بالضبط كما تعيش مجتمعات منطقتنا حاضرها وتتطلع إلى مستقبلها بعسرٍ بالغ، فإنها على الدوام، أو على الأقل طوال قرن "الحداثة" الأخير، كانت كثيرة العناد والصلابة والخطابية في قراءة ووعي تاريخها. أو بقول يملك حصافة كافية، كانت تلك العلاقة القلقة لمجتمعاتنا مع تاريخها الاجتماعي والسياسي، عتبة أولية وتأسيسية، ودائمة التأثير، لشكل علاقتها مع حاضرها ومستقبلها.
بالضبط أيضا، كما أن مختلف أشكال حاضر هذه المجتمعات محتكر بيد طبقة من الشمولية السياسية والعسكرية والاقتصادية، تملك فيه هذه القوى المتحالفة سلطة تحديد أحوال حاضر ومصائر الكيانات والمجتمعات، كان إنتاج وتفعيل "التاريخ" و"المخيلة الجمعية" و"الحقيقة العمومية" لهذه المجتمعات مُحتكرا بيد طبقة نخبوية شديدة المركزية، مرتبطة عضويا ونفعيا وأيديولوجيا بالسلطة السياسية الشمولية نفسها، أو على الأقل كان ثمة تناغم ما بين المستويين من الإنتاج.
كانت "الحكاية الكبرى" عن التاريخ في دول ومجتمعات منطقتنا، والتي تحولت عبر أجهزة الإعلام والدعاية ومؤسسات التربية وخطاب القوى السلطوية والنخب الرديفة لها إلى "السردية العمومية"، كانت قد تشكلت من تلاقي ثلاثة مقولات/أحاجي تأسيسية، تقول ببساطة: كانت لشعوبنا وكياناتهم القديمة تاريخ من "المجد العظيم" في الزمن الذي مضى، عاشت مجتمعاتها التكوينية، بمختلف تقسيماتها الدينية والطائفية والمناطقية والعرقية، عاشت على مدى التاريخ بوئام لا مثيل له، لكنها كانت على الدوام مستهدفة من قِبل القوى العالمية، التي ما وفرت جهدا لتقويض كياناتنا وخلق الصراعات بين مجتمعاتنا الداخلية.
طوال هذا القرن، بقيت السلطة في مختلف تجاربنا هوياتية وعصوبية، أكثر مما كانت تعاقدية وتمثيلية وإدارية
تلك "الحكاية الكبرى"، التي أنتج منها وعنها أعداد لا تُحصى من الأمثلة والاستعارات، كانت العمود الفقري لإنتاج الهوية الكيانية والشخصية السياسية والمخيلة الجمعية للأغلبية العظمى من أبناء منطقتنا ومواثيق دولهم وخطابات مؤسساتهم الرسمية. وتكررت بشكل متطابق في النماذج التركية والعربية والفارسية والكردية، وإن بنسب متفاوتة. ومثل صلابتها وثقتها بنفسها، كانت أداة لإنتاج أشكال من الثقة بالنفس والاعتداد بالهوية، ولو وهمية ومتخيلة، مثلما هي الحكاية الكبرى نفسها، منتجة ورغبوية، أكثر بكثير مما هي "حقيقة".
حدث ذلك بفعل عوامل عديدة ومركبة. منها عدم استقلال المجال المعرفي/ التأريخي عن نظيريه السياسي، وهيمنة هذا الأخير على الاقتصاد، الذي بقي بدوره بعيدا عن إنتاج المعرفة/التأريخ ومؤسساته.
فوق ذلك، كانت الأنظمة السياسية في هذه المنطقة تنتمي إلى نماذج شديدة السلطانية، تستمد شرعيتها من خطابات وأيديولوجيات ومخيلات عامة، لا من تمثيل وقبول عمومي، لذا كان التحكم بإنتاج التاريخ من أهم أولوياتها، وما سمحت قط بأية استقلالية أو حرية للتأريخ.
♦♦♦
طوال قرن الحداثة هذا أيضا، وفي مختلف بقاع العالم، كانت تنمو أنماطا من المؤرخين والمعرفيين بالتأريخ، مختلفون تماما عن النماذج التقليدية في بلدانهم.
هؤلاء المؤرخون الجدد، كانوا يجهدون لاجتراح ما هو معاكس لأفعال المؤرخين في تجارب منطقتنا، عن تاريخ كياناتهم ومجتمعاتهم، وأنتجوا بكثافة ما كانوا يعتبرونه "الرواية البديلة" لما صار مكرسا بفعل التعميم السلطوي. رواية مليئة بالشك ومعتدة بالمتابعة والتدقيق، ولا تفترض سلطة أو مهابة لأي شيء، بما في ذلك مقدسات الجماعات وأمن الكيانات. رواية كانوا يعتبرونها سلطانة نفسها، تملك مشروعية تامة لقول ما تصل إليه من نتائج معرفية عن التاريخ، أيا كانت.
لم يكن الرواة والمؤرخون الجدد يرون في ذلك "خيانة" لحياد واستقلال المعرفة بالتاريخ. بل على العكس تماما، كانوا يعتبرون ذلك تحقيقا وتكريسا لسلطة المعرفة وسماتها تلك. فالرواية التاريخية التقليدية تملك كل أدوات وديناميكيات القوة والهيمنة، على النقيض من السرديات المهمشة والمطمرة والمكبوتة، التي تحتاج إلى جهد معرفي ووفاء وجداني وولاء روحي، لتعيد تساويا وتوازنا مع السردية السلطوية المهيمنة.
نبش هؤلاء المؤرخون الجدد في ماضي كياناتهم. سبروا "حقائق" تشكلها، وأساطير خلقتها، وأوهام ذاكرتها الجمعية وقصصها عن نفسها وعن العالم، محصوا في أفعال سلطاتهم، وكشفوا جرائمها ومختلف آليات وتاريخ العنف فيها، وجهوا أصابع الاتهام إلى المقدسات من المرويات، وعارضوا السلطات التي كانت تسعى لإخفاء أية وثيقة أو دلالة بدعوى الأمن العام/ القومي، وهتكوا الأشياء التي كانت تُعتبر سرا جماعيا مُتوافق على السكوت عليه، وأولا كشفوا أنماط السيطرة والكراهية والتعنيف المتبادل التي غطت شكل العلاقة بين الجماعات الأهلية في مناطقهم ودولهم، في تاريخهم البعيد والقريب.
كان ثمة شغف كبير يسيطر عليهم، مبني على ولائهم الداخلي والعميق لما اعتبروه ودا وانتماء وواجبا أخلاقيا تجاه الأطراف الأضعف في مسيرة التاريخ، المهزومين غالبا، المهمشين والمقموعين، مجتمعيا وثقافيا وعرقيا وأهليا وسياسيا، داخليا وخارجيا، الذين يُستطاع عبر سرد مرويتهم ورؤاهم ومشاهدتهم، خلق توازن ما مع رواية الأقوياء المهيمنين.
تنتمي الأنظمة السياسية في هذه المنطقة إلى نماذج شديدة السلطانية، لذا كان التحكم بإنتاج التاريخ من أهم أولوياتها، وما سمحت قط بأية استقلالية أو حرية للتأريخ
لم تشهد دولنا ومنطقتنا تجارب شبيهة بتلك، خلا التجربة الإسرائيلية الثرية، مع موجة مؤرخي عقد الثمانينيات، من أمثال المؤرخين بني موريس وإيلان بابيه وشلومو ساند، الذين ناظرهم في الأدب عاموس عوز وياعيل دايان، ومن جمع بين التاريخ والسياسية والصحافة، أمثال جدعون ليفي وإبراهيم يشوع.
شكل هؤلاء تيارا للتأريخ المعاصر، شديد التشكيك في الرواية العمومية، ومتلهف على الدوام للنبش وإعادة التحميص بما هو مسكوت عنه، أو ما صار يُعتبر بمعنى أو آخر "بداهة تاريخية" ما، غير جديرة بالمراجعة.
صحيح أن تجارب منطقتنا شهدت بعض المحاولات الشجاعة في ذلك الاتجاه، كما فعل اسماعيل بيشكجي في تركيا وناصر بوربيرار في إيران وأحمد بيضون في لبنان، لكنها وإلى جانب بعض التجارب الأخرى القريبة منها، بقيت محاولات فردية، غير قادرة على التحول إلى تيار أو نموذج لما يجب أن يكون عليه التأريخ، وطبعا لم تستطع أن تؤسس أو تستند على مركز بحثي أو مؤسسة معرفية، تنتج التأريخ باستقلالية واحتراف، مثلما تُنتج المؤسسات الإنتاجية أي شيء آخر ذا قيمة.
♦♦♦
طوال هذا القرن أيضا، بقيت السلطة في مختلف تجاربنا هوياتية وعصوبية، أكثر مما كانت تعاقدية وتمثيلية وإدارية، دون أن تنتج هي ومجتمعاتها أشياء ذي قيمة مضافة، فتضخم اهتمامها واعتدادها بالتاريخ، كمنبع وحيد للـ"المجد" و"الشرعية"، ولو المتخيلة. ولأجل كل ذلك، فإنها اعتبرت هذا التأريخ وطريقة إنتاجه أداة تصارع حيوية للغاية، لفرض هيمنة القوى سياسية المجتمعات الداخلية، أو لهيمنة جماعة داخلية ما على باقي الجماعات.
انفرزت عن كامل تلك اللوحة ظاهرتان متراكبتان: فقد استمرت وتمادت قوى الهيمنة السياسية والاجتماعية في ممارسة أعمالها طوال هذا القرن، لكنها بقيت على الدوام تجد من يبرر ويتفهم ويشرعن أفعالها، دون أية قراءة تاريخية تفضحها وتشكك بشرعيتها.
معارضة الأقوياء والود للمجتمعات هو ما يليق بشرف الثقافة وبهاء المعرفة
فكامل تجارب الأحزاب القومية والأنظمة الشمولية، من الملكيات ذات الدماء الزرقاء إلى الجمهوريات العسكرية العربية، مرورا بتجارب حكم الدولة العميقة التركية والثيوقراطية القروسطية الإيرانية، بكل أفعالها وجرائمها طوال قرن كامل مضى، والتي شكلت تاريخنا المعاصر المرير، وجدت من يبرر ويتفهم أفعالها، وحتى أن يمجدها. فالمؤسسات والنُخب المنتجة للتأريخ تحولت إلى أجهزة طاعة انعكاسية، شبيهة في وعيها وآليات عملها للأجهزة العسكرية والأمنية والدعائية.
على صفحة نقيضة ظاهرا، ومطابقة جوهرا، تنامت ظاهرة "المؤرخين" الشعبويين، الذي جمعوا كثير الخطابة والانفعال والسطحية بقليل الحصافة والجهد المعرفي، هؤلاء الذي استندوا إلى مقولات عدمية ومفرغة، من مثل "مجتمعاتنا شريرة بجوهرها، ثقافتنا عنيفة بطبعها، تاريخنا كتلة كاملة من العنف، لم ننتج شيئا طوال تاريخنا... إلخ". هؤلاء الذين استندوا على إرث فتاك للاستعلاء على مجتمعاتهم وازدراء ثقافتهم، مستلهمين بشكل أو بآخر خطابات التفوق العرقي والثقافي، ولو بشكل مستبطن، يظهر وكأنه نقد للذات والهوية الجمعية.
على عكس المؤرخين الجدد تماما، فإن هاتان الظاهرتان من المؤرخين في تجاربنا، إما حابت ووالت السلطات القوية، أو كرهت وتعالت على مجتمعاتها. حيث أن العكس تماما هو ما يليق بشرف الثقافة وبهاء المعرفة، معارضة الأقوياء والود للمجتمعات.
