعة داخلية ما على باقي الجماعات.

انفرزت عن كامل تلك اللوحة ظاهرتان متراكبتان: فقد استمرت وتمادت قوى الهيمنة السياسية والاجتماعية في ممارسة أعمالها طوال هذا القرن، لكنها بقيت على الدوام تجد من يبرر ويتفهم ويشرعن أفعالها، دون أية قراءة تاريخية تفضحها وتشكك بشرعيتها.

معارضة الأقوياء والود للمجتمعات هو ما يليق بشرف الثقافة وبهاء المعرفة

فكامل تجارب الأحزاب القومية والأنظمة الشمولية، من الملكيات ذات الدماء الزرقاء إلى الجمهوريات العسكرية العربية، مرورا بتجارب حكم الدولة العميقة التركية والثيوقراطية القروسطية الإيرانية، بكل أفعالها وجرائمها طوال قرن كامل مضى، والتي شكلت تاريخنا المعاصر المرير، وجدت من يبرر ويتفهم أفعالها، وحتى أن يمجدها. فالمؤسسات والنُخب المنتجة للتأريخ تحولت إلى أجهزة طاعة انعكاسية، شبيهة في وعيها وآليات عملها للأجهزة العسكرية والأمنية والدعائية.

على صفحة نقيضة ظاهرا، ومطابقة جوهرا، تنامت ظاهرة "المؤرخين" الشعبويين، الذي جمعوا كثير الخطابة والانفعال والسطحية بقليل الحصافة والجهد المعرفي، هؤلاء الذي استندوا إلى مقولات عدمية ومفرغة، من مثل "مجتمعاتنا شريرة بجوهرها، ثقافتنا عنيفة بطبعها، تاريخنا كتلة كاملة من العنف، لم ننتج شيئا طوال تاريخنا... إلخ". هؤلاء الذين استندوا على إرث فتاك للاستعلاء على مجتمعاتهم وازدراء ثقافتهم، مستلهمين بشكل أو بآخر خطابات التفوق العرقي والثقافي، ولو بشكل مستبطن، يظهر وكأنه نقد للذات والهوية الجمعية.

على عكس المؤرخين الجدد تماما، فإن هاتان الظاهرتان من المؤرخين في تجاربنا، إما حابت ووالت السلطات القوية، أو كرهت وتعالت على مجتمعاتها. حيث أن العكس تماما هو ما يليق بشرف الثقافة وبهاء المعرفة، معارضة الأقوياء والود للمجتمعات.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.